د. رجب العويسي لـ«الوصال»: «إجادة» تحوّلت إلى «هدر وظيفي» وتحتاج حوكمة تعيد «الثقة» للمجتمع الوظيفي
منتدى الوصال
الوصال ــ تحدّث الكاتب الصحفي الدكتور رجب العويسي، عبر برنامج «منتدى الوصال»، عن واقع منظومة «إجادة» في ظل الجدل المجتمعي الذي تصاعد بعد التقييمات وظهور النتائج، مبينًا أن الملف بات «حساسًا وشائكًا» ويشكّل «هاجسًا مجتمعيًا» داخل المجتمع الوظيفي، ويحتاج إلى مزيد من «الشفافية والوضوح والحوار المجتمعي والاجتماعي»، وإلى قراءة تعيد صياغة المسار بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية عمان 2040» والتوجهات الوطنية المرتبطة بإصلاح منظومة جهاز الدولة بعد إعادة هيكلة الجهاز الإداري.
الاستياء ليس انطباعًا
وأوضح العويسي أن الحديث عن اتساع الاستياء داخل المجتمع الوظيفي ليس «انطباعًا»، مشيرًا إلى أن تشكّل رؤية جمعية حول الموضوع تعززها نقاشات عامة وقراءات جهات مختلفة، معتبرًا أن الإشكال لا يتوقف عند جانب واحد، بل يلامس منظومة العمل بوصفها جزءًا من «المنظومة الوطنية»، وأن المسألة أصبحت «خطًا أحمر» ومحطة لإعادة النظر وصياغة مسار جديد، أو التعامل مع المعطيات بما يضمن مخرجات أكثر اتزانًا.
«هدر» يتجاوز المال إلى النفس والمجتمع
وتناول العويسي توصيفه لمقاله «إجادة والهدر الوظيفي»، موضحًا أن الهدر الذي يتحدث عنه ليس «هدرًا ماليًا فحسب»، بل «هدر وظيفي وإداري وفكري ونفسي واجتماعي»، بل ويمتد إلى «فلسفة العمل» و«السلوك المؤسسي» و«انطباعات الولاء والانتماء المؤسسي»، مضيفًا أن الأثر بات يتجاوز حدود المؤسسة ليصل إلى الأسرة، إذ يرى أن تقييم الموظف وما يشعر به بعده قد ينعكس على سلوكه النفسي في البيت، وعلى قدرته على بث رسائل إيجابية لأبنائه، وعلى الصورة التي يحملها الأبناء عن والدهم حين يعود مثقلًا بتقدير يراه غير منصف.
فكرة التقييم مطلوبة.. والإشكال في التطبيق
وبيّن العويسي أن فكرة تقييم الأداء المؤسسي والوظيفي «ليست غريبة» وليست مرفوضة من حيث المبدأ، موضحًا أنه سبق أن طرح قبل سنوات تصورات تتعلق بمكاتب متابعة وتقييم الأداء داخل المؤسسات، وأن فلسفة قياس الأداء موجودة ضمن مسارات الإدارة الحديثة، لكنه رأى أن ما يحدث في «إجادة» اليوم يكشف «الخلل» في آليات التطبيق، وفي ما ترتب عليها من نتائج وأثر نفسي ومجتمعي واسع.
الخلل في «الثقة»
وتوقف العويسي عند ما اعتبره لبّ المشكلة، قائلًا إن الخلل يتمثل في «الثقة»، موضحًا أن «إجادة» حتى اليوم لم تستطع بناء ثقة لدى المجتمع الوظيفي تضمن قناعته بأن ما يجري داخل المنظومة يصنع فارقًا على المستوى المؤسسي أو الفردي، ورأى أن تزعزع الثقة بين المنظومة والمستهدفين منها يستدعي معالجة تبدأ بإعادة بناء الثقة في «ذاتية الموظف»، وبإثبات قدرة المنظومة ــ عبر تحسينات وتدريب وتطوير ــ على تصحيح المسار بشكل يقنع الموظف ويعكس أثرًا حقيقيًا على أدائه وإنتاجيته.
التقييم ليس أرقامًا فقط
وأشار العويسي إلى أن تقييم الأداء لا يمكن اختزاله في إطار رقمي مجرد، موضحًا أن التقييم في نظره يرتبط بالشمولية والتكاملية، لأنه يمس «مشاعر وقناعات وأحاسيس وثقافة وتدريب وعلاقات عمل»، معتبرًا أن المشكلة تظهر عندما تُختزل مساهمات الموظف في أهداف محددة تُفرض أو تُعدّل بطريقة لا تعكس ما يقوم به خارج الإطار الضيق، في وقت يرى فيه أن الموظف قد يؤدي أدوارًا متنوعة داخل المؤسسة وخارجها، وأن الوظيفة اليوم «لم تعد محصورة» في حدود المكتب.
صلاحيات واسعة بلا حدود واضحة
وتناول العويسي ما وصفه بتحديات تتعلق بإدراك بعض المسؤولين لطبيعة «إجادة» وحدود الدور المطلوب منهم، مبينًا أن المنظومة ــ وفق رؤيته ــ منحت المسؤول «صلاحيات أكثر غير محددة» في التعامل معها، وأن غياب تحديد واضح للصلاحيات والمرجعيات يفتح الباب لاختلالات تمس العدالة الوظيفية، مؤكدًا أن الحديث عن «حوكمة إجادة» يصبح ضرورة لتحديد المسؤوليات وحدود الحركة، وصياغة أطر واضحة تمنع استغلال الصلاحيات بصورة سلبية أو توظيفها لأغراض شخصية.
التظلمات وإشكال «الخصم والحكم»
وفي سياق متصل، تطرق العويسي إلى آلية التظلم، معتبرًا أن أحد الإشكالات أن لجنة التظلمات قد تُدار ضمن السياق نفسه، أو أن المسؤول الذي منح الدرجة يبقى حاضرًا في مسار البتّ، متسائلًا عن جدوى التظلم في ظل هذا التعارض، ومشيرًا إلى أهمية أن تكون هناك ترتيبات تضمن حيادية أعلى، سواء عبر وجود أطراف من خارج المؤسسة أو عبر آليات تدوير أو لجان مستقلة تحقق عدالة أكبر.
المنحنى ومعضلة الترقيات
وتحدث العويسي عن أثر «المنحنى» في توزيع الدرجات، موضحًا أن بعض المسؤولين قد يجدون أنفسهم أمام نسب محددة للامتياز و«الجيد جدًا»، بما ينعكس على فرص التحفيز والترقي، خصوصًا عندما تشترط بعض الوظائف القيادية الحصول على «جيد جدًا» لسنتين متتاليتين، معتبرًا أن هذا الواقع يجعل الوصول إلى الترقية أكثر تعقيدًا لدى كثير من الموظفين، ويضعف الحافز ويزيد الشعور بالإحباط.
هيئة مستقلة لتعزيز الثقة
ودعا العويسي إلى مقترح يتمثل في إعادة مرجعية تقييم الأداء إلى «هيئة مستقلة» تتولى تقييم الأداء المؤسسي والفردي ضمن جهاز الدولة، مبينًا أن استقلال التقييم يعزز الثقة ويمنح المنظومة قدرة أعلى على ضبط المعايير والاستفادة من التجارب العالمية، وربط التقييم بمسارات الحوكمة والإنتاجية وبناء الإنسان القادر على الانسجام مع أهداف الدولة وتوجهاتها المستقبلية.
خصوصية الوظائف شرط للعدالة
وأوضح العويسي أن من أبرز ما يجب أن تعالجه المنظومة مبدأ «الخصوصية»، معتبرًا أن الوظائف ليست سواء، وأن طبيعة عمل المعلم تختلف عن الإداري، وتختلف عن العامل الميداني، وأن هناك «مشتركات عامة» يمكن أن تُقاس عليها جميع المؤسسات، مقابل «خصوصيات» ينبغي مراعاتها وفق طبيعة كل قطاع، مع أهمية الإسراع في استكمال «الوصف الوظيفي» لبعض المهام لضمان وضوح المنتج المتوقع ومعايير قياسه.
تماسك «البيت الداخلي» وأثره في العلاقات الاجتماعية
وتحدث العويسي عن أن تماسك «البيت الداخلي» في المؤسسة يجب أن يكون أولوية، معتبرًا أن الثقة التي يمنحها الموظفون للمسؤول تنعكس على الأداء والإنتاجية، وأن غياب العدل قد ينقل التوترات خارج أسوار المؤسسة إلى المجال الاجتماعي، في مجتمع يلتقي أفراده في المناسبات والأفراح والأتراح، مشيرًا إلى أن بعض تظلمات المرحلة قد تكشف لاحقًا عن حجم التأثير في العلاقات، ومؤكدًا أن علاج ذلك لا يكون بالشعارات، بل بمنظومة حوكمة واضحة ومعايير وضوابط تحدد صلاحيات المسؤول، وتضمن العدالة والنزاهة والمهنية والخصوصية.
الحوافز والتقييم.. معادلة مطلوبة
ورأى العويسي أن الإصلاح يتطلب تحقيق معادلة بين بعدين: بعد الحوافز وبناء الشغف والإرادة لدى الموظف، وبعد التقييم والرقابة وضبط المعايير، معتبرًا أن الموظف المنتج يحتاج إلى «الأمان الوظيفي» وإلى شعور بأن جهده لن يذهب إلى نتيجة لا تعكس واقعه، وأن بناء جسور تواصل فعّالة مع الموظفين وتطمينهم بأن الأخطاء لا تُنسب للمنظومة بوصفها رغبة مقصودة، بل تُعالج عبر الاستماع والتطوير، يمثل جزءًا من استعادة الثقة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


