الوصال ــ استعرض السيد الدكتور أحمد بن سعيد بن خليفة البوسعيدي، عضو الجمعية العمومية للجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، مسيرة الجمعية منذ فكرة تأسيسها حتى اتساع أنشطتها وبرامجها في مختلف محافظات سلطنة عُمان، موضحًا أن فكرة إنشاء الجمعية بدأت قبل أكثر من عشر سنوات، وتحديدًا منذ عام 2010 تقريبًا، حين اتجه عدد من المهتمين بخدمة القرآن الكريم إلى التفكير في إقامة جمعية متخصصة تتكامل مع الجهود الحكومية والتطوعية والخيرية القائمة في هذا المجال. وأشار إلى أن التقديم الرسمي تم في عام 2012، ثم مضت الجمعية في استكمال الإجراءات المتعلقة بالنظام الأساسي والمستندات المطلوبة، إلى أن تم إشهارها في عام 2016، وهي اليوم تكمل عامها العاشر في خدمة المجتمع والقرآن الكريم.

تكامل مع الجهود القائمة

وأوضح البوسعيدي أن الجمعية لم تنشأ لتكون بديلًا عن الجهود القرآنية الأخرى في سلطنة عُمان، لكنها جاءت لتتكامل معها وتضيف إلى مسار الخدمة القرآنية بعدًا مؤسسيًّا أكثر تنظيمًا واتساعًا. ولفت إلى أن العمانيين عرفوا منذ زمن بعيد عنايتهم بالقرآن الكريم حفظًا وتلاوة وتعليمًا، حتى في البيئات البسيطة، مستذكرًا أن التعليم القرآني في الماضي كان يتم تحت ظلال الأشجار وفي أجواء شديدة البساطة، ومع ذلك خرجت أجيال مرتبطة بالقرآن ومتقنة لتلاوته. وأضاف أن الخدمة القرآنية في سلطنة عُمان تطورت تدريجيًّا مع الوقت، سواء عبر جهود وزارة الأوقاف والشؤون الدينية أو عبر المبادرات التطوعية والخيرية، ثم جاءت الجمعية لتستفيد كذلك من تجارب دول أخرى ومن خبرات متنوعة في بناء منهجية أوسع للعناية بالقرآن الكريم.

العناية بمعناها الواسع

وأشار إلى أن اختيار اسم «الجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم» لم يأتِ من فراغ، لأن مفهوم «العناية» هنا يشمل مختلف الجوانب المرتبطة بكتاب الله، من التحفيظ إلى التلاوة والتجويد، ومن التدبر إلى القيم والأخلاق والربط بالحياة اليومية. وأكد أن القرآن الكريم ليس مجرد مجال للتعليم اللفظي أو الحفظ المجرد، لكنه مصدر تبنى عليه شخصية الإنسان، وتستمد منه المعاني التربوية والنفسية والاجتماعية، ولذلك حرصت الجمعية على تنويع برامجها بما يقرّب القرآن من مختلف فئات المجتمع، سواء عبر البرامج الحضورية أو البرامج الإلكترونية أو المقاطع المرئية أو المبادرات التفاعلية.

برامج تواكب العصر

وبيّن البوسعيدي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، أن الجمعية عملت على مواكبة أدوات العصر في تقديم الخدمة القرآنية، فأطلقت برامج عن بُعد، ومحتوى مرئيًّا، وبطاقات قرآنية، وورشًا متنوعة، حتى يصل القرآن إلى فئات المجتمع المختلفة في البيوت والأماكن البعيدة، لا سيما في ظل التغيرات التي طرأت على نمط الحياة وتزايد انشغال الناس بوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المختلفة. وذكر من بين النماذج التي قدمتها الجمعية برنامج «المبشرات المطمئنات»، الذي أُعدّ خلال فترة جائحة كورونا، حيث جاءت حلقاته القصيرة لتقديم دعم نفسي وتربوي من خلال آيات القرآن الكريم، في وقت كان فيه المجتمع يمر بظروف صعبة اتسمت بالخوف والقلق وفقد الأحبة. وأوضح أن هذه الحلقات ركزت على بث الطمأنينة والأمل وربط الناس بالهدي القرآني في مواجهة الابتلاءات.

تقريب القرآن إلى الأجيال

وأكد البوسعيدي أن الجمعية تولي عناية خاصة بتقريب القرآن إلى الأجيال الحديثة، من خلال برامج لا تقتصر على التحفيظ، لكنها تمتد إلى التدبر، وفهم المعاني، وربط القرآن بقيم الحياة وأخلاقها، مع استحضار احتياجات الأطفال والناشئة والشباب. وأشار إلى أن من البرامج التي قدمتها الجمعية في هذا السياق «سور صلاتي»، الذي يركز على ضبط تلاوة سورة الفاتحة والعشر السور الأخيرة من جزء عمّ، إلى جانب برامج أخرى تقوم على بطاقات قرآنية قصيرة تنطلق من آية معينة ثم تقدم معناها أو إشاراتها في سطر أو سطرين، بطريقة ميسرة تناسب مختلف الفئات. كما لفت إلى وجود برامج تربط الطفل بالقرآن من خلال أنشطة حياتية، مثل برنامج «النباتات في القرآن الكريم»، الذي يجمع بين تعليم الزراعة وغرس القيم القرآنية وربط الطفل بنعم الله تعالى في الكون.

مراكز في المحافظات

وأوضح البوسعيدي أن الجمعية توسعت تدريجيًّا في افتتاح مراكزها التابعة لها في مختلف محافظات سلطنة عُمان، حتى بلغ عددها نحو 16 مركزًا، موزعة في عدد من المناطق، منها مسندم، وصحار، وصحم، والمصنعة، وبركاء، والسيب، وبوشر، والعامرات، ووادي المعاول، ونزوى، وبهلا، وصلالة، وغيرها. وأكد أن الجمعية لا تفتح حلقات أو برامج بشكل عشوائي، لكنها تعمل وفق معايير تراعي الجودة في اختيار المعلمين والمشرفين والبرامج، وتحرص على المتابعة والتقييم والزيارات الميدانية لضمان جودة الخدمة القرآنية المقدمة. وأضاف أن الجمعية تقدم دورات تخصصية للمعلمين والمشرفين، وتستخدم التغذية الراجعة والاستبانات بعد كل برنامج أو دورة، حتى تطور أعمالها وتبني على الملاحظات التي تردها من المشاركين.

الحضور عن بُعد

وتطرق البوسعيدي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»، إلى جانب مهم في تجربة الجمعية، يتمثل في اتساع البرامج التي تقدم عن بُعد، مشيرًا إلى أن هذا المسار أتاح الفرصة لفئات كثيرة لم تكن تستطيع الحضور المباشر، سواء بسبب البعد الجغرافي أو الظروف الخاصة أو ضيق الوقت. وذكر أن من أبرز هذه البرامج «برنامج تأهيل معلمي ومعلمات القرآن الكريم»، وهو برنامج تخصصي يمتد لسنتين ويقام بالكامل عن بُعد، من بدايته حتى امتحاناته النهائية. كما أشار إلى وجود برامج أخرى متخصصة في الإقراء والإجازات القرآنية والتجويد والإتقان، وكلها تدار عبر الوسائط الإلكترونية، بما أتاح لعدد كبير من المشاركين من داخل السلطنة وخارجها الالتحاق بها والاستفادة منها.

ما الإجازة القرآنية؟

وأوضح السيد الدكتور أحمد البوسعيدي أن «الإجازة القرآنية» تعني تمكين المتدرب من إتقان تلاوة القرآن الكريم كاملًا من بدايته إلى نهايته، مع الضبط الدقيق لأحكام التجويد نظريًّا وتطبيقيًّا، بحيث لا يقتصر الأمر على حسن القراءة فقط، لكنه يشمل كذلك فهم سبب الإتيان بالحكم التجويدي وكيفية تطبيقه، ومعرفة الأوجه المختلفة في الأداء. وأضاف أن الوصول إلى الإجازة يمر بمراحل متعددة، تبدأ بمرحلة تمهيدية ثم تتدرج حتى يبلغ المتدرب المستوى الذي يؤهله للإجازة، لافتًا إلى أن المجال مفتوح فيها للصغار والكبار، وأن بعض الأطفال في السلطنة حصلوا بالفعل على الإجازة القرآنية في أعمار مبكرة.

بين الإقبال والهجر

ورأى عضو الجمعية العمومية للجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم أن الواقع الحالي يكشف جانبين متوازيين؛ أحدهما مبشر ويتمثل في الإقبال الواضح على القرآن والبرامج القرآنية، والآخر مقلق ويتصل بحالة من الهجر والانشغال عن القرآن، خاصة في ظل العالم المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي التي تستنزف أوقاتًا طويلة من الشباب والناشئة. وأضاف أن هذا الانشغال لم يؤثر فقط في علاقتهم بالقرآن، لكنه انعكس أيضًا على بعض المظاهر التعبدية والانضباط في الصلاة وفي الحلقات القرآنية. وأكد أن الجمعية تدرك هذا التحدي، ولذلك تعمل على تنويع برامجها وحزمها القرآنية لتصل إلى الناس حيثما كانوا، سواء في البيوت أو عبر الوسائط الإلكترونية، في محاولة لإعادة القرآن إلى حضوره الطبيعي في كل أسرة.

الأسرة ودورها

وفي حديثه عن دور الأسرة، شدد البوسعيدي على أن ولي الأمر مطالب شرعًا وتربويًّا بالعناية بتعليم أبنائه القرآن الكريم، لا بوصفه مجرد مهارة دينية، لكن باعتباره أصلًا في بناء الشخصية والخلق والسلوك. ولفت إلى أن القرآن لا يتعارض مع العلوم الأخرى ولا يعطل التفوق في مجالات الحياة، بل يدعمها ويمنح الإنسان بركة في حياته وانضباطًا في وقته وشخصيته، مؤكدًا أن كثيرًا من المتفوقين في المجالات الطبية والهندسية والعلمية هم من حفظة القرآن أو من المواظبين على صلتهم به. وأضاف أن المجتمع بحاجة إلى تصحيح الفكرة التي توهم البعض أن الاهتمام بالقرآن قد يأتي على حساب الدراسة أو المهارات الحديثة، في حين أن القرآن، بحسب تعبيره، هو «أسلوب حياة» يوجه الإنسان في دنياه وآخرته معًا.

الصيف فرصة

ودعا البوسعيدي إلى استثمار الإجازة الصيفية في البرامج القرآنية، مبينًا أن الجمعية أعدت حزمة متنوعة من البرامج والأنشطة لفترة الصيف، موزعة على المراكز المختلفة، وتشمل برامج قصيرة وطويلة، وحضورية وعن بُعد، وتستهدف مختلف الفئات العمرية. وأوضح أن الفراغ الصيفي يمكن أن يكون نعمة عظيمة إذا استثمر فيما ينفع، ويمكن أن يتحول إلى باب للهدر والضياع إذا ترك بلا توجيه. وأشار إلى أن الجمعية تقدم كذلك خدمات فردية لمن لا تناسبهم البرامج الجماعية، سواء في الحفظ أو المراجعة أو تصحيح التلاوة، بحسب الوقت الذي يناسب كل شخص وظروفه.

دعم مجتمعي وأوقاف

وأوضح البوسعيدي أن الجمعية، بحكم طبيعتها الخيرية، تعتمد على الدعم المجتمعي وأهل الخير في استمرار برامجها وتوسيع خدماتها، مشيرًا إلى وجود حساب «أكفلني» المخصص لكفالة الحلقات القرآنية والمنتسبين للبرامج، إلى جانب مبادرات متنوعة من متبرعين ومحسنين، سواء عبر تقديم أوقاف أو دعم مبانٍ أو تخفيضات في الإيجارات أو التكفل ببرامج قرآنية كاملة. ولفت إلى أن الجمعية لا تستهدف الربح ولا جمع الأموال، لكنها تسعى إلى تقديم الخدمة القرآنية بأقل التكاليف الممكنة، مع الحفاظ على أعلى المعايير في الجودة. وأضاف أن بعض البرامج تقدم مجانًا بالكامل، وبعضها برسوم رمزية جدًا، فيما يعفى أصحاب الدخل المحدود متى ما توفرت المبررات اللازمة لذلك، بما يضمن وصول الخدمة القرآنية إلى الجميع.

شراكات واتساع أثر

وأشار البوسعيدي إلى أن الجمعية استطاعت أن تبني شراكات مع عدد من الجهات الحكومية والخاصة والأندية والجامعات والكليات، من أجل إقامة مسابقات قرآنية ودورات تخصصية وبرامج تدريبية في التجويد والتحكيم والإقراء. وذكر أن الجمعية أشرفت على مسابقات في جامعات ومؤسسات تعليمية، ووفرت لها المعايير الفنية وآليات التقييم والتحكيم. كما أوضح أن من المسابقات التي حظيت بإقبال واسع «مسابقة أجمل تلاوة»، التي شارك فيها أكثر من ألف متسابق من أكثر من 25 جنسية، وهو ما عدّه دليلًا على أن خدمة القرآن ينبغي أن تبقى مفتوحة للجميع داخل هذا المجتمع، وأن الجمعية تسعى بالفعل إلى أن تكون مظلة قرآنية جامعة لا تقتصر على فئة بعينها.

رسالة أخيرة

وفي ختام حديثه، حثّ السيد الدكتور أحمد البوسعيدي أفراد المجتمع على الاستفادة من البرامج والخدمات التي تقدمها الجمعية، خاصة مع دخول الإجازة الصيفية، داعيًا الأسر إلى تخصيص جزء من أوقات أبنائها للقرآن الكريم إلى جانب بقية الأنشطة، وعدم نسيان أن القرآن ــ كما قال ــ يحقق التوازن النفسي ويبعث الطمأنينة في القلب. كما دعا أهل الخير والجهات الداعمة إلى مواصلة مساندة هذه الجهود، سواء عبر كفالة الحلقات أو دعم البرامج أو المساهمة في مشروعات الجمعية، مؤكدًا أن ما يقدم في خدمة القرآن يبقى في ميزان الحسنات، وينعكس أثره على الفرد والمجتمع معًا.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو