د. غالية الزبيدي لـ«الوصال»: نحتاج إلى بصمة ضمير في العمل لأن الرقابة الخارجية وحدها لا تبني مؤسسات ناجحة
ساعة الظهيرة
الوصال ــ دعت الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي، الشاعرة والكاتبة، إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُقاس بها كفاءة الموظف داخل المؤسسات، مؤكدة أن بقاء ثقافة تقييم الموظف بعدد ساعات حضوره أو التزامه بالبصمة ما زال حاضرًا في عدد من المؤسسات، رغم أن التحولات الإدارية والرقمية الحديثة باتت تفرض مقاربات مختلفة تركز على الأثر والإنجاز أكثر من التركيز على الوقت وحده. وقالت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» إن المرحلة التي تعيشها سلطنة عُمان في ظل مستهدفات رؤية عُمان 2040 تستدعي الانتقال من سؤال: كم ساعة عمل الموظف؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: ماذا أنجز هذا الموظف للمؤسسة؟
من الوقت إلى الأثر
وأوضحت الزبيدي أن بعض المؤسسات ما زالت تربط الموظف المنتظم بمن يحضر مبكرًا ويغادر متأخرًا، في حين أن الإدارة الحديثة تتجه إلى تقييم النتائج الفعلية، لأن الساعة في تقديرها ليست إنجازًا بحد ذاتها، وإنما وعاء للإنجاز. وأضافت أن قيمة هذا الوعاء تقاس بما تحقق داخله، فإذا انتهى الوقت من دون أثر حقيقي، فإن بقاء الموظف لساعات طويلة لا يضيف قيمة فعلية، بينما قد ينجز موظف آخر خلال وقت أقصر ما لا ينجزه غيره في يوم كامل.
المشكلة في الثقافة لا في النظام
ورأت الزبيدي أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في نظام الدوام نفسه، وإنما في طريقة التفكير التي تتعامل معه بوصفه غاية لا وسيلة. وأضافت أن الدوام وضع أصلًا لتنظيم العمل، وليس ليصبح هدفًا قائمًا بذاته، مشيرة إلى أن بعض المؤسسات ما تزال تنشغل بسؤال: هل الموظف موجود؟ أكثر من انشغالها بسؤال: ماذا أنجز؟ وأكدت أن هذا الفهم يجعل بعض الموظفين المجتهدين يشعرون بالظلم، لأنهم قد ينجزون أعمالهم بكفاءة عالية وفي وقت أقل، ثم يظلون مطالبين بالبقاء حتى نهاية الدوام، وكأن المؤسسة تكافئ الوقت أكثر من مكافأتها للإنجاز نفسه.
تقييم لا يساوي بين الجميع
وأضافت الدكتورة غالية الزبيدي أن الموظف الذي ينجز عمله ويحقق مؤشرات الأداء المطلوبة ويقدم قيمة مضافة لمؤسسته لا ينبغي أن يُعامل بالطريقة نفسها التي يُعامل بها الموظف الذي لم يحقق شيئًا سوى أنه التزم بالحضور والانصراف. وأشارت إلى أن العدالة المؤسسية الحقيقية تبدأ حين تعاد صياغة معايير التقييم على أساس جودة العمل والأثر المتحقق، لا على أساس الزمن فقط.
القطاعات ذات الخصوصية
وفي حديثها عن الوظائف التي تتطلب وجودًا مستمرًّا، مثل الصحة والتعليم والأمن، أكدت أن الدعوة إلى التركيز على الإنجاز لا تعني إلغاء الانضباط أو التقليل من خصوصية هذه القطاعات، وإنما تعني إعادة تعريف الانضباط نفسه. وأضافت أن الانضباط الحقيقي لا يتحقق بمجرد بقاء الموظف ثماني ساعات على مكتبه، وإنما يتحقق حين يلتزم بتحقيق أهداف المؤسسة، ويقدم خدمة ذات جودة، ويحافظ على أخلاقيات الوظيفة. وأشارت إلى أن المرونة، حين تُمنح في إطار واضح، يمكن أن تكون أداة ذكية لتحفيز التميز، خاصة حين يشعر الموظف أن مؤسسته تثق به وتقدر أثره.
المرونة والاستقلالية
وأكدت الدكتورة غالية الزبيدي أن البيئة العُمانية باتت أكثر استعدادًا من أي وقت مضى للاستفادة من تطبيقات العمل المرن، خاصة بعد ما تحقق في مجالات التحول الرقمي وتوسع الخدمات الإلكترونية واعتماد الأنظمة الرقمية في عدد من المؤسسات. وأوضحت أنها لا تدعو إلى تعميم العمل المرن على جميع الوظائف، لأن طبيعة الأعمال تختلف، وإنما تدعو إلى منح الإدارات صلاحية أكبر في إدارة الوقت وفق طبيعة الإنجاز، بحيث يصبح المعيار هو ما تحقق من نتائج أكثر من كونه عدد ساعات حضور فقط.
وأضافت أن الموظف الذي يحقق توازنًا بين حياته العملية وحياته الخاصة يكون أكثر استقرارًا نفسيًّا، وأكثر ولاءً لمؤسسته، وأكثر قدرة على الإبداع. وطرحت تساؤلًا مباشرًا حول ما الذي تستفيده المؤسسة من بقاء الموظف بعد انتهاء عمله، ما دام قد أنجز المطلوب منه على الوجه الصحيح، مشيرة إلى أن المرونة قد تكون أحيانًا أكثر أثرًا من المكافأة المالية، لأنها تعكس ثقة المؤسسة بموظفها وتمنحه شعورًا أعمق بالانتماء.
ثلاث توصيات
وقدمت الزبيدي ثلاث توصيات رئيسية لتطوير بيئة العمل ورفع الإنتاجية في المؤسسات. تمثلت الأولى في منح الإدارات قدرًا أكبر من المرونة في التعامل مع الموظفين المتميزين، على أساس أن المرونة تكتسب بالإنجاز، فإذا أثبت الموظف عامًا بعد عام أنه يحقق أهدافه ويضيف قيمة للمؤسسة، فمن حقه أن يحظى بثقة أكبر في إدارة وقته. أما التوصية الثانية، فتمثلت في إعادة النظر في مفهوم تقييم الأداء، بحيث يصبح الإنجاز وجودة المخرجات والمبادرات والمؤشرات هي الأساس، لا عدد ساعات الحضور. وجاءت التوصية الثالثة في الدعوة إلى الاستثمار في وقت الموظف بوصفه إنسانًا له حياة ومسؤوليات وظروف، وأن المؤسسة عندما تساعده على تحقيق هذا التوازن فإنه يعود إلى عمله أكثر تركيزًا وولاءً وقدرة على العطاء.
بصمة ضمير
وخلال حديثها، كشفت الزبيدي عن مبادرة جديدة تعمل على إطلاقها تحت اسم «بصمة ضمير»، موضحة أنها أعدت لها تصورًا متكاملًا، وتأمل أن تحظى بالرعاية والاهتمام. وقالت إن هذه المبادرة تسعى إلى إحياء الضمير الإنساني، وتعزيز الرقابة الذاتية، وترسيخ ثقافة الأمانة والإخلاص والمسؤولية المجتمعية في مختلف مجالات الحياة، وليس في بيئة العمل فقط. وأضافت أن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من أدوات الرقابة الخارجية وحدها، وإنما إلى بناء ضمير حي يجعل الإنسان يراقب نفسه ويؤدي عمله بإخلاص من داخل قناعته، لا خوفًا من جهاز بصمة أو لائحة حضور.
الأثر الذي يبقى
وأكدت الزبيدي أن الإنسان لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها في مكان ما، وإنما بما يتركه من أثر في المكان والإنسان، داعية إلى تربية الأجيال منذ مقاعد الدراسة على أن البصمة الحقيقية ليست تلك التي تسجل في جهاز، وإنما تلك التي يتركونها في علمهم، وأخلاقهم، ووطنهم، ومؤسساتهم، وكل عمل يؤدونه بإخلاص. وأضافت أن الأمم لا تنهض بالرقابة الخارجية وحدها، وإنما تنهض حين تصبح الرقابة جزءًا من ضمير الإنسان، لأن الضمير إذا استيقظ استقامت الوظيفة، وازدهر الاقتصاد، وتقدمت الثقافة، وارتقت الأخلاق، وتعززت المسؤولية.
وختمت الكاتبة الدكتورة غالية الزبيدي حديثها بالتأكيد على أن المؤسسات اليوم لا تحتاج إلى بصمات أكثر، وإنما إلى أثر أعمق وأبقى، أثر يظل حاضرًا بعد أن يغادر الإنسان موقعه أو منصبه، مشيرة إلى أن الأجهزة تحفظ الحضور، أما الضمير فيحفظ الأوطان، وأن الأثر الحقيقي هو البصمة الوحيدة التي لا يمحوها الزمن.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


