الوصال ــ تناول الدكتور حميد بن مسلم السعيدي، الكاتب وأحد مؤلفي كتاب «الأسرة والطفولة.. تحليل سوسيولوجي للتحولات المعاصرة في سلطنة عُمان»، جملة من التحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية التي طرأت على الأسرة العُمانية، مؤكدًا أن الكتاب لم يأت بوصفه مشروع تأليف تقليديًّا، وإنما باعتباره عملًا علميًّا مشتركًا هدفه قراءة واقع الأسرة العُمانية وما شهدته من تغيرات في السنوات الماضية، في ظل ما يمر به المجتمع العُماني من تحولات اقتصادية واجتماعية ورقمية متسارعة. وأشار خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال إلى أن فكرة الكتاب استلهمت أيضًا من التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في ما يتعلق بقراءة واقع الأسرة العُمانية، واستشراف ما تواجهه من تحديات في الحاضر والمستقبل.

تحولات متسارعة

وأوضح السعيدي أن التحولات سنة من سنن الحياة، وأن الإنسان بطبيعته يتغير ويسعى دائمًا إلى أنماط أفضل للحياة، ولذلك فإن المجتمع العُماني، بوصفه جزءًا من هذا العالم، تأثر بدوره بموجات التغير التي رافقت النهضة الحديثة منذ عام 1970، سواء في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو مشاركة المرأة أو غيرها من المجالات. وأضاف أن هذه التحولات لا ينبغي النظر إليها بوصفها تحولات سلبية في أصلها، بقدر ما هي جزء من حركة الحياة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تمكين الأسرة من التكيف معها ومسايرتها بصورة إيجابية، بما يحفظ تماسكها ووظائفها الأساسية.

منظور اجتماعي

وبيّن الدكتور حميد السعيدي أن الكتاب اعتمد على منظور اجتماعي في قراءة الأسرة، بمعنى تحليل الظواهر الاجتماعية والتغيرات التي تحدث داخلها، وقراءة انعكاساتها على المجتمع والقيم والهوية والثوابت الدينية والعلاقات الاجتماعية. وأضاف أن الهدف من الدراسة لم يكن مجرد وصف هذه الظواهر، وإنما فهم أسبابها وآثارها، والخروج برؤية مستقبلية يمكن أن تسهم في دعم القرار والمؤسسات المعنية في كيفية توجيه الأسرة العُمانية وتحصينها وبنائها بما يتناسب مع تحديات المرحلة القادمة.

من الأسرة الممتدة إلى النووية

وأشار السعيدي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن من أبرز التحولات التي رصدها الكتاب انتقال الأسرة العُمانية من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، موضحًا أن هذا التحول أعطى الأسرة من جهة نوعًا من الاستقلالية، لكنه في المقابل أضعف صلتها بالداعم الاجتماعي المباشر، وجعلها تواجه تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية بصورة أكثر عزلة. وأضاف أن هذا التحول، مع خروج الأب والأم إلى العمل، جعل هناك مدخلات أخرى تشارك في تنشئة الأبناء، سواء من خلال المؤسسات الحاضنة أو البيئة الرقمية أو المربيات، ما أثر بدوره في المخرجات التربوية والقيمية داخل الأسرة. وأكد أن هذا لا يعني أن الأسرة النووية بحد ذاتها تمثل خطرًا، بل إن الإشكالية تظهر حين تعجز هذه الأسرة عن تعويض أدوار الأسرة الممتدة، أو حين يضعف دور الوالدين في تربية الأبناء وتنشئتهم على الهوية والقيم والثوابت.

الهوية والسمت العُماني

وتحدث الكاتب حميد السعيدي عن أثر هذه التحولات في الهوية الوطنية والسمت العُماني، مشيرًا إلى أن ابتعاد الأبناء عن مساحات الاندماج الاجتماعي، مثل المجالس العُمانية والتفاعل اليومي مع الكبار والمجتمع، أفقد كثيرًا منهم جزءًا من التربية غير المباشرة التي كان المجتمع يساهم في غرسها. وأضاف أن المجالس لم تكن مجرد مكان للجلوس، بل كانت مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، يتعلم فيها الأبناء الحوار واحترام الكبير والسلوك الاجتماعي والهوية الوطنية عبر الممارسة والملاحظة. ومع تراجع هذا الدور، وتحول اللقاءات إلى فضاءات أخرى، لم يعد الأبناء يحتكون بالمجتمع بالطريقة نفسها، وهو ما انعكس على قدرتهم على التفاعل مع محيطهم وعلى شعور بعضهم بالاغتراب أو النظرة إلى الهوية بوصفها شيئًا تقليديًّا.

الحوار الأسري

وأكد السعيدي أن إحدى الإشكاليات البارزة تتمثل في تغييب الحوار داخل الأسرة، موضحًا أن الزمن الذي كانت تجلس فيه الأسرة معًا للحوار أصبح محدودًا جدًا، في ظل انشغال الأبوين، واستخدام الأبناء للأجهزة الرقمية، ودخول مؤثرات تربوية أخرى. وأضاف أن هذا التراجع في الحوار لم يؤثر فقط في تربية الأبناء، بل انعكس كذلك على العلاقة بين الزوجين، وعلى الاستقرار الزواجي نفسه، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية وثقافية متراكمة.

الاستقرار الزواجي

وفي ما يتعلق بالعوامل الاجتماعية والثقافية المؤثرة في الاستقرار الزواجي، أوضح السعيدي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الأسرة العُمانية شهدت تغيرات أثرت على العلاقة بين الزوجين، وعلى توزيع الأدوار، وعلى تربية الأطفال، ما جعلها تواجه إشكاليات متكررة انعكست في بعض الحالات على ارتفاع معدلات الطلاق وتزايد صور التفكك الأسري. وأضاف أن الأعراف والعادات والتقاليد العُمانية القائمة على الاحترام والتقدير والتكافل ما تزال تشكل سندًا مهمًّا للاستقرار الأسري، لكنها لم تعد وحدها كافية في ظل معطيات جديدة تؤثر في طبيعة العلاقة الزوجية، ما يستدعي تطوير أدوات التوعية والمعالجة بما يتناسب مع التحولات الجديدة.

المربيات والتنشئة

وتطرق السعيدي إلى أثر المربيات الوافدات في تنشئة الأبناء، مستندًا إلى دراسات سابقة لوزارة التنمية الاجتماعية، وإلى ما رصده الكتاب في هذا الجانب، مبينًا أن كثيرًا من المربيات يأتين من بيئات ثقافية ولغوية ودينية مختلفة، ما يجعلهن غير ملمات بالقيم العُمانية والثقافة المحلية والثوابت الدينية التي يفترض أن يتربى عليها الطفل. وأضاف أن من أبرز الآثار التي ظهرت في هذا الجانب ضعف اللغة العربية لدى بعض الأبناء، والارتباط الشديد بالمربية على حساب الأب والأم، وضعف الاندماج في المجتمع، وظهور نوع من الجفاء تجاه الهوية الوطنية والعادات والتقاليد. وأشار كذلك إلى أن ترك الطفل للمربية مع الجهاز الذكي لفترات طويلة يفتح الباب أمام مشكلات أخرى، من بينها تنامي العزلة ومظاهر التوحد وبعض الإشكاليات السلوكية التي بدأت تلاحظها الأسرة والمدرسة معًا.

العالم الرقمي

وأكد السعيدي أن العالم الرقمي يشكل اليوم أحد أبرز العوامل المؤثرة في الأسرة العُمانية، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي غياب الرقابة والحوار داخل البيت. وأضاف أن الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي ليست شرًّا مطلقًا، إذ يمكن الاستفادة منها في التعلم والمعرفة والانفتاح على الثقافات، لكن حين تستخدم بصورة غير منضبطة، ومع غياب التوجيه الأسري، تصبح مصدرًا للتأثر السلبي على القيم واللغة والسلوكيات والهوية.

التهجين الثقافي

وأشار السعيدي إلى أن التعرض المكثف للمحتوى الرقمي العالمي أدى إلى ما يمكن وصفه بالتهجين الثقافي، حيث بدأت بعض الثقافات الأجنبية تنعكس بصورة واضحة على شخصية بعض الشباب العُماني، وعلى الزي ولغة الحوار والاهتمامات وحتى على منظومة القيم. واستشهد في هذا الجانب ببعض التأثيرات التي نقلها الفضاء الرقمي من ثقافات آسيوية وغربية، مؤكدًا أن الخطر هنا لا يتعلق فقط بالإعجاب بثقافة أخرى، وإنما حين يتحول الأمر إلى تنازل عن القيم والهوية مقابل الشهرة أو التماهي مع أنماط سلوكية لا تنسجم مع المجتمع العُماني.

التبعية التربوية

وفي حديثه عن التبعية التربوية، أوضح السعيدي أن بعض الأطفال الذين ينشأون لفترات طويلة في الخارج، سواء بحكم ابتعاث الأسرة أو طبيعة عمل الأبوين أو الدراسة، يعودون إلى عُمان وهم يحملون أنماطًا تربوية وثقافية مختلفة، فيبدأون بالمطالبة بإعادة إنتاج هذه الأنماط داخل المجتمع العُماني، رغم عدم توافق كثير منها مع ثقافة المجتمع وقيمه. وأضاف أن هذا الأمر لوحظ كذلك لدى بعض المتعلمين والمثقفين الذين تأثروا بتجاربهم الخارجية ونقلوا بعض تصوراتهم التربوية من غير مواءمة كافية مع البيئة المحلية.

المدارس الخاصة والهوية

ورأى الكاتب حميد السعيدي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري أن المدارس الخاصة تمثل بدورها تحديًا يستحق المراجعة، موضحًا أن المعلم العُماني لا يؤدي فقط دور ناقل المعرفة، بل يقوم كذلك بدور تربوي في غرس الهوية الوطنية والقيم والأخلاق. وأضاف أن بعض المدارس الخاصة، بخاصة تلك التي يدرّس فيها غير عُمانيين، أو تعتمد لغات ومناهج بعيدة عن البيئة المحلية، يمكن أن تؤثر على اللغة العربية، وعلى الوعي الديني والثقافي، وعلى إحساس الطالب بالانتماء. وأشار إلى أن بعض الأسر، بدافع الحرص على تمكين أبنائها من اللغة الإنجليزية، تحدث أبناءها منذ الصغر بهذه اللغة، ظنًّا منها أنها تمنحهم ميزة مستقبلية، بينما ينتج عن ذلك أحيانًا شعور بالاغتراب وعدم القدرة على التفاعل مع المجتمع بلغته وثقافته.

دور المدرسة الحكومية

وفي المقابل، أكد السعيدي أن المدرسة الحكومية تقوم بدور مهم في غرس الهوية والقيم، لكنها بحاجة أيضًا إلى مواكبة التحولات الجديدة، من خلال تطوير المناهج وتضمين موضوعات ترتبط بالأسرة، والمواطنة، والمواطنة الرقمية، والتعامل مع الفضاء الرقمي، والتفكير الناقد. وأضاف أن أي مشكلة تظهر في المجتمع على نطاق واسع تستدعي العودة إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة تقضي فيها الأجيال سنوات طويلة وساعات يومية كثيرة، وبالتالي فهي قادرة على أن تكون جزءًا من الحل.

المرأة والعمل

ومن بين التوصيات التي طرحها الكتاب، أشار السعيدي إلى ضرورة مراجعة السياسات المرتبطة بعمل المرأة، من زاوية العدالة لا المساواة الشكلية، موضحًا أن نجاح المرأة لا يقاس فقط بحضورها في العمل، وإنما كذلك بنجاحها داخل الأسرة وفي تربية الأبناء. وأضاف أن العبء الأكبر في التربية ما يزال يقع على الأم، وأن مساواتها بالرجل في ساعات العمل من دون مراعاة دورها الأسري قد ينعكس سلبًا على تنشئة الأبناء، داعيًا إلى مراجعة بعض الأنظمة والسياسات بما يتيح للمرأة وقتًا أكبر لأداء أدوارها الأسرية من دون أن ينتقص ذلك من مكانتها أو مشاركتها في المجتمع.

التفكير الناقد

وأكد السعيدي أن المجتمع اليوم بحاجة أكبر إلى تنمية التفكير الناقد داخل الأسرة والمدرسة، لافتًا إلى أن كثيرًا من الإشكاليات الحديثة، مثل الاحتيال الرقمي والابتزاز الإلكتروني، ظهرت نتيجة ضعف التربية الواعية، لا عند الأطفال فقط، بل حتى لدى بعض الكبار. وأضاف أن حماية الأسرة في المرحلة الحالية لا تقوم على المنع، بقدر ما تقوم على بناء الوعي، وتحصين الأبناء باللغة والقيم والهوية، وتوفير القدرة على التمييز بين النافع والضار في العالم الرقمي.

التماسك ما زال قائمًا

ورغم كل هذه التحولات، شدد السعيدي على أن المجتمع العُماني ما يزال متماسكًا، وأن دعوات الفردانية والعزلة الاجتماعية لم تتحول بعد إلى ظاهرة مؤثرة كما هو الحال في بعض المجتمعات الأخرى. وأشار إلى أن الأزمات التي مرت بها سلطنة عُمان، مثل الأنواء المناخية أو جائحة كورونا، أظهرت بوضوح استمرار التكافل الاجتماعي والتعاضد بين الناس، وهو ما يؤكد أن المجتمع ما زال محتفظًا بعناصر قوته، وإن كان بحاجة إلى مزيد من الوعي لحمايتها في ظل المتغيرات المتسارعة.

دعوة للقراءة

وختم الكاتب الدكتور حميد السعيدي حديثه بالتأكيد على أن كتاب «الأسرة والطفولة» يراد له أن يكون أكثر من مجرد دراسة أكاديمية، بل دعوة لكل أب وأم ومؤسسة معنية إلى قراءة التحولات بوعي، والتعامل معها بجدية، واستثمار ما فيها من فرص، والحد من آثارها السلبية، بما يعزز من قدرة الأسرة العُمانية على الصمود والتكيف وحماية الأجيال القادمة. وأضاف أن الكتاب سيكون متوافرًا عبر دار «بين السطور» خلال الفترة القادمة، ليكون في متناول من يريد الاطلاع على ما يطرحه من مؤشرات وتحليلات وتوصيات.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو