الوصال ـ وصفت الدكتورة طاهرة اللواتي، الإعلامية والكاتبة وعضو مجلس الشورى سابقًا، «الغسيل المؤسسي» بأنه ممارسات تلجأ إليها بعض المؤسسات العامة والخاصة لتجميل صورتها أمام الرأي العام والجهات القيادية، وإظهار أداء إيجابي قد لا يعكس واقعها التشغيلي، من خلال مظاهر وشواهد شكلية من بينها بعض الجوائز والتصنيفات والشهادات.

وقالت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال إن المصطلح مستخدم في مجالات الإدارة والحوكمة لوصف ما يرتبط بـ«غسيل السمعة والأداء»، مشيرة إلى أن الظاهرة أصبحت منتشرة عالميًا، وتستدعي التمييز بين التصنيفات المرموقة المبنية على بيانات ومعايير مستقلة، وبين جوائز تمنحها مكاتب تجارية مقابل رسوم ومبالغ مالية.

وبيّنت اللواتي أن هناك تصنيفات دولية موثوقة تصدر عن مؤسسات معروفة، وتستند إلى بيانات مستقلة ومفتوحة المصدر، وتؤدي دورًا إيجابيًا في دفع المؤسسات إلى المنافسة وتحسين الأداء.

في المقابل، أشارت إلى ظهور مكاتب تجارية تعمل وفق ما يعرف بمفهوم «Pay to Win»، أي «ادفع لتفوز» أو «ادفع لتبرز»، إذ تفرض رسومًا تحت مسميات مختلفة، مثل رسوم الفحص وباقات الرعاية والمشاركة في الفعاليات، ثم تمنح المؤسسة درعًا أو لقبًا يحمل مسمى جذابًا يقدم لاحقًا على أنه إنجاز مؤسسي.

الجائزة لا تعني جودة الأداء

ونوهت إلى أن بعض المؤسسات قد تنجذب إلى هذه الجوائز عندما تواجه قصورًا في أدائها أو ترغب في تحسين صورتها أمام الجمهور والقيادات، بينما تختار مؤسسات أخرى التركيز على جودة العمل ونتائجه الفعلية دون السعي وراء الألقاب والدروع.

ورأت أن الإشكالية تبدأ حين تتحول الجوائز إلى وسيلة للتغطية على جوانب القصور بدل أن تكون نتيجة فعلية لأداء متميز، موضحة أن الرأي العام أصبح أكثر وعيًا وقدرة على معرفة مصدر الجائزة والتمييز بين تصنيف صادر عن مؤسسة دولية مرموقة وبين شهادة يمنحها مكتب تجاري.

وأضافت أن المؤسسات مطالبة بالنظر إلى قيمة الجائزة ومنهجية الحصول عليها، لا إلى بريق الاسم أو الحفل المصاحب لها، لأن التصنيف الحقيقي ينبغي أن يعكس مستوى الأداء وليس القدرة على تحمل تكاليف المشاركة.

«قائمة بيضاء» للجوائز الموثوقة

وتطرقت اللواتي إلى أهمية الفصل بين ما وصفته بـ«القائمة البيضاء» للتصنيفات المعترف بها والموثوقة، وبين الجهات التجارية التي تعتمد على تحصيل الرسوم من المؤسسات المشاركة.

وأوضحت أن القائمة الأولى تضم مؤسسات دولية معروفة وجهات مرموقة تعتمد على معايير وبيانات واضحة، وتساعد تصنيفاتها على إيجاد تنافس فعلي بين المؤسسات، فيما تسعى بعض المكاتب التجارية إلى استقطاب المؤسسات من خلال حملات التسويق والعلاقات العامة والإغراءات المرتبطة بالجوائز.

ولفتت إلى أن الأموال التي تدفع للحصول على جوائز تجارية قد تقتطع من الميزانيات التشغيلية للمؤسسات، وهي ميزانيات يفترض أن توجه أصلًا إلى تحسين جودة الأداء وتدريب العاملين وتطوير الخدمات ورفع مستوى الكفاءة.

ورأت أن توجيه هذه المبالغ إلى الحصول على ألقاب أو جوائز لا تضيف قيمة حقيقية للأداء يعني خسارة فرصة لاستثمار الموارد المالية في تحسين الخدمة نفسها.

الظاهرة لا تقتصر على القطاع الخاص

وأشارت اللواتي إلى أن المكاتب التجارية لا تستهدف شركات القطاع الخاص وحدها، وإنما تخاطب كذلك المؤسسات العامة وحتى الشخصيات، انطلاقًا من طبيعتها التجارية وبحثها المستمر عن عملاء جدد.

وقالت إن الحصول على درع أو شهادة من جهة تجارية لا يقدم بالضرورة صورة موضوعية عن أداء المؤسسة، وقد يتحول إلى محاولة لإقناع الجمهور بأن الأداء جيد دون وجود مؤشرات فعلية تؤيد ذلك.

ونبهت إلى أن المجتمع بات قادرًا على التمييز بدرجة أكبر بين الجوائز ذات القيمة المهنية والتصنيفات التجارية، خصوصًا مع سهولة الوصول إلى المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.

وأوضحت أن من حق الجمهور والجهات المعنية بالحوكمة أن تسأل المؤسسة عن مصدر الجائزة، والمعايير التي بنيت عليها، ونوعية البيانات التي قدمتها، والنتائج التفصيلية التي حصلت عليها، إلى جانب المبالغ التي أنفقت من أجل المشاركة فيها.

وأضافت أن الإنفاق على مثل هذه الأنشطة قد يستنزف المال والجهد معًا، ويبعد المؤسسة عن التركيز على المؤشرات الحقيقية التي ينبغي أن تقيس بها أداؤها، وفي مقدمتها رضا المستفيد وجودة الخدمة وسرعة الإنجاز.

الحوكمة مطالبة بالتدخل

ورأت اللواتي أن مواجهة «الغسيل المؤسسي» مسؤولية مشتركة بين جهات الحوكمة والرقابة والمجتمع والإعلام، موضحة أن عددًا من الدول اتجه بعد انتشار الظاهرة إلى وضع محددات تنظّم المشاركة في الجوائز والتصنيفات.

وأشارت إلى إمكانية إعداد قائمة بالجهات الدولية الموثوقة التي يمكن للمؤسسات المشاركة في تصنيفاتها، مع إلزام أي مؤسسة تتعامل مع جهة خارج هذه القائمة بالإفصاح عن البيانات التي قدمتها، وطبيعة التقييم، والنتائج التفصيلية التي حصلت عليها.

وأضافت أن مجرد الإعلان عن الفوز بدرع أو شهادة لا يكفي من منظور الحوكمة، لأن الشفافية تتطلب معرفة المنهجية والبيانات ومدى دقة النتائج، خصوصًا عندما ترتبط المشاركة بإنفاق من أموال المؤسسة.

وبيّنت أن الجهات الرقابية تؤدي دورًا كذلك من خلال مراجعة أوجه الصرف ومعرفة ما إذا كانت الأموال التشغيلية ذهبت إلى تطوير الخدمات والعمليات، أم أن جزءًا منها استهلك في رسوم الجوائز والاحتفالات والتسويق المرتبط بها.

وأشارت إلى دور المجتمع والإعلام في طرح الأسئلة والتحقق من الجهة المانحة للجائزة، وهل تنتمي إلى مؤسسة دولية معروفة أم إلى مكتب تجاري يعتمد في نشاطه على الرسوم المدفوعة من المشاركين.

كلفة تتجاوز «رسوم المشاركة»

وتناولت اللواتي حجم المبالغ المرتبطة ببعض الجوائز التجارية، موضحة أن التكلفة لا تأتي بالضرورة في صورة رسم واحد مباشر، وإنما قد تتوزع على أكثر من بند.

وذكرت أن تلك التكاليف قد تشمل رسومًا للفحص أو التقييم، وباقات للرعاية، وحجز طاولات أو تذاكر لحفلات التكريم، ومبالغ أخرى مرتبطة باستخدام اللقب أو تمثيل الجائزة والمشاركة في الفعاليات المصاحبة.

وقالت إن جمع هذه البنود قد يؤدي في النهاية إلى مبالغ كبيرة، خصوصًا أن بعض المكاتب التجارية تتعامل مع المؤسسات في دول الخليج باعتبارها قادرة على تحمل كلفة أعلى، ما يضاعف حجم الإنفاق على هذه الأنشطة.

ولفتت إلى أن تقييم قيمة هذه الجوائز ينبغي ألا يتوقف عند المبلغ المباشر المسدد، وإنما يشمل كذلك الكلفة غير المباشرة من وقت الموظفين والجهود التنظيمية والتسويقية المصاحبة.

الأداء يقاس بالأرقام لا بالدروع

ودعت اللواتي إلى ربط تقييم المؤسسات بما وصفته بالمؤشرات الصلبة «Hard KPIs»، التي تعكس الأداء الحقيقي ويمكن قياسها والتحقق منها.

وبيّنت أن هذه المؤشرات يمكن أن تشمل سرعة إنجاز المعاملات، وعدد المستفيدين الذين قدمت لهم الخدمة، ونسب التحول الرقمي، وغيرها من النتائج التي تعكس بصورة مباشرة كفاءة المؤسسة.

وضربت مثالًا بالمؤسسات الصحية، إذ ينبغي أن يكون التقييم مرتبطًا بمؤشرات مثل أعداد المرضى الذين حصلوا على الخدمة ومستوى جودتها، بينما يمكن قياس أداء المؤسسات الخدمية بعدد المعاملات المنجزة وسرعة إنجازها ومدى رضا المراجعين.

كما دعت إلى إيجاد منصات لتقييم المستفيدين من الخدمات، باعتبار أن رأي الشخص الذي يتلقى الخدمة يمثل أحد المؤشرات المهمة للحكم على جودة الأداء، مع تطوير أدوات القياس بما يمنع تشويه النتائج بسبب التقييمات غير الموضوعية.

وشددت على أن الجائزة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القياس الواقعي للأداء، مؤكدة أن المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع إثبات نتائجها بالأرقام ومؤشرات رضا الجمهور وليس بعدد الدروع والشهادات التي تحصل عليها.

ضوابط للإنفاق على الجوائز

وأشارت اللواتي إلى أن بعض نماذج الحوكمة الحديثة تتجه إلى فرض ضوابط صارمة للحد من ظاهرة الغسيل المؤسسي، ومن بينها الحد من الإنفاق على الجوائز التجارية غير المعتمدة رسميًا أو عالميًا.

ورأت أن توجيه الأموال نحو تطوير الخدمة وتحسين الأداء أكثر جدوى من استخدامها في ممارسات تسويقية لا تمنح المؤسسة تقييمًا موضوعيًا لقدراتها.

وأضافت أن الإدارة والحوكمة مجالان يتطوران باستمرار، وأن ظهور ممارسات سلبية جديدة يستدعي تطوير أدوات وقائية وعلاجية للتعامل معها، حتى لا تتحول إلى سلوك مؤسسي واسع الانتشار.

وأكدت أن انتشار ممارسة معينة لا يعني بالضرورة أنها ممارسة جيدة، داعية المؤسسات إلى عدم الانسياق وراء «موضة الجوائز» من دون تقييم حقيقي لقيمتها ومصدرها وتأثيرها في الأداء.

واختتمت اللواتي بالتأكيد على أن مواجهة «الغسيل المؤسسي» تبدأ من الشفافية في الإنفاق والتصنيف، وربط التميز بالمؤشرات الحقيقية ورضا المستفيد، بحيث يكون تحسين الخدمة هو الغاية الأساسية للمؤسسة وليس الحصول على لقب أو درع براق.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو