د. سلطان الخروصي لـ «الوصال»: كثافة المناهج ومكافأة الحفظ تعيق دور التعليم في بناء المواطن الواعي
ساعة الظهيرة
الوصال ــ أوضح الدكتور سلطان بن خميس الخروصي، باحث وكاتب في التربية وشؤون المجتمع، خلال حديثه ضمن برنامج «ساعة الظهيرة»، أن قضية التعليم بين بناء «المواطن الواعي» وصناعة «المواطن الممتثل»، معتبرًا أن السؤال حول ما إذا كان التعليم اليوم ينتج مواطنًا واعيًا أم يركز على الامتثال والتلقين هو سؤال «فلسفي وتربوي وسياسي» في آن واحد، لأنه يتصل بطبيعة الإنسان وكيف يفكر، وبما تريده الدولة من نموذج المواطن الذي تسعى إلى بنائه.
وأوضح أن الوعي في الأدب التربوي يقوم على «حب السؤال»، والقدرة على الربط، والثقة في النقد، والمشاركة الجريئة، وتفكيك الخطاب، والتمييز بين المعرفة وما تريده السلطة، بينما يقوم الامتثال على «الحفظ»، وتكرار الإجابات النموذجية في الاختبارات، والخوف من الخطأ، والسعي لمعرفة ما يريده المعلم في الامتحان.
وبيّن أن التعليم في صورته العامة في سلطنة عُمان «بخير»، لكنه أقرب إلى صناعة مواطن «متكيف مع النظام» أكثر من كونه مواطنًا واعيًا، مؤكدًا أن المشكلة ليست في وجود الامتثال بحد ذاته، إذ إن كثيرًا من الدول المتقدمة تمارس هذا النموذج، وإنما في التوقيت: «متى نخلق المواطن الممتثل؟ ومتى نفتح له مساحة التفكير العميق؟».
الوعي والامتثال
وأشار إلى أن الوعي يفترض أن يكون المتعلم مولعًا بالسؤال وقادرًا على الربط والنقد والمشاركة، بينما الامتثال يختزل التعليم في الحفظ وتكرار الإجابة الصحيحة في الاختبار، موضحًا أن الواقع التربوي يكشف فجوة بين ما يُكتب في السياسات التعليمية وما يُمارس داخل الصفوف الدراسية.
وأضاف أن كثيرًا من النصوص الرسمية، بدءًا من «النظام الأساسي للدولة» مرورًا بـ«رؤية عُمان 2040» والفلسفة التربوية، تتحدث عن التفكير الناقد والقيم والمواطنة والطالب محور العملية التعليمية، لكنها تبقى في كثير من الأحيان «نظرية وورقية»، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أدوات التطبيق والممارسة اليومية داخل المدارس.
خلل الممارسة
وأوضح أن الخلل مركب، لكنه يظهر بحدة أكبر في الممارسة، حيث يعاني المعلم من «ضغط المناهج وضيق الوقت وكثرة المتطلبات»، في ظل نظام يكافئ «الحفظ أكثر من الفهم»، وثقافة مدرسية تخشى السؤال المختلف والخروج عن المألوف.
وأشار إلى أن النجاح في كثير من الأحيان يُقاس «بالأرقام لا بالأثر»، وأن هناك خوفًا من الأسئلة التي قد تفتح نقاشًا أوسع خارج حدود المنهج، ما يؤدي إلى تكريس نموذج الطالب الذي يحفظ ويؤدي الاختبار بدل أن يفكر ويناقش.
وبيّن أن السياسات التربوية في جوهرها تعكس أحيانًا «قلقًا سياسيًا»، لكن المشكلة الأبرز تظل في الممارسة اليومية داخل الصف، وفي الأدوات المستخدمة لتقييم الطالب والمعلم معًا.
السلوك والقيم
وتناول الخروصي نماذج من الواقع اليومي، مثل الالتزام بقواعد المرور، واحترام الطوابير، والسلوكيات البسيطة في الحياة العامة، بوصفها مؤشرات على مستوى «الوعي والقيم والتربية»، موضحًا أن المشكلة ليست في غياب الحديث عن القيم، بل في غياب الممارسة الفعلية لها داخل البيئة المدرسية.
وأشار إلى أن كثيرًا من الدول تطبق نماذج تربوية تجعل القيم جزءًا من الحياة اليومية للمدرسة، من خلال «أيام وطنية» وأنشطة عملية في آداب الطريق، واحترام كبار السن، وآداب الحوار، والعمل الجماعي، بينما يظل الطالب في كثير من الأحيان محصورًا في حفظ المعلومات وتصويرها في ورقة الاختبار.
وأضاف أن مناهج الدراسات الاجتماعية تُعد حاضنة طبيعية للقيم، لكن المعلم يواجه ضغط الخطة السنوية والفصلية والتقييمات، ما يجعله يقول في النهاية: «خليه يحفظ ويفرغ في الاختبار»، بدل أن يمنحه مساحة للتجربة والتطبيق العملي.
تعليم السؤال
وأكد أن التغيير الأكثر إلحاحًا اليوم هو الانتقال من تعليم «الإجابة» إلى تعليم «السؤال»، معتبرًا أن السؤال يمثل «نصف المعرفة»، وأن الطالب يجب أن يكون المبادر بالسؤال لا المتلقي للإجابة الجاهزة.
ودعا إلى مكافأة التفكير بدل الحفظ، وتدريب المعلم على «إدارة الحوار لا الشرح فقط»، مشيرًا إلى أن الحصة الدراسية ينبغي أن يكون معظمها قائمًا على النقاش والأسئلة التي تنمي التفكير الناقد، لا على الإلقاء السريع للمحتوى لإنهاء المنهج.
وبيّن أن مقاومة التغيير من بعض الطلبة، نتيجة التشبع بالمحتوى الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، تمثل تحديًا حقيقيًا، لكن الحل لا يكمن في المنع، بل في «توجيه عقل المتعلم» لاستثمار هذه التقنيات بطريقة واعية ومنهجية.
رهان المستقبل
وأوضح أن التعامل مع الطالب بوصفه «عقلًا ناشئًا» لا وعاءً فارغًا هو الأساس، داعيًا الأسرة والمعلم والمؤسسات التربوية إلى بناء الثقة في قدرات الطالب، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في تنمية مهاراته بدل الخوف منها أو وصفها بـ«الغزو الفكري».
وأشار إلى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اعتماد خطاب المنع المطلق وعدم الثقة بالجيل الجديد، لأن ذلك يخلق فجوة بين الأجيال، في حين أن المطلوب هو المواكبة والتطوير المستمر لمهارات المعلم وولي الأمر معًا.
وختم الخروصي حديثه بالتأكيد على أن التعليم لا ينبغي أن يكون أداة توجيه فقط، بل شريكًا في بناء «الوعي النقدي» لدى الطالب، من خلال سؤال مفتوح، وحوار مستمر، وممارسة فعلية للقيم داخل المدرسة، بما ينعكس على سلوك الفرد في المجتمع ومستقبل الوطن.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


