د. أحمد البوسعيدي لـ«الوصال»: الخصوبة تراجعت من 4 إلى 2.8 خلال 10 أعوام.. والتحرك مطلوب قبل الوصول إلى معدل الإحلال 2.1
منتدى الوصال
الوصال ـ أكد الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي، استشاري طب الأسرة وأمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، أن مؤشرات الخصوبة والمواليد في سلطنة عُمان تشهد تراجعًا يستدعي التدخل قبل الوصول إلى معدل الإحلال البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، موضحًا أن معدل الخصوبة الكلي انخفض من 4 أطفال لكل امرأة في عام 2015 إلى 2.8 في عام 2025.
وخلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، بيّن البوسعيدي أن استمرار الاتجاه الحالي قد يقود إلى الاقتراب من معدل الإحلال خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان ما زالت في وضع أفضل من عدد من دول المنطقة، إلا أن المطلوب هو التحرك في الوقت المناسب والمحافظة على معدل يتراوح تقريبًا بين 2.5 و3 أطفال لكل امرأة. وأوضح أن معدل الإحلال يمثل المستوى الذي تحتاج إليه المجتمعات للمحافظة على حجمها السكاني دون انكماش، وهو 2.1 طفل لكل امرأة، لافتًا إلى أن انخفاض المعدل دونه يعني على المدى البعيد تراجع الكثافة السكانية وارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بالفئات الشابة والقادرة على العمل.
17 ألف مولود أقل
وتظهر الأرقام، بحسب البوسعيدي، أن التراجع لا يقتصر على معدل الخصوبة، إذ بلغ عدد المواليد في عام 2015 نحو 79 ألفًا و900 مولود، بما يقارب 80 ألفًا، قبل أن ينخفض في عام 2025 إلى نحو 63 ألف مولود، بفارق يقارب 17 ألف طفل خلال عشر سنوات. ووصف هذا الفارق بأنه فقد لجزء من الثروة السكانية المستقبلية، على اعتبار أن مواليد اليوم هم الذين يشكلون بعد عقدين أو أكثر جزءًا من القوى العاملة والكوادر في مختلف القطاعات.
وفي قراءة لمؤشرات العام الجاري، أشار إلى أن بيانات النصف الأول سجلت نحو 28 ألفًا و800 مولود، موضحًا أنه إذا استمر النصف الثاني بالمعدل نفسه فقد يدور إجمالي المواليد خلال العام حول 56 إلى 57 ألفًا، وهو ما يعني استمرار التراجع مقارنة بعام 2025. ولفت إلى أن معدل الخصوبة في سلطنة عُمان كان في فترات سابقة أعلى من المستويات الحالية، ووصل في بعض المراحل إلى نحو 6 أطفال لكل امرأة، فيما كانت أعداد المواليد تدور عند مستويات أعلى مما تسجله البلاد حاليًا.
أسباب متداخلة
وعزا البوسعيدي هذا التحول إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية ونمط الحياة، من بينها تأخر الزواج بسبب الدراسة واستكمال الدراسات العليا، وتأخر الحصول على الوظيفة، وارتفاع تكاليف الزواج والسكن، إلى جانب الكلفة المرتبطة بتربية الأطفال وتعليمهم وعلاجهم. كما دخلت رغبة بعض الأزواج في تأجيل الإنجاب بعد الزواج أو الاكتفاء بطفل أو طفلين ضمن المتغيرات التي أسهمت في تقليص حجم الأسرة، فضلًا عن تأثير أنماط الحياة التي تقدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة للأسرة الصغيرة باعتبارها النموذج الأكثر راحة وسهولة.
ويرتبط التعليم كذلك بهذا التحول من زاوية تأخر الزواج والإنجاب، إذ قد يقضي الشاب أو الشابة سنوات أطول في الدراسة والتخصص، بينما تتأخر المرأة في الحمل إلى مراحل عمرية متقدمة نسبيًا، وهو ما يقلص السنوات المتاحة للإنجاب قبل بدء التراجع الطبيعي في الخصوبة بعد منتصف الثلاثينيات. أما مستوى الدخل، فأوضح البوسعيدي أنه لم يطلع على دراسة محلية تربط الدخل مباشرة بعدد الأطفال، إلا أن بعض أنماط الحياة الأكثر رفاهية قد تدفع الأفراد إلى تفضيل أسر أصغر بسبب الوقت والجهد اللذين تتطلبهما متابعة الأطفال وتربيتهم.
الزواج وتكاليفه
ورأى أن معالجة انخفاض المواليد تبدأ قبل مرحلة الإنجاب نفسها، من خلال إزالة العقبات التي تؤخر الزواج، وفي مقدمتها التوظيف والتكاليف المرتفعة المرتبطة بتأسيس الأسرة. وتطرق إلى الأعراف الاجتماعية التي رفعت تكلفة الزواج خلال السنوات الأخيرة، ومنها تعدد المناسبات والحفلات وقاعات الأفراح والهدايا والتصوير واتساع قوائم المدعوين، معتبرًا أن تقليص هذه الالتزامات يسهم في تخفيف العبء على المقبلين على الزواج.
وأضاف أن بعض الشباب يتحدثون اليوم عن الحاجة إلى 15 أو 20 ألف ريال لتغطية تكاليف الزواج، وهي مبالغ لم تكن مألوفة بالمستوى نفسه في السابق، الأمر الذي يستدعي دورًا مجتمعيًا وتوعويًا في مراجعة هذه الممارسات. ويأتي السكن ضمن التحديات اللاحقة للزواج، خصوصًا في المدن التي ترتفع فيها أسعار الأراضي والإيجارات، مع تركز جزء من فرص العمل في محافظة مسقط، إلى جانب الحاجة إلى مواصلة دعم برامج السكن وصندوق الزواج ومنظومة الحماية الاجتماعية ومنافع الطفولة والأسرة.
دعم المرأة
وفي جانب آخر، شدد البوسعيدي على أهمية ألا تتحول الدراسة أو الوظيفة إلى عائق أمام المرأة التي ترغب في الحمل والولادة، داعيًا إلى توسيع المبادرات التي تساعد المرأة العاملة على التوفيق بين مسؤوليات الأسرة ومسارها المهني. واستشهد بتمديد إجازة الأمومة وتوفير بعض الجهات حضانات للأطفال وساعات للرضاعة، معتبرًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من التسهيلات التي تمكن المرأة من الحمل والولادة والرضاعة دون أن تضطر إلى التضحية بالتعليم أو العمل.
وطرح كذلك إمكانية تطوير أنظمة خاصة للطالبات في مؤسسات التعليم العالي تسمح لهن بالحمل والولادة ومواصلة الدراسة، من خلال خيارات أكثر مرونة مثل تأجيل بعض الفصول الدراسية أو الدراسة عن بُعد عند الحاجة، إلى جانب وضع ترتيبات مماثلة للموظفات حتى لا تصبح الوظيفة عائقًا أمام تكوين الأسرة. وفي حديثه عن سن الزواج، رأى أن سنوات العشرينيات تعد الأنسب للحمل من الناحية البيولوجية، وأن المجتمع والأنظمة التعليمية والمهنية يمكن أن تتكيف مع احتياجات المرأة في هذه المرحلة بدل دفعها إلى تأخير الحمل حتى سنوات متقدمة.
وأضاف أن الزواج في سن 18 أو 19 عامًا ليس غريبًا عن المجتمع العُماني من الناحية التاريخية، مشيرًا إلى أهمية عدم تأخير التفكير في تكوين الأسرة بصورة تؤدي إلى تضييق الفترة المناسبة للحمل، مع التأكيد على أن الحديث يدور عن سن الرشد القانوني وليس الأعمار القريبة من الطفولة.
التدخل قبل 2.1
وحول التجارب الدولية، ذكر البوسعيدي أن دولًا عديدة لجأت بعد انخفاض معدلات الخصوبة إلى حوافز مالية ومنافع للأطفال وتخفيضات ضريبية ودعم الأسر، إلا أن رفع المعدلات بعد تراجعها يصبح أكثر صعوبة من المحافظة عليها قبل وصولها إلى مستويات منخفضة. وأشار إلى تجربة فرنسا التي استخدمت منافع الأطفال والإعفاءات والتخفيضات الضريبية للعائلات ونجحت في رفع المعدل بدرجة محدودة، فيما أظهرت تجارب أخرى أن تغيير السلوك الإنجابي بعد استقراره على مستويات منخفضة ليس بالأمر السهل.
واعتبر أن هذه التجارب تعزز أهمية التحرك المبكر في سلطنة عُمان، بحيث يكون الهدف في المرحلة الحالية وقف الاتجاه النزولي والمحافظة على معدل الخصوبة عند مستوى مناسب بدل انتظار هبوطه إلى معدل الإحلال ثم محاولة رفعه لاحقًا. وتبحث اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا هذا الملف ضمن الملتقى الفكري الثالث عشر حول تعزيز الاستقرار الأسري وانخفاض معدلات المواليد والخصوبة، بمشاركة عدد من الجهات الحكومية والتشريعية والاجتماعية، للوصول إلى تصورات تحدد دور كل جهة في دعم الأسرة ورفع معدلات الخصوبة والمواليد.
وأوضح البوسعيدي أن معالجة الملف مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من التشريعات والأنظمة التي تسهل الزواج وتدعم المرأة والأسرة، وتمتد إلى الجهات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والمجتمع نفسه، مؤكدًا أن الوصول إلى نتائج يتطلب التعامل مع الأسباب مجتمعة وليس من خلال إجراء واحد منفرد.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


