الوصال ـ قدّم الدكتور المعتصم المعمري في كتابه «العُمانيون.. مقاربة سيكولوجية من منظور علم النفس السياسي» محاولة لفهم عدد من السمات والأنماط السلوكية في المجتمع العُماني، من خلال قراءة تتقاطع فيها علوم النفس والسياسة والاجتماع والاقتصاد، مؤكدًا أن دراسة سلوك المجتمعات ليست ترفًا فكريًّا، وإنما مدخل أساسي لفهم الذات وتحديد نماذج التنمية الأكثر ملاءمة للسياق الوطني. وأوضح خلال استضافته في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن استخدام مصطلح «مقاربة» في عنوان الكتاب جاء للتأكيد على أن العمل لا يدّعي تقديم حكم نهائي على شخصية العُمانيين أو الإحاطة بجميع سماتهم.

وبيّن أن الكتاب يقدم محاولة تقترب من الواقع، استنادًا إلى دراسات تناولت شرائح من المجتمع، وقراءات لأمثلة واقعية ومقاربات علمية، مع إبقاء المجال مفتوحًا للنقد والنقاش والتطوير.

وأشار إلى أنه لا يمكن التعامل مع المجتمع العُماني وكأنه شخصية واحدة تمتلك صفات ثابتة تنطبق على الجميع، لأن أي مجتمع يضم أفرادًا متنوعين ومختلفين، إلا أنه يمكن رصد بعض السمات الأكثر شيوعًا أو حضورًا في سياقه الاجتماعي والثقافي. وأضاف أن كلمة «مقاربة» تبعث رسالة واضحة إلى القارئ بأن ما يقدمه الكتاب محاولة للفهم والتحليل، وليست أحكامًا عامة لا تقبل المراجعة أو التشكيك.

فهم الذات

وحول الفائدة التي يمكن أن يحققها القارئ من الكتاب، أكد المعمري أن فهم السمات الاجتماعية والسلوكية يساعد الأفراد على الإفادة منها، والتصالح مع الاختلافات بينهم، وتحسين بعض الجوانب الشخصية والمهنية. وأوضح أن التساؤلات المتعلقة بردود فعل العُمانيين تجاه الأحداث المحلية والخارجية، أو السلوكيات التي يلاحظها زوار سلطنة عُمان، تستحق الدراسة لفهم أسبابها وخلفياتها.

وأشار إلى أن الكتاب تناول السلوك المالي والسياسي والاجتماعي والإعلامي والأسري، إلى جانب طريقة تعامل العُمانيين مع غيرهم، وهي دوائر تتقاطع مع حياة كل فرد ومجال عمله بصورة أو بأخرى. وبيّن أن كثيرًا من المجتمعات أصبحت مهتمة بدراسة سلوكها وفهم ذاتها، لأن هذا الفهم يمكّنها من معرفة ما يناسبها، وتحديد الطريقة التي تريد أن يتعامل بها الآخرون معها، والانتقال إلى مراحل جديدة من التنمية تتوافق مع خصوصيتها.

وأكد أن سلطنة عُمان بذلت خلال العقود الماضية جهودًا كبيرة لترسيخ وحدة الشعب ووضع أسس الدولة الحديثة، فيما تتطلب طموحاتها الداخلية والخارجية المقبلة استثمارًا أوسع في العلوم الإنسانية. وأوضح أن العلوم الإنسانية يمكن أن تعمل بوصفها بوصلة تحدد نماذج التنمية المناسبة لسلطنة عُمان، وتساعد على صياغة السمعة العالمية التي تنسجم مع هويتها وإمكاناتها. وأضاف أن الكتابة في هذا المجال تمثل مساهمة في تطوير فهم المجتمع العُماني، واستثمار عناصر الوحدة والاختلاف داخله لتحقيق مزيد من الازدهار.

وحدة المجتمع

وتناول الدكتور المعتصم المعمري خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» السؤال المتعلق بأبرز الصفات التي تتبادر إلى الذهن عند ذكر العُمانيين، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين وغير العُمانيين قد يذكرون التسامح والترحيب ودماثة الخلق. وأشار إلى أن قدرة الشخص على القفز مباشرة إلى تحديد صفات للشعب تعكس تصورًا وجدانيًّا للمجتمع وكأنه إنسان واحد يمتلك سمات شخصية موحدة.

وبيّن أن هذا التصور لا يكون دقيقًا من الناحية العلمية والمنطقية، لأن أفراد المجتمع مختلفون ومتباينون، إلا أن الشعور بوحدة الشعب يمثل حاجة وجدانية لدى جميع المجتمعات. وأضاف أن الشعوب تحتاج إلى الإحساس بأنها تتشارك مجموعة من الصفات والقيم، حتى لو لم تكن هذه السمات موجودة لدى كل فرد بالمستوى نفسه. وأكد أن التعبير الأدق يتمثل في الحديث عن سمات أكثر شيوعًا بين العُمانيين، بدل الادعاء بأن جميع أفراد المجتمع يمتلكونها. ولفت إلى أن الفصل الأول من الكتاب يحاول الوقوف على المساحات التي قد يشترك فيها عدد كبير من العُمانيين، دون تعميمها على الجميع أو تقديمها بوصفها صفات ثابتة.

أثر البيئة

وتطرق المعمري إلى أثر البيئات الجغرافية المختلفة في تشكيل بعض السمات والسلوكيات، موضحًا أن الكتاب تناول بيئات السواحل والجبال والأودية والأرياف والرمال والبادية. وأشار إلى أن الحديث عن الاختلافات الداخلية لا يحظى عادة بقبول واسع في سلطنة عُمان، وهو أمر مبرر في مجتمع لا تقوم بنيته على الطبقية أو النظرة الاستعلائية من فئة تجاه أخرى.

وأكد أنه لا يفضل طرح هذه التقسيمات في النطاق العام بصورة تؤدي إلى التصنيف أو التمييز، إلا أنها قد تكون مفيدة ضمن البحث الأكاديمي لفهم التنوع واستثماره في التنمية. وبيّن أن الإنسان ابن بيئته، وأن سكان الجبال قد يطورون عبر الزمن أنماطًا وسمات تختلف عن سكان السواحل أو البادية، نتيجة اختلاف ظروف الحياة ووسائل كسب العيش والتحديات المحيطة بهم.

وأضاف أن سلطنة عُمان تتميز بتنوع جغرافي واسع، كما أن سكان كثير من مناطقها ظلوا مستقرين في بيئاتهم لفترات طويلة، بخلاف مجتمعات أخرى شهدت انتقالًا واسعًا إلى المدن الكبرى. وأوضح أن النموذج التنموي العُماني شجع السكان على البقاء في مناطقهم، رغم قسوة بعض البيئات، وهو ما يسمح بتتبع صلة عدد من السلوكيات بالبيئة الجغرافية حتى الوقت الحاضر. وأشار إلى وجود دراسات عالمية في علم النفس والأنثروبولوجيا ترصد تشابه بعض ميول سكان البيئات المتقاربة، حتى عندما ينتمون إلى ثقافات ودول مختلفة.

وذكر أن بعض السمات المنسوبة إلى أهل السواحل قد تتشابه في مجتمعات متعددة حول العالم، وكذلك الحال بالنسبة إلى سكان المناطق الجبلية، بما يدل على أن البيئة الجغرافية قد تؤدي دورًا يتجاوز أحيانًا المكون الثقافي المحلي.

صناعة القرار

وتناول المعمري تأثير البيئة وطبيعة كسب العيش في طريقة اتخاذ القرارات، موضحًا أن العاملين في المؤسسات قد ينحدرون من مناطق وبيئات مختلفة، ويظهرون تبعًا لذلك أنماطًا متباينة في قيادة فرق العمل وصنع القرار. وأشار إلى أن الاختلاف في طريقة اتخاذ القرار قد لا يكون مجرد اختيار شخصي، وإنما قد يرتبط بتكوين نفسي واجتماعي تشكل عبر سنوات طويلة.

واستشهد بالمقاربات التي تقارن بين المجتمعات العملية التي تفضل بدء التنفيذ سريعًا، والمجتمعات التي تمنح التخطيط والتنظير وقتًا أطول قبل الانتقال إلى العمل. وأوضح أن الكتاب حاول الاقتراب من التقسيمات «ما دون الوطنية»، وهي التقسيمات الواقعة داخل الوطن الواحد، ومن بينها الاختلاف الجغرافي أو التاريخ السياسي أو طبيعة النشاط الاقتصادي. وضرب مثالًا بالصياد الذي يتطلب عمله سرعة اتخاذ القرار، لأن التردد قد يؤدي إلى ضياع الفرصة أو ابتعاد الصيد، في حين يحتاج المزارع إلى التروي ودراسة نوع التربة ومصادر المياه والمحاصيل قبل اتخاذ قراره. وبيّن أن السرعة قد تكون عنصر قوة في بيئة معينة، بينما يصبح التأني والتخطيط المسبق أكثر أهمية في بيئة أخرى.

وأكد أن ازدهار المجتمع يتحقق حين يتصالح مع تنوع سماته، ويضع كل شخص في المجال الذي يستطيع من خلاله تقديم أفضل إمكاناته. وحذر من إساءة استخدام اختبارات السمات الشخصية داخل المؤسسات، حين تتحول إلى وسيلة للحكم على أشخاص بأن سماتهم جيدة أو سيئة، وقبول فئة واستبعاد أخرى. وأوضح أن الغاية من دراسة السمات الشخصية هي منح كل فرد الفرصة المناسبة لإظهار قدراته، وليس تصنيف الأشخاص إلى صالحين وغير صالحين. وأكد أن اختلاف الشخصيات والمهارات داخل المجتمع يمثل موردًا يمكن الإفادة منه في مواقع مختلفة ضمن مسيرة التنمية.

سلوك المستهلك

وتناول المعمري في أحد فصول الكتاب سلوك العُمانيين عند التسوق، مشيرًا إلى وجود سمات يمكن أن تهم رواد الأعمال والمهتمين بفهم السوق والسلوك الاقتصادي. وأوضح أن من أبرز السمات الملحوظة ارتفاع مستوى الولاء للمنتج المحلي، إذ قد يكون المستهلك العُماني مستعدًا لدفع سعر أعلى مقابل منتجات مثل العسل أو اللحوم أو الثوم العُماني.

وأضاف أن هذا السلوك يرتبط باعتقاد شائع بأن جودة المنتجات المحلية تتفوق على البدائل الأخرى، مؤكدًا أن دراسات ومسوحات نفسية أظهرت وجود مستوى مرتفع من الولاء للمنتج المحلي لدى العُمانيين. وأشار إلى أن بلد المنشأ يؤدي دورًا في قرار الشراء لدى المستهلك العُماني، إذ يهتم بمعرفة الدولة التي صُنعت فيها السلعة والخلفية المرتبطة بها.

ورأى أن هذا الاهتمام قد يفسر النجاح الواسع الذي حققته حملات المقاطعة في سلطنة عُمان خلال فترات مختلفة، مقارنة ببعض المجتمعات التي شاركت المشاعر نفسها، لكنها لم تظهر مستوى الالتزام ذاته. وبيّن أن أنماط الاستهلاك في سلطنة عُمان شهدت تحولًا سريعًا من الأنماط التقليدية إلى الحديثة، إلا أن الثقافة والميول الشخصية لا تتغير بالسرعة نفسها. وأوضح أن الفرد قد يستخدم منتجات وتقنيات حديثة، بينما تظل لديه نزعات وقيم استهلاكية تشكلت في بيئة سابقة، ما يخلق فجوة بين الأدوات الجديدة وطريقة التفكير القديمة.

وأشار إلى أن فهم هذه المسألة يساعد أصحاب الأعمال على قراءة السوق العُماني بصورة أفضل، وتحديد أسباب نجاح بعض المنتجات وتعثر أخرى. وأكد أن دراسة سلوك المستهلك ينبغي أن تراعي الاختلافات بين محافظات سلطنة عُمان وبيئاتها، لأن العادات الاقتصادية لا تكون متطابقة في جميع المناطق.

الادخار والتفاوض

واستعرض المعمري ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أثر البيئات القديمة في السلوك الاقتصادي المعاصر، داعيًا إلى تخيل شكل التعاملات التجارية في سلطنة عُمان قبل نحو مائة عام. وأوضح أن الشخص الذي يعيش في منطقة جبلية بعيدة عن الأسواق يحتاج إلى تخزين احتياجاته لفترة طويلة، ما يجعل الادخار والتخطيط المسبق وتعظيم الاستفادة من المنتج سمات ضرورية لبقائه.

في المقابل، فإن سكان السواحل الذين اعتادوا حركة السفن والبضائع كانوا أكثر حاجة إلى القدرة على التبادل والتفاوض والأخذ والرد، بدل الاحتفاظ بالبضائع فترات طويلة. وأشار إلى أن هذه الأنماط تشكلت عبر أجيال، ولا يمكن توقع اختفائها بالكامل لمجرد تغير نمط الحياة خلال العقود الأخيرة.

وبيّن أنها قد تبدأ بالتداخل والامتزاج في المدن والمجتمعات الحديثة، إلا أن آثارها تظل حاضرة مدة أطول مما يتوقعه الناس. وأكد أن فهم هذه الخلفيات يتيح قراءة أدق للاختلاف في السلوك المالي والاستهلاكي بين المناطق والأفراد.

الرضا المالي

وتناول المعمري مفهوم الرضا المالي، موضحًا أن العلاقة بين مقدار ما يملكه الإنسان ومستوى سعادته لا تكون مباشرة بعد توافر الاحتياجات الأساسية. وأشار إلى أن الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر ويتعذر عليهم الحصول على الضروريات يتأثر رضاهم بمستوى الدخل بصورة واضحة، إلا أن زيادة المال بعد تأمين الأساسيات لا تضمن بالضرورة ارتفاع السعادة.

وأوضح أن مستوى الرضا يرتبط بصورة أكبر بالنقطة المرجعية التي يقارن الإنسان نفسه بها. وبيّن أن نظرية المقارنة الاجتماعية توضح أن الفرد يعيش في مقارنة مستمرة مع الآخرين، لأنه لا يستطيع تحديد ما إذا كان غنيًّا أو فقيرًا، سعيدًا أو تعيسًا، محظوظًا أو أقل حظًّا، إلا من خلال المقارنة.

وأضاف أن المقارنة تكون انتقائية، فقد يقارن الشخص نفسه بزميل أفضل دخلًا، أو بآخر أقل حظًّا، أو يقارن مجتمعه بمجتمع أكثر ثراء، أو يقارن واقعه بما كان عليه في الماضي أو بما يطمح إليه في المستقبل. واستشهد بمثال افتراضي لشخص يتقاضى راتبًا يبلغ ألف ريال عُماني ويعمل مع زملاء يتقاضون أجورًا أعلى منه، فيشعر بعدم الرضا، مقابل شخص يتقاضى 700 ريال لكنه يتفوق دخلًا على معظم زملائه فيشعر بدرجة أكبر من الرضا.

وأكد أن اختلاف الشعور يحدث رغم أن صاحب الراتب الأعلى يمتلك دخلًا أكبر، لأن نقطة المقارنة هي التي تحدد الإحساس بالرضا أو الظلم.

المقارنات الخليجية

وأشار المعمري إلى أن دول الخليج تمتلك خصوصية اقتصادية ناتجة عن اكتشاف الموارد في مراحل زمنية متقاربة، ما جعل المقارنات بين مواطنيها تتركز غالبًا داخل النطاق الخليجي. وأكد أن مقارنة سلطنة عُمان بالدول الخليجية الأخرى أمر مشروع ومنطقي، بالنظر إلى التقارب الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

إلا أنه دعا إلى توسيع زاوية المقارنة، وعدم إغفال موقع دول الخليج مجتمعة مقارنة بنحو 200 دولة حول العالم. وأوضح أن اقتصار الفرد على مقارنة نفسه بخمس دول مجاورة قد يجعله يشعر بأنه أقل حظًّا، رغم أن الدول الست قد تكون في مستويات أفضل من معظم دول العالم. وشبّه ذلك بشخص يعيش في المنزل نفسه، لكنه يشعر بالفقر إذا كان جميع جيرانه أكثر ثراء، ويشعر بالغنى إذا كان في حي متواضع، رغم أن ممتلكاته لم تتغير. وأكد أن المقارنة ينبغي أن تكون وسيلة للتحسين ودفع الإنسان والمجتمع إلى الأمام، لا سببًا في الإحباط أو الشعور بالعجز.

النقطة المرجعية

وبيّن المعمري أن النقطة المرجعية تتشكل غالبًا بصورة تلقائية في حياة الأفراد والمجتمعات، إلا أن الوعي بها يقلل من تأثيراتها السلبية. وأشار إلى أن الحديث في سلطنة عُمان عن مرحلة ما قبل عام 1970 جعل ذلك التاريخ نقطة مرجعية لقياس التحول الذي حققته النهضة الحديثة. وأضاف أن «رؤية عُمان 2040» تقدم نقطتين مرجعيتين، تتمثل الأولى في عام 2020 بوصفه خط الأساس والانطلاقة، والثانية في عام 2040 بوصفه المستوى المستهدف.

وأوضح أن النقطة المرجعية تكون مفيدة حين تدفع الفرد أو المؤسسة أو المجتمع إلى الأفضل، حتى لو كانت المقارنة مع شخص أو دولة أو مؤسسة أكثر تقدمًا. في المقابل، تصبح مضرة إذا دفعت الشخص إلى الكسل نتيجة مقارنة نفسه دائمًا بمن هم أقل منه، أو قادته إلى الشعور بالقصور والعجز عن التقدم نتيجة مقارنة غير واقعية بمن يتفوقون عليه.

ودعا إلى اعتماد مقارنات عالمية شاملة في التقارير الوطنية، وعدم الاقتصار على المقارنات الانتقائية أو الإقليمية. وأشار إلى أن «رؤية عُمان 2040» تبنت المقارنات العالمية في عدد من مستهدفاتها، بما يسمح بتحديد موقع سلطنة عُمان ضمن الصورة الدولية الأوسع.

الأثر القريب

وتطرق الدكتور المعتصم المعمري ببرنامج «منتدى الوصال» إلى طريقة استجابة الإنسان للسياسات والقرارات، موضحًا أن البشر يتأثرون غالبًا بالأثر القريب والمباشر أكثر من النتائج البعيدة، حتى عندما تكون الأخيرة أشد خطورة.

وضرب مثالًا بالسائق الذي قد يخاف من الغرامة المرورية المحدودة أكثر من خوفه من احتمال التعرض للوفاة أو الإعاقة الدائمة بسبب السرعة. وأوضح أن المخالفة تمثل خسارة مالية مباشرة يشعر بها الشخص فورًا، في حين تبدو احتمالات الحوادث بعيدة وغير مؤكدة في ذهنه. وأشار إلى أن هذا يفسر فعالية أجهزة ضبط السرعة، مقارنة بالاكتفاء بحملات التوعية التي تحذر من الحوادث ومخاطرها. وبيّن أن فهم هذه النزعات النفسية يمكن أن يساعد على تصميم سياسات عامة أكثر فاعلية.

حساسية الخسارة

وأكد المعمري أن الإنسان يتأثر بالخسارة بصورة أكبر من تأثره بالمكسب الذي يساويها في القيمة. واستشهد بمثال قرار يستقطع عشرة ريالات من جميع الموظفين، مقارنة بقرار يضيف عشرة ريالات إلى رواتبهم، موضحًا أن مستوى الغضب من الاستقطاع سيكون غالبًا أعلى من مقدار الفرح بالزيادة.

وأشار إلى أن الشخص يشعر بقوة أكبر تجاه ما يُؤخذ منه مقارنة بما يُمنح له، وهي نزعة نفسية لها أثر مباشر في تفاعل المجتمع مع السياسات والخدمات. وبيّن أن الجهات قد تقدم خدمة لفترة ثم تقرر إلغاءها لاعتقادها بأنها غير مهمة، إلا أنها قد تتفاجأ برد فعل واسع، لأن المستفيدين شعروا بأن الخدمة أصبحت حقًّا مكتسبًا.

وأكد أن المحافظة على ما قُدم للناس تكون أحيانًا أكثر أهمية نفسيًّا من إضافة منفعة جديدة ثم التراجع عنها لاحقًا. وأوضح أن كثيرًا من الدراسات التي تستند إليها هذه الاستنتاجات أجريت على مجتمعات وثقافات متعددة، ما يسمح بتعميمها بدرجة معينة، إلا أن بعض القضايا لم تُدرس داخل سلطنة عُمان بصورة مباشرة، ولا يمكن الجزم بنتائجها في السياق المحلي دون دراسات متخصصة.

لحظة الاختلاف

وتناول المعمري فصل «عندما نختلف»، موضحًا أن الحكم على الأشخاص يتطلب رؤيتهم في مواقف متعددة، وأن الخلاف يكشف جوانب قد لا تظهر في أوقات الهدوء. وأشار إلى أن الاختلاف يكشف النزعات والغضب والمخاوف الكبرى، ويعيد كل شخص إلى مبادئه وقاعدته النفسية الأساسية.

وأضاف أن الإنسان قد يعرف شخصًا سنوات طويلة، إلا أنه قد يكتشف فيه وجهًا مختلفًا عند وقوع خلاف حقيقي بينهما. وأوضح أن المقصود ليس الدعوة إلى الخلاف، وإنما إدراك أن طريقة تعامل الأشخاص معه تقدم معلومات مهمة عن شخصياتهم وقيمهم.

ازدياد الاختلاف

واستعرض المعمري مثالًا افتراضيًّا لعشرة أشقاء من ولاية المضيبي عام 1950، يعيشون في المنزل نفسه، ويعملون في المزرعة ذاتها، ويتشاركون تفاصيل يومهم ووجباتهم وأعمالهم. وأوضح أن تشابه تجاربهم يجعل أحلامهم وطموحاتهم ومخاوفهم وطرق تفكيرهم أكثر تقاربًا، حتى مع وجود اختلافات فردية بينهم.

في المقابل، فإن عشرة أشقاء في عام 2025 قد يدرسون تخصصات مختلفة وفي دول متعددة، ويعملون مع أشخاص مختلفين، ولا يجتمعون إلا في نهاية الأسبوع. وأكد أن تنوع التجارب يؤدي بالضرورة إلى تنوع النظرة إلى الحياة والطموحات والمخاوف والشخصيات. وأشار إلى أن المجتمعات تختلف بصورة أكبر كلما تقدمت، لأن التنمية والتعليم والانفتاح تمنح الأفراد تجارب وخيارات متنوعة. ودعا إلى التعامل بصورة منطقية مع ازدياد الاختلاف داخل سلطنة عُمان، وعدم النظر إليه بوصفه تهديدًا، لأنه نتيجة طبيعية للتقدم الاقتصادي والعلمي والثقافي.

وأضاف أن الأمر ينطبق كذلك على الدول، إذ كانت أنماط الحياة في دول الخليج متقاربة، إلا أن توسع طموحاتها واختلاف تجاربها التنموية يؤديان إلى تباين وجهات نظرها ومخاوفها وسياساتها. ولخّص ذلك بأن الحياة البسيطة تقرّب الناس من التشابه، بينما تدفع الحياة المتقدمة إلى مزيد من التنوع والاختلاف.

الاعتداد بالنفس

وتناول المعمري مفهوم «طيف الاعتداد الشعبي بالنفس»، الذي يمتد بين الاعتداد المفرط الذي قد يصل إلى الاستعلاء، وبين الانخفاض المفرط الذي يقود إلى الشعور بالدونية. وأشار إلى أن الوسطية تمثل الوضع الأفضل، إلا أن كل شخص أو مجتمع يميل إلى الاعتقاد بأنه يقف في المنتصف. واستشهد بطريقة إنفاق المال، إذ يرى الشخص نفسه معتدلًا، ويصف من ينفق أكثر منه بالإسراف، ومن ينفق أقل منه بالمبالغة في التقتير، بينما قد يراه الآخرون مختلفًا عن الصورة التي يرسمها لنفسه.

وأوضح أن الكتاب حاول تحديد موقع المجتمع العُماني بين الشعوب التي تبالغ في الاعتداد بنفسها والشعوب التي تعاني من الشعور بالدونية والانكسار. وأشار إلى أن الشعوب التي تتطبع سريعًا بطبائع المحتل وتتخلى عن لغتها وثقافتها قد تكون في حالة انكسار وجداني، وهو ما ينسجم مع مقولة ابن خلدون إن «المغلوب مولع بالغالب». في المقابل، قد يؤدي الاعتداد المفرط إلى صعوبة اندماج المهاجرين والقادمين للعمل في المجتمع، نتيجة نظرة استعلائية تجاه الآخرين.

الهوية العُمانية

ورأى الدكتور المعتصم المعمري خلال استضافته في برنامج «منتدى الوصال» أن العُمانيين يقفون في منطقة وسط بين الشعور بالدونية والمبالغة في الاعتداد بالنفس. وأوضح أن كثيرًا من زوار سلطنة عُمان والمقيمين فيها يجدون قبولًا وألفة في التعامل مع المجتمع، إلا أن هناك في الوقت نفسه حدودًا وجدرانًا ثقافية واضحة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

وأشار إلى أن الوجود البرتغالي استمر في أجزاء من سلطنة عُمان نحو 150 عامًا، إلا أن أثره الثقافي في المجتمع ظل محدودًا، مقارنة بتجارب استعمارية في دول أخرى. وأضاف أن العُمانيين حافظوا على هويتهم أمام القوى التي قدمت بنوايا استعمارية، وهو ما يعكس تمسكًا بالإرث واعتدادًا به بوصفه ثروة حضارية. وأكد أن الاعتداد إذا تجاوز حدوده يمكن أن يصبح عائقًا أمام التقدم والتفاعل مع الشعوب، إلا أن التجربة العُمانية أتاحت التداخل والتبادل الإنساني مع الآخرين دون شعور بالدونية أو ذوبان ثقافي.

لغة التواصل

وتناول المعمري الطريقة التي يتحدث بها العُمانيون مع المقيمين من غير الناطقين بالعربية، موضحًا أن المقيم قد يعيش في سلطنة عُمان عشرات السنوات دون أن يتقن اللهجة العُمانية، لأن المواطنين يبسطون له اللغة ويكيفونها لتسهيل التواصل. وأشار إلى أن البعض قد يفسر ذلك بأنه ضعف في الاعتزاز باللغة، مقارنة بشعوب تصر على مخاطبة الآخرين بلغتها الأصلية، إلا أن الظاهرة ينبغي أن تُقرأ ضمن السياق الاجتماعي الأشمل.

وبيّن أن تبسيط اللغة للآخر يعكس قدرًا من التواضع والرغبة في إيصال المعنى، لكنه لا يعني التراخي في بقية العناصر الثقافية. وأضاف أن المجتمع قد يكون مرنًا في لغة التواصل اليومي، لكنه يظل متمسكًا بخطوط واضحة في بعض القضايا الاجتماعية والثقافية. وأكد أن التعامل العُماني مع الآخر لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة، وإنما يجمع بين الألفة والترحيب والتواصل المرن من جهة، والمحافظة على الحدود الثقافية والهوية من جهة أخرى.

وختم الدكتور المعتصم المعمري حديثه بالتأكيد على أن الكتاب لا يقدم أحكامًا نهائية على العُمانيين، وإنما يفتح مساحة للتفكير في سلوك المجتمع واختلافاته ومقوماته النفسية والسياسية، بما يسهم في فهم الذات واستثمار التنوع وصياغة سياسات وتنمية أكثر اتصالًا بالسياق العُماني.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو