الوصال ــ قدّم معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، قراءة موسعة لمستقبل الاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان، متناولًا تطورات قطاع الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي الحكومي، ومراكز البيانات، إلى جانب الأدوار الجديدة للموانئ والخدمات البحرية واللوجستية، بوصفها مسارات مترابطة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة.

فضاء يتوسع

استهل معاليه خلال حديثه في برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري من «بيت الجريزة»، بالتأكيد على أن قطاع الفضاء لم يعد ملفًا تقنيًا هامشيًا، بل أصبح من القطاعات التي يجري التعويل عليها ضمن الاقتصاد الرقمي الوطني. وأوضح أن التركيز على هذا القطاع بدأ بصورة أوضح منذ عامي 2021 و2022، حين جرى اختياره ضمن القطاعات المستهدفة في الخطة الوطنية للاقتصاد الرقمي، رغم أن مساهمته في الاقتصاد الكلي للسلطنة كانت في حدود متواضعة للغاية.

وبيّن أن المؤشرات في هذا القطاع شهدت خلال الفترة الأخيرة نموًا واضحًا، سواء على مستوى عدد العاملين أو على مستوى الشركات الجديدة أو نوعية الأنشطة التي بدأت تظهر داخله، لافتًا إلى أن عدد العُمانيين العاملين فيه ارتفع من نحو 30 موظفًا فقط إلى نحو 300، في حين ظهرت قرابة 15 شركة عمانية ناشئة متخصصة في هذا المجال.

وأضاف أن بعض هذه الشركات لم يقتصر نشاطها على الأعمال البسيطة، بل دخلت في تطبيقات تقنية متقدمة، مثل تصنيع بعض المكونات الدقيقة المرتبطة بمحركات الصواريخ ومنصات الإطلاق، وهو ما يعكس انتقال القطاع من مستوى الاهتمام النظري إلى مستوى التكوين الفعلي لقاعدة وطنية قادرة على المشاركة والإنتاج.

الدقم والفضاء

وتحدث معاليه عن منصة الإطلاق في الدقم، مشيرًا إلى أنها مثلت نقطة انطلاق مهمة في هذا القطاع، وكانت باكورة هذا المسار في تجربة «الدقم 1» عام 2024. وأضاف أن الخطوة التالية كانت تستهدف إطلاق «الدقم 2» في عام 2025، عبر صاروخ ثلاثي المراحل، إلا أن الشركة المعنية فضلت تأجيل الإطلاق في اللحظات الأخيرة لأسباب فنية.

وأوضح أن هذا التأجيل لا يغيّر من حقيقة الحراك المتصاعد في القطاع، خاصة مع دخول شركات دولية إلى المشهد العُماني، وافتتاح بعضها لفروع ومقار لها داخل السلطنة من أجل الاستفادة من موقعها ومن البنية التي يجري تطويرها لهذا النوع من الأنشطة. وأشار إلى وجود شركات بريطانية وفرنسية وإسبانية تتجه إلى العمل من عُمان أو من خلال منصاتها، بما يؤكد أن السلطنة بدأت تُرى بوصفها موقعًا صالحًا وواعدًا للأنشطة المرتبطة بالإطلاق الفضائي.

قمر عُماني

وفي هذا السياق، كشف معاليه عن التوقيع مع شركة «إيرباص» لإطلاق القمر الصناعي العُماني، موضحًا أن الإطلاق يُتوقع في نهاية عام 2028، على أن يبدأ التشغيل الكامل في الربع الأول من عام 2029. وبيّن أن هذا المشروع يمثل محطة نوعية في مسار الفضاء العُماني، لأنه لا يقتصر على الرمز أو الحضور الشكلي، بل يدخل في إطار بناء أدوات عملية قابلة للاستخدام والاستثمار.

وأكد أن تركيز السلطنة في هذا القطاع لا ينحصر فقط في الجانب المتعلق بالإطلاق أو البنية العلوية، بل يمتد بصورة أكبر إلى ما وصفه بـ«الشق السفلي»، أي ما يتعلق بالبيانات الفضائية وتحليلها والاستفادة منها، وهو المجال الذي يرى أنه سيمنح السلطنة عائدًا أكبر وأثرًا أوسع على القطاعات المختلفة.

تحول رقمي

وفي ملف التحول الرقمي، أوضح معاليه أن السلطنة حققت تقدمًا ملحوظًا في أكثر من مؤشر، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، مشيرًا إلى أن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد تطوير محدود للخدمات، بل انتقال تدريجي إلى بنية رقمية متكاملة في عدد من المؤسسات والقطاعات.

وأوضح أن البوابة الوطنية للخدمات الحكومية، التي أطلقت خلال العام الماضي، سجلت أكثر من مليون مستخدم، في حين ارتفع عدد الخدمات المتاحة عليها من 35 خدمة في البداية إلى 88 خدمة، مع استمرار العمل على التوسع. وأضاف أن هذا التقدم انعكس أيضًا في حجم الإقبال الفعلي من المستخدمين، وفي نسب الرضا المرتبطة بجودة الخدمة وسهولة الوصول إليها.

وأشار إلى أن بعض المنصات الحكومية، مثل «تجاوب»، سجلت نسب رضا تجاوزت 85 بالمائة، في حين بلغ مستوى الرضا العام عن خدمات التحول الرقمي نحو 78 بالمائة، وهي نسب وصفها بالجيدة، مع وجود طموح لتحسينها أكثر في المرحلة المقبلة.

أرقام صاعدة

ولفت معاليه إلى أن أرقام المعاملات الرقمية تعكس بدورها حجم التغيير الحاصل، إذ ارتفعت المعاملات الإلكترونية بنحو أربعة أضعاف مقارنة بعام 2021، لتصل إلى 47 مليون معاملة في عام 2025. كما بلغ عدد عمليات تبادل البيانات الرقمية بين المنصات الحكومية نحو 600 مليون عملية خلال العام الماضي.

ورأى أن هذه المؤشرات لا تعبر فقط عن توسع في الاستخدام، بل عن نضج أكبر في البنية الرقمية الحكومية، وتحول فعلي في طريقة تقديم الخدمة العامة، بما يجعل التكنولوجيا جزءًا من العمل اليومي في الإدارة الحكومية، لا مجرد نافذة إضافية أو خيار جانبي.

مؤشرات دولية

وفي الإطار نفسه، استعرض معاليه موقع السلطنة في عدد من المؤشرات الدولية، موضحًا أن عُمان تقدمت إلى المرتبة الخمسين عالميًّا في الجاهزية الشبكية، كما صُنفت ضمن الفئة الأولى عالميًّا في الأمن السيبراني. وأضاف أنها تقدمت تسع مراتب في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الرقمية، لتصل إلى المرتبة 41 عالميًّا، فضلًا عن تصنيف البنك الدولي لها ضمن الفئة الأولى في التحول الرقمي.

وأشار أيضًا إلى أن السلطنة بلغت المرتبة 45 عالميًّا في مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذه المواقع تعكس تقدمًا فعليًّا، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المؤسسات مواصلة العمل بوتيرة أعلى، لأن هذا القطاع يتغير بسرعة كبيرة، ولا يترك مجالًا للتباطؤ أو الاكتفاء بما تحقق.

ذكاء اصطناعي

وعند حديثه عن الذكاء الاصطناعي، وصف معاليه هذا المجال بأنه أهم الملفات المقبلة، مؤكدًا أن تأثيره في الاقتصاد والمجتمع خلال العقود المقبلة سيكون مضاعفًا بصورة هائلة مقارنة بما أحدثه الإنترنت خلال العقود الثلاثة الماضية.

وقال إن الإنترنت، رغم ما أحدثه من تحولات كبيرة، لا يقارن من حيث التأثير المتوقع بالذكاء الاصطناعي، الذي سيعيد تشكيل قطاعات كاملة في الاقتصاد والإدارة والخدمات. وأكد أن السلطنة لا تريد أن تكون مجرد متفرج في هذا المجال، بل تسعى إلى أن تكون حاضرة فيه بصورة فاعلة ومنتجة.

وفي هذا السياق، وجّه معاليه رسالة واضحة إلى الشباب العُماني، وخاصة أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، داعيًا إياهم إلى اغتنام الفرصة في هذا القطاع مبكرًا، والتركيز على التخصصات والمسارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لأن المجال لا يزال في بداياته، والفرص فيه متاحة لمن يتحرك اليوم قبل أن تزدحم الساحة وتتحدد مواقعها النهائية.

مراكز البيانات

وفي ما يتعلق بمراكز البيانات، أوضح معاليه أن السوق العالمي اليوم يشهد طلبًا مرتفعًا يفوق المعروض، واصفًا هذا السوق بأنه «سوق بائع» لا «سوق مشتري»، بسبب التوسع الكبير في الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وما يتطلبه ذلك من قدرات تخزين ومعالجة وتشغيل متقدمة.

وبيّن أن استهلاك مراكز البيانات للطاقة العالمية كان في حدود 2 بالمائة عام 2022، ثم ارتفع إلى 4 بالمائة في 2024، ويتوقع أن يصل إلى ما بين 12 و15 بالمائة في عام 2035، ثم إلى نحو ثلث الطاقة العالمية بحلول 2050. وقال إن هذا التحول يوضح أن مستقبل مراكز البيانات مرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول على إنتاج الكهرباء وتخزينها وتقديمها بكلفة مناسبة.

وأكد أن السلطنة ترى في هذا التحول فرصة مهمة، بالنظر إلى ما تملكه من إمكانات في إنتاج الطاقة النظيفة وتخزينها، وهو ما جعل التوجه يتركز على ما وصفه بـ«البيانات الخضراء»، أي ربط مراكز البيانات بإنتاج كهرباء نظيفة قابلة للتسويق بوصفها ميزة تنافسية.

وأضاف أن هناك عملًا جاريًا مع الجهات المعنية بالطاقة والخدمات العامة من أجل بناء نموذج متكامل يجعل السلطنة قادرة على استقطاب هذا النوع من المشاريع، مؤكدًا أن الاهتمام من الشركات العالمية موجود وبصورة لافتة، وأن هناك طلبات حقيقية من شركات دولية كبرى ترغب في الاستثمار في هذا المجال داخل عُمان، مع توقع إعلان أول مشروع مهم خلال أشهر قليلة.

سوق عالمي

وأوضح معاليه أن الإقبال لا يقتصر على شركات محلية أو إقليمية، بل يمتد إلى شركات دولية كبيرة من قطاعات متعددة، بعضها معني بالطاقة، وبعضها معني مباشرة بمراكز البيانات، وبعضها يبحث عن مواقع مناسبة تجمع بين الاستقرار والموقع الجغرافي وتوافر الكهرباء النظيفة والكلفة المناسبة. وأكد أن الحكومة تعمل حاليًّا على تنظيم الإطار المناسب لهذا النوع من الاستثمار، بحيث يدخل إلى السلطنة بطريقة مدروسة ومنظمة.

موانئ ذكية

وفي الشق المرتبط بالموانئ والخدمات اللوجستية، أشار معاليه إلى أن النظرة لم تعد تقتصر على تشغيل الميناء بمعناه التقليدي، بل تتجه أيضًا إلى رقمنة العمليات، وربطها بمنظومات متكاملة ترفع الكفاءة وتخفض الكلفة وتزيد الشفافية.

وأوضح أن من بين المشاريع التي يجري العمل عليها نظام «مجتمع الموانئ»، وهو نظام رقمي سيتيح للمستفيد معرفة كل ما يتعلق بالشحنة الخاصة به منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها، بما في ذلك الجهات التي تتعامل معها، والرسوم المفروضة عليها، وتفاصيل الحركة داخل الموانئ. وأضاف أن هذا المشروع سيسهم في خلق منافسة أفضل داخل الموانئ العُمانية، ويقود في نهاية المطاف إلى خفض الكلفة على المستهلك وزيادة الإقبال على هذه الموانئ.

وبيّن كذلك أن هناك مشروعًا آخر قيد الإعداد لتطوير الربط الرقمي بين الموانئ والنقل البري، بما يجعل حركة الشحن أكثر سلاسة، ويسهم في تقليل الهدر وتحسين كفاءة النقل، مع توقع التوقيع عليه قبل نهاية السنة.

بحر واقتصاد

وفي قطاع الشؤون البحرية، أوضح معاليه أن الإيرادات الحكومية المرتبطة بهذا القطاع تضاعفت ثلاث مرات، وكان جزء كبير من هذه الزيادة ناتجًا عن تسجيل السفن تحت العلم العُماني. وأضاف أن هذا التطور يعكس تحسنًا في جاذبية السجل البحري العُماني، ويمنح القطاع بعدًا اقتصاديًّا إضافيًّا.

كما أشار إلى وجود ثلاثة استثمارات خاصة متقدمة في هذا المجال، يُتوقع توقيع اتفاقيات امتياز لها قبل نهاية العام، وتشمل إنتاج الوقود الأخضر للسفن، وإعادة تدوير السفن، وإنتاج الوقود منخفض الكبريت، وهي مشاريع تعكس انتقال القطاع البحري من دوره التشغيلي التقليدي إلى أدوار صناعية واستثمارية أوسع.

موانئ تتجدد

وعن ميناء السلطان قابوس، أوضح معاليه أن الفصل بين الجانب السياحي والجانب التجاري تم قبل نحو عامين، وأن العمل الجاري اليوم يركز على تطوير الدور السياحي والبحري للميناء، خاصة في ما يتعلق باستقبال اليخوت الفاخرة وسفن الرحلات السياحية، إلى جانب فتح مجالات لبعض الأنشطة التجارية المرتبطة بالموقع نفسه.

أما في ما يتعلق بميناءي صلالة وصحار، فأشار إلى وجود مفاوضات جارية تتعلق بمراحل التشغيل المقبلة، مع توجه واضح نحو نماذج تشغيل جديدة تعطي أثرًا اقتصاديًّا محليًّا أكبر، وتعزز قيمة هذه الموانئ في الاقتصاد الوطني.

الدقم يتحرك

وفي ما يتعلق بميناء الدقم، أشار معاليه إلى أن المعلومات المتاحة من الجهات المعنية تظهر وجود حراك مناسب، سواء في ما يتصل بميناء الحاويات أو في ما يخص التفاوض مع خطوط دولية وتوسيع الاستخدامات. وأوضح أن الميناء في وضع يسمح له بتغطية تكاليفه التشغيلية، وهو مؤشر مهم في هذه المرحلة، مع العمل على رفع مستوى النشاط فيه خلال المرحلة المقبلة.

رؤية مترابطة

واختتم معاليه هذا المحور بالتأكيد على أن ما يجري في ملفات الفضاء، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والموانئ، والخدمات البحرية، لا ينبغي النظر إليه بوصفه ملفات منفصلة، بل بوصفه أجزاء من رؤية مترابطة تسعى إلى بناء اقتصاد جديد أكثر اعتمادًا على التقنية، وأكثر قدرة على توليد القيمة المضافة، وأكثر استعدادًا لمتطلبات المستقبل.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الحراك في هذه القطاعات، سواء في المشروعات أو في الاستثمارات أو في بناء القدرات، بما يجعل سلطنة عمان أكثر حضورًا في الاقتصاد الرقمي العالمي، وأكثر قدرة على تحويل موقعها وإمكاناتها إلى فرص تنموية حقيقية.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو