الوصال ـ تناول خلفان الطوقي، الإعلامي المهتم بالشأن الاقتصادي، تطور ملف المحتوى المحلي في سلطنة عُمان، موضحًا أن التجربة بدأت بصورة أكثر وضوحًا منذ عام 2010 مع شركة تنمية نفط عُمان «PDO»، التي عملت على نشر الوعي بالمحتوى المحلي، وتطوير تشريعاتها الداخلية، والتواصل مع المورّدين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب رفع وعي أقسام المشتريات بأهمية الاعتماد على السلع والخدمات المحلية.

وأشار خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، إلى أن التجربة تطورت عامًا بعد عام، واكتسبت قدرًا أكبر من الخبرة والنضج، قبل أن تنتقل إلى مستوى مؤسسي أوسع مع هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي، مؤكدًا أن إدراج المحتوى المحلي ضمن اسم الهيئة يعكس الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها هذا الملف في السياسات الاقتصادية لحكومة سلطنة عُمان.

وأوضح أن جهاز الاستثمار العُماني أسهم بدوره في تطوير المحتوى المحلي من خلال القائمة الإلزامية، التي تنص على تقديم عدد من السلع والخدمات من داخل سلطنة عُمان ومن خلال شركات قائمة فيها، حتى عندما يكون المورّد غير عُماني، لافتًا إلى أن هذه القائمة توسعت وتطورت تدريجيًّا وأصبح أثرها الاقتصادي أكثر وضوحًا.

ولفت إلى وجود مبادرات نوعية أخرى تستحق الدراسة والتوسع، من بينها مبادرة «وطّنها» التي نفذتها شركة فولتامب للطاقة، ومبادرة «لدائن» التابعة لمجموعة أوكيو، موضحًا أن هذه التجارب تمثل نماذج عملية يمكن أن تستفيد منها المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى في دعم الصناعات المحلية وتطوير سلاسل الإمداد.

مرحلة أعلى

وبيّن خلفان الطوقي أن منظومة المحتوى المحلي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، نظرًا إلى ارتباطها باتفاقيات التجارة الحرة والمنظمات الدولية والمواصفات والمقاييس والتعرفة الجمركية وحركة دخول السلع، إلى جانب ضرورة المحافظة على الأسعار وجودة المنتجات ورضا المستهلكين.

وأكد أن تعقّد المنظومة لا ينبغي أن يوقف الانتقال بها إلى مستويات أعلى، داعيًا إلى زيادة حجم الصناعات والسلع والخدمات العُمانية عامًا بعد عام، وتوظيف مختلف السياسات الاقتصادية والتنظيمية لخدمة الأولويات الوطنية. وأشار إلى أن سلطنة عُمان ترتبط بسلاسل إمداد دولية وتتأثر بالأزمات العالمية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى رفع معدلات التوظيف المحلي وتنشيط الدورة الاقتصادية وجذب المستثمرين المحليين والأجانب، ما يجعل تطوير المحتوى المحلي ضرورة اقتصادية تتطلب التقدم بصورة مرحلية ومستمرة.

وأضاف أن التحديات التي تواجه المحتوى المحلي تقابلها فرص كبيرة يمكن استثمارها من الداخل، خصوصًا من خلال تشجيع الشركات الكبرى على التعرف إلى احتياجاتها من المواد والمنتجات الجزئية والعمل على تصنيعها محليًّا. وتطرق إلى تجربة مبادرتي «وطّنها» و«لدائن»، موضحًا أنهما قامتا على التعاون مع المنطقة الحرة وميناء صحار لتحديد السلع التي تحتاج إليها الصناعات الكبرى، وتشجيع المستثمرين المحليين على تصنيعها، مع توفير عقود شراء مضمونة وطويلة الأمد.

وأكد أن العقود طويلة الأمد تمنح المستثمر والمصنّع المحلي الثقة اللازمة لإنشاء خطوط إنتاج جديدة، لأنها تضمن وجود مشترٍ للمنتج وتقلل من المخاطر المرتبطة بالدخول في صناعات جديدة.

سلاسل محلية

وأوضح الطوقي أن الصناعات الكبرى تعتمد على عدد واسع من المواد والمنتجات الجزئية التي تأتي من سلاسل إمداد متعددة، مشيرًا إلى أن شركة أوكيو درست المنتجات التي يمكن تصنيعها داخل سلطنة عُمان بدلًا من استيرادها من الخارج. وأضاف أن الهدف لا يقتصر على أن تكون الشركة الكبرى عُمانية، وإنما أن تسهم كذلك في تمكين مصانع محلية أخرى من تزويدها بمكونات تدخل في المنتج النهائي، بما يوسع الأثر الاقتصادي للصناعة الواحدة.

ولفت إلى أن شركة فولتامب سارت في الاتجاه نفسه، من خلال تحليل سلاسل الإمداد والبحث عن فرص لتصنيع المنتجات الجزئية محليًّا، بصورة تدريجية ترفع نسبة المكوّن العُماني في منتجاتها. وضرب مثالًا بصناعة السيارات العالمية، موضحًا أن المنتج النهائي قد يخرج من مصنع واحد، إلا أنه يتكون من مئات الأجزاء التي تنتجها مصانع صغيرة ومتوسطة، ما يؤدي إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول منتج واحد.

وأشار إلى أن مصنعًا عالميًّا مثل تويوتا يعتمد على مئات المصانع التي تزوده بالمكونات، وغالبية هذه السلاسل تتركز داخل اليابان، مع الاستعانة ببعض المكونات من الخارج، مؤكدًا أن هذا النموذج يمكن الاستفادة منه في سلطنة عُمان بحسب طبيعة القطاعات والإمكانات المتاحة. ودعا الحكومة إلى دراسة هذه النماذج وتشجيع المصانع المستقلة، والشركات التابعة لجهاز الاستثمار العُماني، والشركات المساهمة العامة على تطبيقها، بما يؤدي إلى تكرار قصص النجاح وبناء صناعات مساندة حول الشركات الكبرى.

كما دعا هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي إلى دراسة تجارب الشركات التي نجحت في توطين سلاسل الإمداد، وتقديم الأفضلية والتسهيلات لها، بما يساعد على توسيع الاعتماد على المنتجات والخدمات المحلية. وأكد في الوقت نفسه أن الحديث عن المحتوى المحلي لا يعني أن تصبح جميع مكونات الصناعة من داخل سلطنة عُمان، موضحًا أن الهدف الواقعي يتمثل في «تعظيم ما يمكن إنتاجه محليًّا» والاستعانة بالخارج في المكونات التي لا تتوافر إمكانية تصنيعها في الوقت الراهن.

لا هيئة جديدة

ورأى الطوقي أن سلطنة عُمان لا تحتاج إلى إنشاء هيئة جديدة للمحتوى المحلي، لوجود هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي التي تؤدي أدوارًا متنامية وتتطور بصورة مستمرة. وأشار إلى أن رحلة تطوير المحتوى المحلي طويلة ومعقدة، وتتداخل فيها مصالح متعددة، ما يجعل التقدم فيها غير سهل، إلا أنه أكد ضرورة الاستمرار في إزالة التحديات والانتقال من مرحلة إلى أخرى.

ودعا إلى الاستفادة من تجارب الدول المجاورة والدول الأخرى التي قطعت مراحل متقدمة في توطين الصناعات، مع مراعاة خصوصية السوق العُماني واحتياجاته. وأوضح أن مبادرتي «وطّنها» و«لدائن» تمثلان قصتي نجاح يمكن تكرارهما، داعيًا الهيئة إلى التواصل مع القائمين عليهما ودراسة آليات تطبيق التجربة في مصانع وشركات أخرى. وأكد أن المبادرات الناجحة تحتاج إلى دعم عملي، وليس مجرد تغطية إعلامية، من خلال منحها وزنًا إضافيًّا في المناقصات وتسهيلات وحوافز وإعفاءات ضريبية مدروسة.

وأشار إلى أن الهدف من هذه الحوافز لا يقتصر على خفض الالتزامات المالية عن الشركات، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحقيق أثر اقتصادي أوسع يتمثل في زيادة التوظيف والتدريب وتحريك الدورة الاقتصادية وتوسيع مساهمة القطاع الخاص.

شراكة حقيقية

وأوضح الطوقي أن الحكومة لا تستطيع بمفردها معالجة تحديات التوظيف والتأهيل وتطوير الصناعات، مؤكدًا أن الحل يتطلب شراكة حقيقية وعملية مع القطاع الخاص في الميدان. وأضاف أن نجاح المحتوى المحلي يعتمد على جمع احتياجات الشركات الكبرى مع قدرات المصانع المحلية، وفتح حوار مباشر بين أصحاب المصانع وملاك الشركات لتحديد المنتجات والمكونات التي يمكن تصنيعها داخل سلطنة عُمان.

وأكد أن المحتوى المحلي ينبغي أن ينتقل من مجرد سياسة للشراء إلى محرك للتنمية الاقتصادية، يقوم على العقود طويلة الأمد وتوطين الصناعات وإيجاد فرص العمل وتعظيم القيمة المحلية المضافة. وختم خلفان الطوقي حديثه بالتأكيد على أن المطلوب هو البناء على التجارب الناجحة وتكرارها، وربط الشركات الكبرى بالمصانع المحلية، وتقديم الحوافز التي تجعل الاستثمار في المنتجات العُمانية خيارًا اقتصاديًّا مستدامًا، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويرفع قوة الدورة الاقتصادية داخل سلطنة عُمان.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو