د. سلطان الخروصي لـ«الوصال»: الأرقام لا تُدين الأطفال بل تفضح «حلقة مفقودة» في التربية المجتمعية
ساعة الظهيرة
الوصال ــ تناول الدكتور سلطان بن خميس الخروصي الباحث والكاتب في التربية وشؤون المجتمع، عبر برنامج «ساعة الظهيرة»، قراءة تربوية ومجتمعية للإحصاءات الأخيرة المتعلقة بقضايا الأطفال والأحداث، مبينًا أن هذه المؤشرات تمثل ناقوس خطر يستدعي الوقوف الجاد عند جذور المشكلة، وربطها بسياقها الاجتماعي والتربوي، بدل الاكتفاء بقراءتها كأرقام مجردة.
وأوضح أن مراجعة تقارير الادعاء العام خلال السنوات الثلاث الماضية تكشف تصاعدًا لافتًا في حالات التحرش بالأطفال، إذ بلغت في عام 2023 نحو «350 حالة»، وارتفعت في عام 2024 إلى «399 حالة» بنسبة زيادة قدرها «17%»، ثم قفزت في عام 2025 إلى «1246 حالة» بنسبة ارتفاع بلغت «212%»، وهو ما وصفه بالمؤشر الخطير والمثير للانتباه.
حلقة مفقودة
وبيّن الخروصي أن هذه الأرقام لا تعكس انحرافًا في شخصية الطفل بقدر ما تشير إلى وجود «حلقة مفقودة» في البنية المجتمعية للتنشئة الاجتماعية، موضحًا أن الخلل يكمن في الفجوة بين ما يُفترض أن يُغرس في الطفل من قيم وسلوك ومعرفة، وبين ما تقدمه الأسرة والمؤسسات التربوية فعليًا.
وأشار إلى أن هذه المؤشرات تفرض وقفة صادقة لإعادة وضع الطفل في موقعه الصحيح ضمن منظومة المسؤولية الاجتماعية، مؤكدًا أن الأزمة ليست أزمة أطفال، بل أزمة تربية وتنشئة مجتمعية تحتاج إلى مراجعة شاملة.
أسباب متشابكة
وأوضح الخروصي أن أسباب تصاعد هذه القضايا متعددة ومتشعبة، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسة، يأتي في مقدمتها «التحولات الأسرية»، حيث تعاني بعض الأسر من ضعف التواصل الداخلي، وانشغال الوالدين، والخوف من العقاب بدل الاحتواء، أو التساهل المفرط بدل التوجيه.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في دور «البيت المدرسي»، الذي يركز بصورة مفرطة على التحصيل والاختبارات، مقابل تراجع مساحة التفكير والحوار واكتشاف المشكلات السلوكية مبكرًا، ما يؤدي إلى وصول الطفل إلى مراحل متأخرة من المعاناة دون تدخل تربوي مناسب.
الفضاء الرقمي
وتطرّق الخروصي إلى تأثير «الفضاء الرقمي» بوصفه أحد أخطر العوامل المؤثرة في سلوك الأطفال، حيث يتعرضون لمحتوى يفوق نضجهم العقلي والأخلاقي، ويتشربون نماذج قدوة افتراضية مشوشة قائمة على العنف والاستعراض والسلوكيات غير السوية.
وأشار إلى ضعف الوعي بمفهوم «التربية الرقمية»، مؤكدًا أهمية دور الإعلام والمؤسسات التوعوية في بناء ثقافة رقمية تحمي الأطفال من الانجراف خلف محتوى غير مناسب لأعمارهم.
ثقافة الصمت
ولفت الخروصي إلى أن المحور الرابع يتمثل في «ثقافة الصمت المجتمعي»، حيث تخشى بعض الأسر الإفصاح عن قضايا التحرش بدافع الخوف من الفضيحة أو الوصمة الاجتماعية، ما يؤدي إلى معالجة القضية أمنيًا وقانونيًا فقط دون المرور بالمسار التربوي والنفسي الوقائي.
وبيّن أن هذا السلوك يترك آثارًا طويلة المدى على الطفل والأسرة، ويؤسس لأزمات نفسية واجتماعية يصعب تجاوزها لاحقًا.
حماية عاجلة
وأكد الخروصي أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب العمل على مستويين أساسيين هما «الأسرة والمدرسة»، داعيًا إلى إدماج التربية النفسية والمهارات الحياتية في المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين على الاكتشاف المبكر للتغيرات السلوكية لدى الأطفال.
وأضاف أن الأسرة بحاجة إلى برامج توعوية حول «التربية الإيجابية»، وتعزيز الإرشاد الأسري قبل الوصول إلى مراحل الأزمة، وتمكين الوالدين من إدارة الخلافات داخل البيت بطريقة صحية تحفظ استقرار الطفل النفسي.
رسائل ثلاث
ووجّه الخروصي ثلاث رسائل أساسية، أولها إلى «الأسرة»، مؤكدًا أن التربية ليست أوامر وعقابًا، بل حضورًا وحوارًا واتساقًا، وأن الطفل إذا لم يجد صوته مسموعًا داخل بيته سيبحث عنه خارجه.
وثانيها إلى «المدرسة»، داعيًا إلى إعادة تعريفها بوصفها مساحة لصناعة الإنسان المتوازن نفسيًا وأخلاقيًا، وليس مجرد مكان للاختبارات والتحصيل، مشيرًا إلى أن كل طالب صامت داخل الصف يستحق الالتفات والاهتمام.
أما الرسالة الثالثة فكانت إلى «المؤسسات المجتمعية والرسمية المعنية بالطفل»، موضحًا أن حماية الأطفال ليست ملفًا إداريًا أو إحصائيًا، بل استثمارًا في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله.
استثمار في المستقبل
وختم الخروصي حديثه بالتأكيد على أن قضايا الأطفال تعكس صورة الأسرة ودور المدرسة وضمير المجتمع، مشددًا على أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في أمن الوطن واستقراره، وأن التعامل مع هذه المؤشرات يجب أن يكون تربويًا وقائيًا قبل أن يكون قانونيًا علاجيًا.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


