سلطان الحوسني لـ«الوصال»: نجاح تنظيم سوق العمل يبدأ من دعم الأجور والإحلال الواقعي لا من تحميل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أعباء مفاجئة
ساعة الظهيرة
الوصال ــ قال سعادة سلطان الحوسني، نائب رئيس لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى، إن اللقاء الذي جمع اللجنة بمعالي وزير العمل يأتي في إطار مرحلة جديدة من العمل المؤسسي تقوم على التشاور والتكامل بين المجلس التشريعي ومتخذي القرار، بعيدًا عن الأدوات التقليدية التي كانت تقتصر على البيانات الوزارية الدورية.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» أن هذا المسار يعكس التوجيهات السامية التي أكدت أهمية أن يلتقي أصحاب المعالي الوزراء بأعضاء المجلس كلما برزت قضية أو قرار أو مستجد يستدعي النقاش المباشر، بما يتيح تبادل وجهات النظر والاستماع إلى الملاحظات والآراء العامة، وصولًا إلى قرارات تحقق المصلحة العامة للمواطنين والمجتمع.
لقاء في توقيت مهم
وأشار الحوسني إلى أن استضافة وزير العمل جاءت على خلفية ما أثاره القرار الوزاري رقم 62 من تفاعل واسع وتباين في وجهات النظر بين الوزارة بوصفها الجهة المنفذة، وبين الرأي العام وأصحاب المؤسسات بوصفهم المتأثرين المباشرين بمضامين القرار. وأضاف أن اللجنة ناقشت مع الوزير خمسة محاور رئيسية، إلى جانب الملاحظات الواردة من المواطنين، في محاولة لإيصال التحديات التي قد تواجهها المؤسسات المختلفة في السوق، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الوظيفة حق أصيل للعماني، وأن هذا المبدأ لا يختلف عليه أحد.
تأييد للهدف وتحفظ على الآلية
وأكد سعادته أن مجلس الشورى لا يعارض مبدأ تمكين العمانيين من الوظائف، إذ يراه أولوية وطنية أساسية، لكن التحفظ ينصب على أسلوب التطبيق إذا جاء بصيغة الفرض والإلزام من دون تدرج أو مراعاة للقدرات الفعلية للمؤسسات. وأوضح أن ما يثير القلق هو أن بعض المؤسسات قد تجد نفسها أمام واقع يفرض عليها توظيفًا لا تستطيع استيعابه مباشرة، وفي حال عدم التنفيذ تواجه رسومًا وغرامات مرتفعة تثقل كاهلها، وهو ما قد ينعكس سلبًا على استقرارها وعلى قدرتها على الاستمرار.
وأضاف أن الوزارة أوضحت خلال اللقاء أنها تقدم دعمًا للأجور لمدة سنة أو سنتين بحسب طبيعة النشاط، غير أن اللجنة شددت على أهمية أن يتحول هذا الدعم إلى مدة أطول تصل إلى خمس سنوات على الأقل، لأن مثل هذه المدة هي التي تمنح المؤسسة والعامل العماني معًا قدرًا من الاستقرار الحقيقي، وتساعد على بناء تجربة توظيف أكثر رسوخًا.
وظائف قابلة للإحلال وأخرى تحتاج مهارة
وأوضح الحوسني أن من الضروري التفريق بين الوظائف التي يمكن أن تستوعب كفاءات عمانية بشكل مباشر، وبين المهن التي ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على المهارة الفنية المتخصصة، مثل الحلاقة، وكي الملابس، والنجارة، والسباكة، والكهرباء. وأكد أن هذه المهن لا عيب فيها، وأن الرزق فيها رزق كريم، غير أن واقع الحال يفرض الاعتراف بأنها تحتاج إلى تأهيل ومهارة وخبرة عملية، ولا يمكن معالجة هذا الملف من خلال قرارات عامة فقط.
وأضاف أن ما طُرح على معالي الوزير هو سؤال واضح: إذا كانت بعض هذه المهن الحرفية يصعب إحلال العماني فيها بصورة فورية، فلماذا لا يجري التركيز في المقابل على الوظائف الإشرافية والتخصصية داخل المؤسسات نفسها، وهي وظائف يستطيع العماني أن يثبت فيها جدارته، خصوصًا إذا جرى تأهيله وتمكينه وربطه بخطط إحلال تدريجية ومدروسة؟ وأشار إلى أن الوزارة تبدو مدركة لهذا التوجه، وهو ما لقي ترحيبًا من اللجنة.
تحدي المؤسسات الصغيرة والفئة الثالثة
ولفت الحوسني إلى أن الوزارة صنفت المؤسسات إلى ثلاث فئات، ومنحت حوافز للفئات الأكثر التزامًا بنسب التعمين، مثل الإعفاءات والخصومات في الرسوم، لكنه أوضح أن الشريحة الأكثر تضررًا تبقى هي الفئة الثالثة، وهي الفئة الأكبر عددًا من المؤسسات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، التي لا تملك دائمًا القدرة السريعة على استيعاب عمانيين في بعض الأنشطة أو على تحمل مضاعفة الرسوم إذا لم تستوف النسب المطلوبة. وأضاف أن النقاش في المجلس كان موجهًا بدرجة كبيرة نحو هذه الفئة، لأن الضغط عليها بصورة كبيرة قد يهدد استقرارها بدل أن يساعدها على النمو.
خشية من التكتلات واحتكار الأنشطة
وحذر سعادته من أن بعض السياسات غير المدروسة قد تقود إلى نتائج عكسية، مستشهدًا بتجارب سابقة في سوق التجزئة، حين أدت التغيرات التنظيمية مع مرور الوقت إلى تراجع المحلات الصغيرة وصعود نماذج تجارية أكبر استحوذت على السوق. وأضاف أن الخشية اليوم هي من أن تؤدي الضغوط على المؤسسات الصغيرة في بعض المهن إلى خروجها من السوق، وفتح المجال لتكتلات أكبر قد تسيطر على النشاط، بما يضر بصغار المستثمرين والعاملين المحليين الذين كانوا يعيشون على مشروعات بسيطة ومحدودة.
وأشار إلى أن المطلوب ليس فقط إصدار قرار، وإنما النظر إلى مآلاته على بنية السوق، وعلى صغار المستثمرين، وعلى قدرة المجتمع على الاستمرار في أنشطة اقتصادية متوزعة وليست محتكرة.
التحول إلى التقانة
ورأى الحوسني أن من المسارات المهمة التي يمكن أن تفتح أفقًا جديدًا في هذا الملف هو التوسع في استخدام التقانة والأنظمة الحديثة، بما يخفف الاعتماد على العمالة الوافدة في بعض المهن، ويفتح في المقابل مجالًا أمام توظيف عمانيين في وظائف إشرافية وفنية مرتبطة بهذه التقنيات. وأشار إلى أمثلة في قطاع البناء والتنظيف وغيرها، حيث أصبحت بعض الآلات الحديثة قادرة على أداء العمل بكفاءة، مع حاجة إلى مشغلين ومشرفين ومختصين، وهو ما يخلق فرصًا مختلفة أكثر ملاءمة للكوادر الوطنية.
وأضاف أن هذا التحول لا يمكن أن ينجح من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى دعم حكومي واضح، سواء عبر التدريب أو الحوافز أو الإعفاءات أو تعريف المؤسسات بهذه الحلول، حتى لا يبقى الانتقال إلى التقانة مجرد فكرة، وإنما يتحول إلى سياسة عملية تخلق بدائل حقيقية.
رد الوزارة والتزام المراجعة
وأوضح الحوسني أن وزير العمل أكد خلال اللقاء أن القرار يأتي ضمن حزمة إصلاحات تشريعية تستهدف تحسين منظومة تراخيص العمل وتنظيم سوق العمل والارتقاء بالاستخدام الأمثل للقوى العاملة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040. وأضاف أن الوزارة أوضحت أن هدفها ليس زيادة الرسوم لذاتها، وإنما استخدام هذه الأدوات في تنظيم السوق وتحفيز المؤسسات على الالتزام بنسب التعمين، مع وجود خصومات للملتزمين ورسوم أعلى على غير الملتزمين، إلى جانب تصاريح مؤقتة لبعض الحالات وسقف محدد للغرامات.
وأشار إلى أن من النقاط الإيجابية التي خرج بها اللقاء تأكيد الوزارة التزامها بمراجعة القرار بعد فترة زمنية مناسبة، قد تكون سنة مثلًا، لقياس أثر تطبيقه وتقييم نتائجه على السوق والمؤسسات والمجتمع. واعتبر أن هذا الالتزام يمنح مساحة لتصحيح المسار إذا تبين وجود آثار غير متوقعة أو تحديات تحتاج إلى تعديل في الآلية أو التدرج في التنفيذ.
دعوة إلى توظيف أفضل لدعم الأجور
وأكد الحوسني أن رفع مخصصات دعم الأجور إلى 100 مليون ريال يمثل خطوة مهمة، لكنه شدد على ضرورة أن يوجه هذا المبلغ بطريقة تحقق أقصى أثر ممكن، وأن لا يقتصر على مدد قصيرة، بل يتحول إلى أداة استقرار حقيقية تساعد المؤسسات على توظيف العمانيين والاحتفاظ بهم. وأضاف أن تجارب بعض الدول في الإقليم أظهرت نجاحًا في هذا الجانب عندما امتد دعم الأجور لسنوات عدة بصورة متدرجة، بحيث يبدأ مرتفعًا ثم ينخفض تدريجيًّا، وهو نموذج يحقق التوازن بين مصلحة العامل والمؤسسة والدولة.
قوة الاقتصاد هي الأساس
وختم سعادة سلطان الحوسني حديثه بالتأكيد على أن قوة الاقتصاد هي التي تولد في النهاية فرص العمل المستدامة، وأن التنظيم وحده لا يكفي ما لم يقترن بسياسات دعم وتحفيز وتمكين حقيقية. وأوضح أن المجلس يتحرك من منطلق مسؤوليته في نقل هموم المجتمع وملاحظات المؤسسات إلى الجهة المختصة، مع الإقرار بحق الحكومة في التنظيم، وبحق المواطن في الوظيفة، لكن ضمن معادلة متوازنة تراعي الواقع، وتبني التغيير بالتدرج، وتحفظ استقرار السوق، وتمنح العماني فرصة حقيقية قائمة على التأهيل والاستدامة لا على الإلزام وحده.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


