فاطمة الشبيبي لـ«الوصال»: تصميم الأزياء قوة اقتصادية وهوية ثقافية.. والخريجات يحتجن إلى تدريب وفرص مهنية حقيقية
منتدى الوصال
الوصال ـ ترى فاطمة بنت جميل الشبيبي، مصممة أزياء وصاحبة مشروع، أن تصميم الأزياء لا يقتصر على الرسم واختيار الألوان والأقمشة، وإنما يمثل تخصصًا أكاديميًا ومهنيًا يرتبط بالاقتصاد والهوية والثقافة والصناعات الإبداعية، مؤكدة أن النظر إلى المصمم باعتباره «خياطًا» لا يعكس طبيعة هذا المجال ولا حجم العلوم والمهارات التي يتطلبها.
وأوضحت خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال أنها اختارت دراسة تصميم الأزياء عن رغبة وشغف، وتخرجت في الكلية العلمية للتصميم عام 2014، مشيرة إلى أن اهتمامها منذ مراحل مبكرة كان يتجه إلى كل ما يرتبط بالابتكار والتصنيع والإبداع، إلى جانب شغفها بالقراءة.
وأضافت أنها عند التحاقها بالتخصص كانت تتصور أن الدراسة ستتركز على الرسم والتلوين، قبل أن تكتشف منذ الأسبوع التعريفي أن الخياطة والتطبيق العملي جزء أساسي من إعداد المصمم. وبيّنت أن البرنامج الأكاديمي كان أعمق بكثير مما كانت تتوقع، إذ درست مواد من بينها تشريح الجسم والمنظور الهندسي والأبعاد، إلى جانب الجوانب العملية والنظرية المرتبطة بالتصميم، مؤكدة أن الرسم لا يمثل سوى جزء محدود من التخصص.
قوة ناعمة
ووصفت الشبيبي تصميم الأزياء بأنه عالم تتداخل فيه تخصصات وعلوم متعددة، فضلًا عن كونه أحد أشكال «القوة الناعمة» القادرة على التأثير بصورة غير مباشرة في المجتمعات، سواء من خلال صناعة الأفلام أو الإعلام أو تشكيل الصورة الثقافية للدول. ورأت أن القيمة الحقيقية للمجال تتجاوز صناعة قطعة ملابس إلى توظيف التصميم في التعبير عن المجتمع وهويته وثقافته، وهو ما يجعل الاستثمار فيه جزءًا من الاستثمار في الصناعات الإبداعية.
تحدي المسمى
وكشفت الشبيبي أن أحد أكبر التحديات التي واجهتها عند بدء مشروعها، بعد عامين من التخرج، تمثل في عدم تمكنها من تسجيل نشاطها تحت مسمى «تصميم الأزياء» وفق الإجراءات المتاحة آنذاك. وأفادت بأنها فوجئت بطلب استخدام مسميات ترتبط بخياطة الملابس العربية وغير العربية أو التطريز بدلًا من المسمى الذي يعكس مؤهلها الأكاديمي، رغم حصولها على درجة البكالوريوس في التخصص.
وأشارت إلى أنها ناقشت الأمر مع عدد من الجهات، مطالبة بوجود مسميات مهنية أكثر دقة تعترف بالتخصص الأكاديمي وتفرق بين المصمم والخياط والحرفي، معتبرة أن وضوح التصنيف المهني مهم لخريجي الجامعات والكليات الراغبين في تأسيس مشروعاتهم.
فجوة التدريب
وتطرقت الشبيبي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» إلى صعوبة أخرى واجهتها بعد الدراسة، تمثلت في محدودية فرص التدريب الميداني المتخصص. وذكرت أنها لم تجد خلال فترة دراستها جهة قادرة على تدريبها بما يتناسب مع المحتوى العلمي الذي تلقته، موضحة أن الخبرة العملية مهمة ومكملة للدراسة، لكن التدريب ينبغي أن يقدم قيمة إضافية للخريج بدلًا من الاكتفاء باستغلال قدراته في تنفيذ تصاميم لصالح جهة التدريب.
ولفتت إلى أن الصعوبة في العثور على بيئة تدريب مناسبة أدت في تجربتها الأكاديمية إلى استبدال مادة التدريب الميداني بمادة دراسية أخرى، وهو ما يعكس -بحسب تجربتها- الفجوة التي كانت قائمة بين الدراسة والسوق.
تصميم الزي العسكري
واستعرضت الشبيبي جانبًا من تجربتها المهنية في تصميم أزياء لمنتسبات الموسيقى في البحرية السلطانية العُمانية، موضحة أن المشروع بدأ من مشكلة عملية مرتبطة بملاءمة الزي للظروف المناخية المختلفة. وأفادت بأن بعض العازفات كن يواجهن صعوبة في الأداء أثناء المشاركات الخارجية بسبب البرودة أو الحرارة، ما استدعى دراسة احتياجاتهن واختيار خامات وبطانات أكثر ملاءمة.
وبيّنت أنها جلست مع المعنيات واستمعت إلى ملاحظاتهن قبل تطوير التصاميم، ثم أعدت 6 مقترحات جرى اختيار تصميمين منها. وأوضحت أنها أجرت تعديلات على نوعية البطانة الداخلية لتوفير قدر أكبر من الراحة، مشيرة إلى أن المشروع حظي بقبول المستفيدات، وأسندت إليها لاحقًا أعمال أخرى بصورة مباشرة.
وذكرت أن إحدى المشاركات تلقت إشادة بالزي خلال مناسبة جمعت جهات موسيقية عسكرية مختلفة، وهو ما اعتبرته دلالة على قدرة المصمم العُماني المتخصص على تقديم حلول عملية تتجاوز الجانب الجمالي إلى الراحة والوظيفة والهوية.
قوة اقتصادية
وأكدت الشبيبي أن تصميم الأزياء يمثل «قوة اقتصادية»، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره نشاطًا هامشيًا أو محدود الأثر. وأوضحت أن خريجات الجامعات والكليات في هذا المجال يحتجن إلى مسارات تدريب حقيقية تساعدهن على فهم السوق قبل الانطلاق فيه، مشيرة إلى أنها أعدت حقيبة تدريبية متكاملة لتأهيل خريجات تصميم الأزياء والمهتمات بالمجال.
وأضافت أن الحقيبة أصبحت جاهزة للتطبيق، لكنها تحتاج إلى شريك وتمويل مؤسسي لتوسيع نطاق الاستفادة منها وتمكين الخريجات من الانتقال بصورة أكثر سلاسة من الدراسة إلى سوق العمل.
الحرف والموضة
ودعت فاطمة الشبيبي إلى إيجاد برامج تجمع مصممات الأزياء بالحرفيات العُمانيات، بما يسمح بتطوير منتجات تجمع التصميم المعاصر بالمهارات الحرفية التقليدية. وأشارت إلى أن سلطنة عُمان تمتلك تنوعًا واسعًا في الصناعات والحرف اليدوية يمكن توظيفه في تصميم قطع ذات قيمة وهوية، بدلًا من التعامل مع عناصر التراث بوصفها إضافات شكلية سريعة مرتبطة بالموضة الموسمية.
وانتقدت بعض الممارسات التي تقوم على اقتطاع عناصر من الملابس التقليدية وإضافتها إلى العباءات بصورة لا تراعي أصلها أو دلالتها، ووصفت ذلك بأنه «تشويه بصري للهوية». ورأت أن الطريق الأفضل يتمثل في تدريب المصممات والحرفيات على العمل المشترك، بحيث يضع المصمم الفكرة والهوية البصرية وتنفذ الحرفية التفاصيل اليدوية بإتقان، ما يفتح الباب أمام منتجات عُمانية ذات قيمة أعلى.
واقع الخريجات
وقالت روان بنت خميس الداودي، خريجة تصميم أزياء تحت التدريب لدى الشبيبي، التي أشارت خلال مداخلتها في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن أبرز التحديات التي تواجه خريجي التخصص تتمثل في النظرة المجتمعية المحدودة إليه، وقلة الفرص الوظيفية، وضعف الدعم الموجه للمصممين الشباب.
ولفتت روان الداودي إلى أن بعض أفراد المجتمع لا يزالون ينظرون إلى تصميم الأزياء باعتباره تخصصًا غير واضح المستقبل، في حين أن المصمم يؤدي دورًا يتجاوز رسم الأزياء إلى نقل رسالة وهوية من خلال القطعة التي يقدمها. وأضافت أن المسارات الوظيفية المتاحة لا تزال تتركز بصورة أكبر في القطاع الخاص أو العمل مساعدين لدى مصممين آخرين، داعية إلى توسيع الفرص أمام خريجي هذا المجال.
تدريب الخريجات
وأوضحت فاطمة الشبيبي أنها تدرب حاليًا 5 فتيات، من بينهن خريجة تحمل شهادة في تصميم الأزياء لكنها اختارت الالتحاق بالتدريب لاكتساب خبرة مختلفة عما حصلت عليه سابقًا.
ولفتت إلى أن التدريب يكشف أحيانًا عن فجوة بين ما يدرسه الطالب أكاديميًا وما يحتاجه السوق عمليًا، موضحة أنها تعمل مع المتدربات على تبسيط الأفكار وفهم احتياجات المستهلك وتطوير القدرة على تحويل التصميم إلى منتج قابل للتنفيذ. وأكدت أن البساطة قد تكون أكثر قدرة على إظهار جمال التصميم من المبالغة والتعقيد، مشيرة إلى أن التدريب الميداني الحقيقي يساعد المصمم على اكتساب هذه المهارة تدريجيًا.
قطع محدودة
وعن فلسفتها في العمل، أفادت الشبيبي بأنها تفضل إنتاج القطع المحدودة والنادرة على الإنتاج الكبير والمتكرر، موضحة أنها قد تطرح 10 قطع فقط من التصميم ثم توقف إنتاجه. وأشارت إلى أن هذا النهج يرتبط باهتمامها بالجودة والتفاصيل الداخلية ونوعية الأقمشة، وليس فقط بالشكل الخارجي للقطعة.
وبيّنت أنها لا تسعى إلى إنتاج أعداد ضخمة من التصميم نفسه، لأنها تنظر إلى التصميم باعتباره منتجًا يحمل خصوصية وقيمة إبداعية، وليس مجرد سلعة قابلة للتكرار بلا حدود.
فرص حكومية
ورأت الشبيبي أن فرص عمل مصممي الأزياء لا ينبغي حصرها في المحلات والمشاغل والعباءات، لافتة إلى أن تخصصهم يمكن أن يخدم عددًا واسعًا من المؤسسات والقطاعات. وذكرت من بينها قطاعات السياحة والتراث والثقافة والجهات العسكرية والإعلام، نظرًا لارتباط هذه القطاعات بالزي والهوية والصورة التي تقدمها سلطنة عُمان داخليًا وخارجيًا.
وأوضحت أن المؤسسات الإعلامية، على سبيل المثال، تحتاج إلى فهم دور المظهر والملابس في بناء الهوية البصرية للمذيع والبرنامج، بحيث يتناسب الزي مع طبيعة المناسبة والجمهور والرسالة الإعلامية. ونبّهت إلى أن دعم المشروعات المحلية لا ينبغي أن يتم على حساب الهوية، مؤكدة أهمية اختيار تصاميم تعكس الثقافة العُمانية بصورة لائقة ومتوازنة، خاصة عند الظهور في المناسبات الوطنية والمنصات التي تخاطب شرائح واسعة من المجتمع.
صناعة وهوية
وخلصت الشبيبي إلى أن مستقبل تصميم الأزياء في سلطنة عُمان يحتاج إلى تغيير النظرة المجتمعية والمهنية تجاه التخصص، وتوسيع فرص التدريب والعمل، وربط المصممين بالقطاعات الحكومية والخاصة والحرفيين. وأكدت أن المصمم المتخصص يستطيع الإسهام في تطوير الزي المؤسسي، ودعم الصناعات الحرفية، وصناعة منتجات تحمل الهوية العُمانية، فضلًا عن خلق قيمة اقتصادية ومشروعات قابلة للنمو. وشددت على أن تصميم الأزياء ليس مجرد ألوان وأقمشة، وإنما مجال يجمع بين العلم والابتكار والصناعة والاقتصاد والثقافة، ويحتاج إلى منظومة تدرك قيمته وتمنح خريجيه مساحة أوسع لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى مشروعات وفرص حقيقية.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


