الوصال ــ تحدّث الرائد محمد بن صالح الغافري، الباحث القانوني بالإدارة العامة للجمارك في شرطة عُمان السلطانية، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عن مسار الجمارك العُمانية وتطور أدوارها، مبينًا أن «الجمارك العُمانية ليست وليدة اللحظة»، وأن جذورها تمتد إلى القرن السابع عشر، وصولًا إلى منظومة حديثة تجمع بين تسهيل التجارة وحماية المجتمع بالاعتماد على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

جذور تاريخية

وأوضح الغافري أن انطلاقة الجمارك العُمانية تعود إلى عام 1624م في زمن العاربة، لافتًا إلى أنها مرت بمحطات تاريخية متعددة، وبلغت أوج حضورها في عهد الإمام سعيد بن سلطان مع اتساع دور عُمان في حماية حركة البضائع عبر البحار والقارات، فيما شهد العصر الحديث قيام «أول مبنى جمركي» عام 1924م، مؤكدًا أن مواقع الجمارك ارتبطت تاريخيًا بمحطات الساحل العُماني مثل قلهات وميناء صور وموانئ ظفار ومسقط وصحار، باعتبارها ممرات لسلاسل إمداد «محلية وعالمية».

الأمن والاقتصاد.. وجهان لعملة واحدة

وتطرق الغافري إلى شعار يوم الجمارك العالمي «الجمارك تحمي المجتمع من خلال اليقظة والالتزام»، موضحًا أنه شعار تبنّته منظمة الجمارك العالمية لإدارات الجمارك في مختلف الدول، وأن التجربة العُمانية تقوم على معادلة متوازنة تجمع بين «أمن المجتمع» و«تيسير التجارة»، إذ إن العمل الجمركي بطبيعته اقتصادي لكنه في الوقت نفسه لا يغفل حماية الإنسان والبيئة والاقتصاد من المخاطر والسلع الضارة.

بيان.. حكومة إلكترونية تضم 74 جهة

وعن نظام «بيان»، أفاد الغافري بأنه يمثل «حكومة إلكترونية» متكاملة تجمع نحو «74 وحدة حكومية وخاصة» تحت مظلة واحدة، بما يتيح للمتعاملين إنجاز معاملاتهم الجمركية إلكترونيًا «بسهولة ويسر أينما كانوا». وأشار إلى أن بعض البضائع بحكم طبيعتها «مقيدة» وتتطلب تراخيص من جهات حكومية، ويمكن الحصول عليها عبر النظام، لافتًا إلى أن «المدة المحددة للرد من كل مؤسسة ساعتان فقط» قبولًا أو رفضًا، بما يعزز سرعة تدفق السلع ويحد من التأخير.

معادلة التحدي: حماية الحدود وتسهيل التجارة

وبيّن الغافري أن أبرز تحديات العمل الجمركي تتمثل في تحقيق التوازن بين «الأمن والاقتصاد»؛ فالجمارك تمثل «الخط الأول» في حماية البلاد عبر تطبيق الرقابة الحدودية على حركة السلع والبضائع بحرفية، مع مراعاة الوقت وكسب ثقة المتعاملين، مشيرًا إلى أن توظيف التقنيات الحديثة وأجهزة التفتيش المتطورة و«الذكاء الاصطناعي» أسهم في جعل هذه المعادلة أكثر فاعلية.

التهريب يتطور لحظيًا.. وتبادل معلومات عبر ريلو

وحول تطور أساليب التهريب، قال الغافري إن الأمر «لحظي» ويتغير باستمرار، إلا أن إدارات الجمارك تسير بخط موازٍ عبر التعاون الدولي وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية. وأوضح وجود منظومة «ريلو» التي تتيح تبادل المعلومات المتعلقة بعمليات وأساليب التهريب مع دول أخرى، مؤكدًا أن هذه المستجدات تُسهم في تحديث منظومة إدارة المخاطر وتعزيز قدرات الكادر البشري والتقني على حد سواء.

شراكة مع القطاع الخاص

وأشار الغافري إلى أن المجتمع التجاري يُعد «شريكًا استراتيجيًا» لمنظومة الجمارك في بناء الأهداف التي تنسجم مع «رؤية عُمان 2040»، مبينًا أن الجمارك تقدم حزمًا ومبادرات لتسهيل مرور سلاسل الإمداد وتعزيز انسيابية الحركة التجارية، من بينها «المشغل الاقتصادي الحر» و«الممر الآمن» وغيرها من المبادرات التي تُطلق سنويًا بالتعاون مع المجتمع التجاري.

أكثر من ألف قضية جمركية في 2025 بزيادة 10%

وفي لغة الأرقام، أوضح الغافري أن عام 2025 شهد «ازديادًا بنسبة 10%» مقارنة بعام 2024، حيث سجلت القضايا الجمركية «ألف قضية وما يزيد»، معتبرًا أن ارتفاع الأرقام يُقرأ في سياق نمو الحركة التجارية، مع التأكيد على أن منظومة الجمارك تمتلك «اطمئنانًا أكبر» بفضل تأهيل الموظف الجمركي وتوظيف التقنية والذكاء الاصطناعي في اكتشاف الجرائم والتصدي لها.

التهريب والتهرب الضريبي.. فرق قانوني واضح

وأوضح الغافري الفرق بين «التهريب» و«التهرب الضريبي»، مشيرًا إلى أن التهريب هو الشروع في إدخال البضاعة بالمخالفة لأحكام قانون الجمارك، وأن «الشروع يُعد جريمة مكتملة الأركان»، بينما يتمثل التهرب الضريبي في محاولة الإفلات من دفع الضريبة الجمركية المستحقة لخزانة الدولة، مؤكدًا أن كلاهما يشكل «جرائم جمركية» تستوجب المساءلة وفق القانون.

التدقيق اللاحق خلال خمس سنوات

وتحدث الغافري عن آلية «التدقيق اللاحق»، موضحًا أنها تتمثل في مراجعة مستندات الشركات المستوردة والتأكد من سلامة توصيف البضائع وإدخال البيانات وإرفاق الوثائق بالشكل الصحيح عبر نظام «بيان». وأضاف أن للجمارك حق المطالبة بفروق الضرائب «خلال خمس سنوات»، مستشهدًا بأن المادة «176» من قانون الجمارك نصّت صراحة على هذا الحق بالنسبة لواردات سلطنة عمان.

رمز الذكي.. تبويب السلع بالذكاء الاصطناعي

وحول توظيف الذكاء الاصطناعي، أشار الغافري إلى «تطبيق رمز الذكي» بوصفه إحدى أدوات الجمارك الجديدة، موضحًا أنه يساعد في «تصنيف وتبويب السلع» عبر الرمز المنسق لكل سلعة، ويُظهر ما إذا كانت السلعة «مسموحة أو مقيدة أو ممنوعة» والضرائب المرتبطة بها، بل ويمكن أن يحدد «قيمة السلعة» ويفيد عبر تصويرها للتعرف على كودها بشكل فوري، بما يقلل من الأخطاء ويعزز الوعي لدى المستوردين والمخلصين الجمركيين.

إدارة مخاطر استباقية والتخليص المسبق

وأوضح الغافري أن «اليقظة» تعني وجود مرحلة استشرافية قبل وصول البضاعة للمنفذ لتحديد احتمالات المخاطر، لافتًا إلى أن تحليل البضائع عبر الفحص الإلكتروني يتم «قبل التفتيش المادي» ما يعزز الرقابة الاستباقية. كما تطرق إلى «التخليص المسبق» الذي يتيح للمستورد إنجاز إجراءاته قبل وصول البضاعة، بالتوازي مع امتلاك الجمارك أدوات تقنية لاستكشاف أي تهديد محتمل لجريمة جمركية.

المصادرة والتسوية الصلحية وفق القانون

وتناول الغافري ما يتردد حول «المصادرة»، موضحًا أن الإجراءات ليست عشوائية، بل إن القانون رسم مسارًا واضحًا: إما الإحالة إلى القضاء أو إجراء «التسوية الصلحية» بناءً على طلب يتقدم به مرتكب الجريمة، وفق ما نص عليه القانون في المادتين «151» و«152» من قانون الجمارك الموحد، مشيرًا إلى أن قبول التسوية يخضع لدراسة تضمن عدم الإضرار بالمجتمع أو أمن البلاد، وإلا تُحال القضية إلى الادعاء العام ثم المحكمة المختصة.

المزاد للبضائع المتروكة والمتنازل عنها

وحول المزادات، أوضح الغافري أن بعض البضائع قد تبقى في المنافذ بسبب نقص مستندات أو موافقات وعدم استكمال الإجراءات، ولتفادي تراكمها تُعرض في «مزاد علني» وفق إجراءات قانونية. وأضاف أن المزاد قد يشمل أيضًا بضائع «متنازلًا عنها» من المالكين حين يرون أن إرجاعها لمصدرها سيشكل «عبئًا ماليًا إضافيًا»، فيفضلون التنازل لصالح الدولة.

ماجستير العلوم الجمركية والضرائب.. سابقة إقليمية

وفي جانب بناء القدرات، قال الغافري إن من أبرز مبادرات هذا العام إطلاق «برنامج ماجستير في العلوم الجمركية والضرائب» بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، واصفًا إياه بأنه «سابقة إقليمية» يُعوّل عليها لاستقطاب كوادر حتى من خارج سلطنة عمان. وأكد استمرار برامج التدريب عبر مركز التدريب الجمركي والمنصات الإلكترونية، إلى جانب تأهيل «المخلصين الجمركيين» الذين لا يُسمح لهم بممارسة المهنة إلا بعد اجتياز دورات متخصصة.

الجمارك الخضراء.. حماية البيئة مع تسهيلات للاستثمار

وأوضح الغافري أن مفهوم «الجمارك الخضراء» يعكس توسع دور الجمارك ليشمل حماية البيئة ومنع دخول المواد الضارة مثل «المواد المشعة» وما يمس سلامة طبقة الأوزون، بالتزامن مع تسهيلات تُمنح للاستثمارات في «القطاع الأخضر» وعلى رأسها الطاقة الخضراء، بما يشمل «إعفاءات ضريبية» وتبسيط الإجراءات، مقابل «تشديد وردع» على أي تجاوز يهدد الإنسان والبيئة.

المخلصون الجمركيون.. وكلاء قانونيون والتعمين 100%

وأشار الغافري إلى أن المخلص الجمركي يعد «وكيلًا قانونيًا» مفوضًا بتخليص المعاملات ويتحمل مسؤولية كبيرة في إدخال البيانات، في ظل توجه «لا أوراق» واعتماد الإجراءات المؤتمتة عبر «بيان». كما أكد أن «نسبة التعمين 100%» في قطاع المخلصين الجمركيين، وأن الرخص تمنح «للعمانيين والخليجيين» وفق ما نص عليه قانون الجمارك الموحد لمواطني دول مجلس التعاون.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو