الوصال ــ طرح الدكتور محمد بن عوض المشيخي، الأكاديمي والباحث المختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، تحولات المشهد الإعلامي في ظل الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن ما يعرف اليوم بالمواطن الصحفي أو صانع المحتوى ليس جديدًا من حيث الأصل، إذ إن هذا المصطلح ظهر منذ عام 2004، غير أن التطورات المتسارعة في البيئة الرقمية أفرزت تحديات أكثر تعقيدًا وأشد تأثيرًا على المجتمعات. وأضاف أن هذا المشهد بات يستقبل رسائل من الخارج، إلى جانب رسائل داخلية لم يُحسب لها حساب في بدايات التحول الرقمي، في وقت أصبح فيه بعض المشاهير يملؤون الساحات ويسيطرون على المشهد من خلال مضامين متنوعة، لا تنطلق بالضرورة من منطلقات مهنية أو رسالية.

سوق مفتوحة

وأشار المشيخي إلى أن جذور هذه التحولات يمكن فهمها من خلال طبيعة النظام الليبرالي الذي تطورت في ظله الصحافة ثم الإذاعة والتلفزيون، وهو نظام قائم على سوق مفتوحة للأفكار. وأوضح أن هذه السوق أفرزت منذ وقت مبكر ما يعرف بالخطاب الهابط والابتعاد عن القيم والثقافة والفكر، إذ إن بعض الجمهور يميل إلى المضامين البسيطة أو المثيرة بدافع الفضول والاستكشاف. ولفت إلى أن المجتمعات العربية، ومنها سلطنة عُمان، عاشت لسنوات طويلة في إطار إعلام تنموي منظم يركز على التربية والثقافة والتنمية، قبل أن تدخل بقوة إلى الفضاء الرقمي المفتوح بما يحمله من فوضى ومنافسة ومضامين متباينة.

هيمنة المشاهير

وأكد أن المشكلة لا تقف عند حدود الانتشار الواسع للمشاهير، وإنما تمتد إلى طبيعة المحتوى الذي يقدمونه والأهداف التي تقف خلفه، موضحًا أن كثيرًا من هؤلاء دخلوا هذا العالم بصورة تلقائية أو بدافع مادي، ثم وجدوا أنفسهم في مساحة تتجاوز فيها عوائد الإعلان أحيانًا دخل مؤسسات إعلامية كاملة. وأشار إلى أن بعض الحسابات في سلطنة عُمان سجلت أرقامًا مرتفعة جدًا من المتابعين، تجاوزت في بعض الأحيان حضور وسائل إعلام تقليدية تقوم على المصداقية والرسالة والتثقيف، بينما تذهب هذه الحسابات في كثير من الأحيان إلى مضامين تركز على الترويج أو الإثارة أو تسطيح الفكر، من دون أن تقدم ما يسهم في بناء الوعي العام أو خدمة المصلحة المجتمعية.

المتلقي في الواجهة

وتطرق المشيخي إلى التحدي المتعلق بتمييز المتلقي بين صناعة الوعي والترويج التجاري، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل جوهر الأزمة الحالية. وأوضح أن هناك بالفعل كتّابًا ومفكرين وأصحاب رسائل حقيقية، إلا أن حضورهم يظل أقل إذا ما قورن بحضور المشاهير الذين يجذبون الجمهور بدافع الفضول أو التسلية أو المتابعة العابرة. وأضاف أن أعداد المتابعين الكبيرة لا تعني بالضرورة وجود تأثير حقيقي، لأن التأثير مسألة معقدة تحتاج إلى دراسات معمقة، غير أن الخطر يكمن في أن الجمهور المنقاد، الذي قد يتجاوز 60 بالمائة من مستخدمي هذه المنصات، يميل عادة إلى هذا النوع من الحسابات أكثر من ميله إلى الخطاب الفكري أو الثقافي أو الوطني الرصين.

تنظيم عاجل

وشدد المشيخي على أن المشهد الإعلامي بحاجة إلى تنظيم عاجل، موضحًا أن القانون المنظم موجود من حيث المبدأ، إلا أنه يركز بدرجة أكبر على الجوانب الإعلانية، بينما لا يزال المحتوى نفسه بحاجة إلى معالجة أعمق من حيث المعايير والرسالة والضوابط. ورأى أن المطلوب لا يقتصر على التقييد أو المنع، وإنما على إعادة تنظيم هذا القطاع عبر وضع ضوابط تحافظ على حرية التعبير ولا تترك الساحة مفتوحة بالكامل أمام الفوضى والمحتوى غير المنضبط. وأضاف أن التحدي يكمن في إيجاد معادلة تضمن حق الناس في التعبير، وفي الوقت نفسه تصون المجتمع من المضامين الهابطة أو المضللة أو ذات الأهداف التجارية البحتة.

أكاديمية للمشاهير

واقترح المشيخي إنشاء أكاديمية متخصصة تعنى بالمشاهير وصناع المحتوى، على غرار ما هو قائم في بعض دول الخليج، بحيث يتم استيعاب هذه الفئة وتدريبها وتأهيلها بدل تركها تعمل بصورة عفوية أو خاضعة فقط لإغراءات الشركات الإعلانية. وأوضح أن هؤلاء يمثلون ثروة يمكن الاستفادة منها إذا ما وُجهوا التوجيه الصحيح، عبر إخضاعهم لمعايير واضحة، وتعزيز وعيهم بالجانب الوطني والرسالي، وتدريبهم على محتوى أكثر مسؤولية. وأضاف أن هذه الأكاديمية يمكن أن تكون مدخلًا للاستفادة من حضورهم الواسع في تمرير رسائل وطنية ومجتمعية مهمة، بدل حصر نشاطهم في الإعلان والتسويق فقط.

غياب القضايا الجادة

ولفت إلى أن من الملاحظات المهمة على كثير من المشاهير ندرة تناولهم للظواهر الخطرة أو القضايا الاجتماعية الجادة، رغم ما يملكونه من جمهور واسع كان يمكن أن يوظف في رفع الوعي والمساهمة في المعالجة. وأكد أن من يمتلك هذه المساحة من المتابعين كان الأولى به أن يخصص جزءًا من حضوره لقضايا المجتمع، وأن يتبنى محتوى يخدم الناس والوطن، لا أن ينشغل فقط بالترويج أو استعراض أنماط الحياة أو تقديم نصف الحقيقة من أجل الإعلان.

الرسالة الإعلامية

وأكد المشيخي أن الإعلام في جوهره رسالة سامية تقوم على الموضوعية والمصداقية والتوازن، وتعطي مساحة للرأي الآخر، وتخدم المجتمع من خلال المعرفة والوعي، مشيرًا إلى أن الخلل القائم اليوم يتمثل في اختزال الإعلام في مجرد استخدام جهاز وتصوير محتوى وتسويق منتجات، وكأن ذلك يكفي لمنح صاحبه صفة إعلامي. وأضاف أن ما يحدث حاليًا هو نوع من اختطاف الدور الإعلامي من قبل أشخاص لم يتدربوا ولم يمروا بالمسار المهني المعروف، لكنهم أجادوا جوانب الإبهار والتصوير والانتشار الخوارزمي، فتمكنوا من السيطرة على الساحة، بينما تعاني المؤسسات الإعلامية التقليدية من تراجع في الموارد الإعلانية واتجاه الشركات الكبرى إلى المشاهير بدعوى امتلاكهم أرقامًا أعلى من الجمهور.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو