الوصال ــ استعاد الدكتور زكريا المحرمي، الكاتب والطبيب، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، ملامح التجربة الفكرية والثقافية للأستاذ الراحل خميس العدوي، واصفًا رحيله بأنه فقد لشخصية كان لها حضور كبير في الثقافة العُمانية، ومشيرًا إلى أن أول ما يلفت في سيرته تلك الابتسامة الهادئة التي لازمته حتى في لحظاته الأخيرة. وروى المحرمي أن الراحل واجه الموت مبتسمًا، كما عرفه أصدقاؤه وقراؤه في حياته، موضحًا أن هذه السمة لم تكن عابرة، وإنما كانت جزءًا من تكوينه الإنساني الذي تشكل في بيئة عرفت البؤس والمعاناة، فتعلم أهلها تخفيف وطأة الحياة بالنكتة والعبارة اللطيفة والابتسام.

لقاء البدايات

وأوضح المحرمي أن علاقته بخميس العدوي بدأت في عام 2000، حين زاره في منزله برفقة الكاتب خالد بن مبارك الوهيبي، الذي وصفه أيضًا بأنه شخصية فارقة وصديق عمر للراحل. ومنذ ذلك اللقاء، بحسب حديثه، تشكل تقارب فكري عميق بينهما، انطلق من الرغبة في صياغة مشروع ثالث يختلف عن اتجاهين كانا حاضرين بقوة في الساحة الثقافية؛ أحدهما مشروع ديني تقليدي يغلب عليه التشدد والميل إلى الطهرانية، والآخر مشروع حر انفلت من كل قيد حتى بلغ لدى بعض أصحابه حد الابتعاد عن الإيمان. وفي هذا السياق، رأى المحرمي أن خميس العدوي اشتق مسارًا ثالثًا يمكن وصفه بـ «الإيمان الحر»؛ إيمان متصالح مع العقل، منطلق من الفطرة، مرتبط بالقرآن الكريم والمتفق عليه من السنة النبوية، وقد تجسد هذا التوجه مبكرًا في كتابه الأول المشترك مع خالد الوهيبي «الإيمان بين الغيب والخرافة».

طريق ثالث في الفكر

وأشار المحرمي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  إلى أن انطلاقة خميس العدوي من داخل الوسط المتدين جعلت بعض المؤسسات الإعلامية تتردد في استقباله في البدايات، إذ ساد انطباع بأن القادم من هذا الوسط لن يقدم جديدًا يخرج عن المألوف. وأضاف أن الصحف لم تتقبل مشروعه بسهولة، فاضطر إلى النشر الإلكتروني في مرحلة من المراحل، قبل أن تتغير الظروف وتجد أفكاره طريقها إلى دوائر أوسع من التلقي. كما لفت إلى أن بعض الأسماء الإعلامية والثقافية كان لها دور مهم في تقديمه للجمهور، مثل محمد الحضرمي ومحمد بن سيف الرحبي وحسن المطروشي، في وقت كانت المدارس الأخرى أكثر حضورًا وضجيجًا، ما جعل مشروعه يواجه صعوبة في التثبيت والانتشار في بداياته.

يتيم تعددت آباؤه

وفي معرض حديثه عن تكوينه المعرفي، أوضح المحرمي أن خميس العدوي كان يتيم الأب والأم، ويرى أن هذه التجربة منحته خاصية التكون عبر «تعدد الآباء الفكريين»، إذ لم تصنعه شخصية واحدة، وإنما نهل من روافد كثيرة شكلت هذا النهر الفكري الواسع. وذكر من بين الشخصيات المؤثرة فيه الشيخ عبد الله بن ناصر الشقصي، والشيخ صالح الربخي، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، والشيخ أحمد بن سعود السيابي، إلى جانب أثر الكتب والقراءات، حيث تأثر في بداياته بكتابات سيد قطب ومحمد الغزالي والعقاد. وأضاف أن العدوي كان أديبًا أكثر من كونه منشغلًا بالفقه بمعناه الضيق، وكان يخفي في داخله شاعرًا، وهو ما يفسر، بحسب وصفه، رشاقة قلمه وعذوبة عبارته وخفة روحه.

كاتب لا يخشى الاختلاف

وأكد المحرمي أن خميس العدوي لم يكن ممن يتعصبون لأفكارهم أو يقطعون الصلة مع المختلفين معهم، وإنما كان يرى في الحوار والنقد فرصة للتطور. وقال إنه لا يذكر جلسة جمعته به إلا وكان بينهما أخذ ورد واختلاف في الرأي، مضيفًا أن الراحل كان يعود أحيانًا بعد مدة ليقول إنه اقتنع بفكرة سبق أن ناقشها معه، وقد ينسى أحيانًا من أين جاءت الفكرة أصلًا. واعتبر أن هذه السمة شكلت جانبًا مهمًّا من شخصيته الفكرية، فهو لم يكن يبحث عن أتباع يرددون ما يقول، بل عن محاورين يستفزون فيه روح المراجعة والتفكير. ومن هذا المنطلق، رأى المحرمي أن خميس العدوي كان ينجح حين يجد من يختلف معه، لأن ذلك يعني أن الفكرة أدت وظيفتها في إثارة العقل، لا في تلقين القارئ أو إملاء الموقف عليه.

مشروع وحدوي

وتوقف المحرمي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  عند البعد الوحدوي في مشروع العدوي، مؤكدًا أنه كان منخرطًا في مشروع الوحدة الإسلامية منذ وقت مبكر، وأنه ارتبط بعلاقات فكرية واسعة مع شخصيات من داخل سلطنة عُمان وخارجها، منها الشيخ محمد علي التسخيري في إيران، بحكم عمله قريبًا من مكتب سماحة المفتي. وأضاف أن هذا المشروع لم يقف عند البعد الديني والطائفي، فقد امتد إلى الفضاء العربي الأوسع، حيث أصبح العدوي عضوًا في المؤتمر القومي العربي، ثم في مجلس أمنائه، وهو ما جعله حاضرًا في دوائر فكرية وقومية ومقاومة على مستوى العالم العربي. وأشار إلى أن رسائل التعزية التي وصلته بعد وفاته من السعودية وفرنسا وغيرها، إضافة إلى الاتصالات الكثيرة، تعكس حجم الفراغ الذي تركه مشروعه الوحدوي، الذي سعى إلى مد الجسور مع المختلف والتعامل معه بسعة صدر، بوصف ذلك امتدادًا لوجه جميل من وجوه الشخصية العُمانية عبر التاريخ.

جوهر العبادة لا شكلها

وفي حديثه عن بعض أطروحات العدوي الفكرية، تناول المحرمي موقفه من العبادات، موضحًا أن الراحل كان يركز على الغاية من العبادة أكثر من انشغاله بتفاصيلها الشكلية. وبيّن أن العدوي كان يرى أن التراث الإسلامي نفسه يؤكد ربط الفرائض بمقاصدها، فالصلاة، مثلًا، غايتها النهي عن الفحشاء والمنكر، والزكاة والصيام والحج كلها ترتبط بوظائف تربوية وروحية واجتماعية. وأضاف أن العدوي كان ينتقد اتجاهًا دعويًّا يبالغ في تضخيم التفاصيل الشكلية، مثل هيئة الوقوف والانحناء وعدد النوافل، على حساب الجوهر والقيمة التي يفترض أن تحدثها العبادة في حياة الإنسان. ومن هنا كان يحذر من تعظيم النوافل على حساب الفرائض، موضحًا أن المطلوب ليس إلغاء النوافل، وإنما ترتيب الهرم القيمي على نحو صحيح، بحيث تبقى الفرائض في القاعدة، وتأتي النوافل في موضعها الذي يعين على الصفاء والقرب، من دون أن تطغى على ما هو أصل. كما شدد المحرمي على أن العدوي لم يكن منكرًا للسنة، لكنه كان يدعو إلى فهمها في ضوء القرآن الكريم، ويرى أن السنة هي ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن بحكمة، وأن الخلل كان في سوء الفهم الذي تعجل في اتهامه بما لم يقل.

عمل جماعي ومشروع مفتوح

وأشار المحرمي إلى أن من المسارات اللافتة في تجربة خميس العدوي إيمانه العميق بـ العمل الثقافي المشترك، موضحًا أن عددًا من كتبه لم تكن أعمالًا فردية بالمعنى التقليدي، فقد كانت له مشاريع حوارية وجماعية شارك فيها أكثر من اسم، وكان هو يتولى جمعها وتحريرها وتقديمها. ورأى أن العدوي كان من أوائل من أدركوا أن العصر لم يعد عصر النجم الواحد، بل عصر تعدد الأصوات، وأن الجيل الجديد لا يكتفي بالاستماع إلى صوت منفرد، وإنما يبحث عن مساحات أرحب للحوار وتبادل الأفكار. وأضاف أن هذا التوجه نفسه جعله يواجه صعوبات، لأن المجال صار أوسع وأقل قابلية للاحتواء داخل القوالب التقليدية، لكن هذا كان جزءًا من قناعته بأن الثقافة لا تُبنى بصوت منفرد، وإنما عبر شبكة من العقول المتحاورة.

رجل مشاريع ثقافية

وعند حديثه عن منجزاته المؤسسية، قال المحرمي إن من أبرز ما يحسب لخميس العدوي مركز الندوة الثقافي، الذي بدأ كمشروع صغير لإقامة مكتبة في الحارة، ثم تطور بجهود شبابية وتضحيات متراكمة حتى تحول إلى مركز ثقافي بارز زاره باحثون ومفكرون من داخل سلطنة عمان وخارجها، كما تشرف بزيارة المقام السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حين كان وزيرًا للتراث والثقافة. وأضاف أن العدوي كان أيضًا من الوجوه التي عملت على إخراج الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء إلى النور، وكان من أعضائها الأوائل، ثم تولى رئاستها، كما شغل لفترات طويلة موقع نائب الرئيس، قبل أن يستقيل لاحقًا إيمانًا بأهمية تداول المواقع. كذلك تولى رئاسة المنتدى الأدبي، وكان، بحسب المحرمي، صاحب دور واضح في إعادة الحيوية والنشاط إليه، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى مواقع استشارية في وزارة الثقافة. ولفت كذلك إلى مساهمته الكبيرة في الموسوعة العُمانية، إذ كان من الذين تولوا تحريرها وصياغة فصول كثيرة منها، حتى تخرج في صورة متماسكة لا يشعر القارئ فيها بتفاوت الأقلام والأساليب.

أديب في قلب المفكر

وتحدث المحرمي عن البعد الأدبي في شخصية خميس العدوي، معتبرًا أنه كان أديبًا بامتياز، وأن عناوين مقالاته نفسها كانت تكشف عن حس أدبي رفيع قادر على التقاط الزاوية الإنسانية والجمالية داخل الأحداث اليومية والسياسية. وقال إن الراحل لم يكن يقرأ الوقائع من زاوية سياسية أو اقتصادية فقط، فقد كان يبحث دائمًا عن البعد الإنساني والوجداني والثقافي فيها، على نحو يجعل القارئ يشعر أن ما يجري في العالم يمسه شخصيًّا. وأشار إلى أن العدوي كتب قراءة نقدية طويلة في ديوان للشاعر والكاتب محمد بن سليمان الحضرمي، وخرجت هذه القراءة في كتاب مستقل، وهو ما يبين حضوره في الحقل الأدبي والنقدي أيضًا. وأضاف أن العدوي كان صاحب لسان متدفق، وأن السفر معه أو الجلوس الطويل إلى جانبه كان يكشف عن غزارة مذهلة في المعاني والكلمات، حتى إن المحرمي شبّه الاستماع إليه بمحاولة الصعود على كتف جبل عملاق.

ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

وفي ختام حديثه، اعتبر المحرمي أن أفضل ما يمكن أن يقدمه محبو خميس العدوي ومريدوه لفكره بعد رحيله هو أن يواصلوا التدفق الذي بدأه؛ التدفق في الفكر، وفي القراءة، وفي طلب العلم، وفي اتساع الصدر للمختلف، وفي مد الجسور بدل بناء الحواجز. وقال إن العدوي لم يكن يريد من الناس جزاء ولا شكورًا، وكل ما كان يريده أن يستمر النهر في شق مجراه. وأضاف أن الكلمة التي كان سيقولها له لو أتيح له الوقت هي كلمة واحدة تتكرر ثلاث مرات: شكرًا، شكرًا، شكرًا، لأنه، بحسب وصفه، لولا ذلك اللقاء المبكر في سنوات الشباب، لربما مضى في مسار مختلف تمامًا، لكن خميس العدوي كان أحد الذين هذبوا هذا المسار وأثروا فيه بعمق.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو