خلفان الطوقي لـ«الوصال»: التركيبة السكانية ليست أرقامًا فقط والقرار الصحيح يبدأ من تحديد من نحتاجه فعلًا لخدمة مستقبل عُمان
ساعة الظهيرة
الوصال ــ تناول خلفان الطوقي، الإعلامي المختص بالشأن الاقتصادي، ملف التركيبة السكانية بوصفه أحد أهم الملفات الاستراتيجية التي ينبغي أن تبقى حاضرة في ذهن متخذي القرار، نظرًا لارتباطها المباشر بالأبعاد الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والتنموية. وقال خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» إن هذا الملف لا يخص جهة بعينها، وإنما يمس مختلف الجهات الحكومية، لأنه يقدم مؤشرات مبكرة عن المستقبل، ويساعد على التخطيط الأدق وتخفيف الصدمات المحتملة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو تنموية.
ملف يمس كل القطاعات
وأشار الطوقي إلى أن أهمية التركيبة السكانية تنبع من كونها أداة لفهم المستقبل، إذ كلما جرى تحليل الأرقام بصورة دقيقة، أمكن صياغة قرارات أكثر دقة في مجالات الخدمات والتخطيط المالي والاستثماري والتنموي. وأضاف أن وجود قراءة مبكرة لهذا الملف يتيح للدولة معرفة الفئات المستهدفة بالخدمات والسياسات، ويجعل التخطيط قائمًا على معرفة واضحة لا على ردود فعل متأخرة.
التحدي ليس في الرقم وحده
وأوضح الطوقي أن الحديث عن النسب السكانية بين المواطنين والوافدين لا ينبغي أن يظل محصورًا في أرقام مجردة، لأن الأهم من الرقم نفسه هو تفسيره وتحديد دوافعه وآثاره. وأضاف أن القول مثلًا إن النسبة المناسبة هي خمسون بالمائة للمواطنين وخمسون بالمائة للوافدين، أو ستون وأربعون، لا يكفي وحده، ما لم يسبقه تحليل علمي يوضح لماذا اختيرت هذه النسبة، وما الذي تحتاجه سلطنة عُمان فعلًا من هذه التركيبة، وكيف يمكن أن تخدم الاقتصاد والمجتمع والتنمية بصورة متوازنة.
وأكد أن التحولات الديموغرافية في العالم تحدث بوتيرة متسارعة، وهو ما يستدعي من صناع القرار في سلطنة عُمان قراءة هذا الملف بعناية، وتفصيل الحقائق والأرقام، ووضع سياسات تستند إلى فهم عميق للمستقبل. وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الوافد أو المستثمر أو المقيم في حد ذاته، وإنما في نوعية القيمة التي يضيفها هذا الحضور إلى الاقتصاد الوطني، ومدى اتساقه مع الاحتياجات الفعلية للبلاد.
القيمة المضافة هي المعيار
ولفت الطوقي إلى أن سلطنة عُمان لا ينبغي أن تتعامل مع ملف التركيبة السكانية من زاوية التخوف المجرد، وإنما من زاوية المصلحة الوطنية الواضحة. وأضاف أن الوافد أو المستثمر أو المقيم حين يكون قيمة مضافة حقيقية، من حيث الخبرة أو الاستثمار أو نقل المعرفة أو دعم القطاعات الحيوية، فإنه يصبح عنصرًا مساعدًا للتنمية، أما إذا تحول إلى عبء أو دخل إلى السوق من دون حاجة فعلية أو من دون كفاءة واضحة، فإن أثره قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد والخدمات وسوق العمل والتخطيط طويل المدى.
وأشار إلى أن المطلوب هو تحديد من تحتاجه سلطنة عُمان فعلًا من الموارد البشرية الأجنبية، وما نوعية المهن والتخصصات التي ينبغي استقطابها، بحيث تكون قادرة على خدمة الاقتصاد الوطني، ودعم الشباب العُماني، وفتح آفاق أوسع للتطور والإنتاجية، بدل أن تتحول إلى عنصر منافسة سلبية أو عبء إضافي على المنظومة الاقتصادية والاجتماعية.
مواءمة التعليم مع الاقتصاد
وفي حديثه عن العلاقة بين التركيبة السكانية ومخرجات التعليم وسوق العمل، أوضح الطوقي أن فصل ما تحتاجه سلطنة عُمان للمستقبل سيجعل من الممكن مواءمة السياسات التعليمية والتشغيلية مع الاحتياجات الاقتصادية الحقيقية. وأضاف أن استقطاب الكفاءات الأجنبية الصحيحة لا يكون على حساب المواطن، وإنما قد يصب في مصلحته إذا كان هذا الاستقطاب قائمًا على جلب خبرات متميزة تساعد على رفع الإنتاجية ونقل المعرفة وفتح مجالات جديدة للتدريب والعمل.
وبيّن أن وجود وافد مختص وفاعل قد يساعد الشباب العُماني على اكتساب خبرات جديدة، والدخول في شبكات مهنية أوسع، كما حدث في بعض التجارب العملية التي أشار إليها، حين استطاع مختص أجنبي أن يفتح آفاقًا جديدة لموظفين عُمانيين عبر ربطهم بجهات مهنية دولية، ما انعكس على قدراتهم وتطورهم المهني. وأضاف أن هذا النوع من الاستقطاب يصب في صالح البلاد والمواطنين، على خلاف الاستقدام غير المدروس الذي لا يقدم قيمة حقيقية.
ليس الهدف مجرد زيادة عدد السكان
وأكد الطوقي أنه لا يرى جدوى في استعجال الوصول إلى أرقام سكانية كبيرة لمجرد تضخم العدد، إذا لم يقترن ذلك بفهم واضح لنوعية الأشخاص الذين تستقبلهم البلاد، وما إذا كانوا يمثلون إضافة حقيقية أم عبئًا جديدًا. وأضاف أن الوصول إلى عشرة ملايين نسمة مثلًا لا ينبغي أن يكون هدفًا بحد ذاته، ما لم يكن قائمًا على رؤية واضحة لطبيعة هذه الزيادة، والقطاعات التي تحتاجها، وأثرها على الهوية الوطنية والاستدامة الاقتصادية والخدمات العامة.
وأشار إلى أن تضخم الأرقام من دون تخطيط قد يحوّل المعادلة من فرصة إلى عبء، ولذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لصياغة سياسات نوعية تحدد من تستقطبهم سلطنة عُمان، ولماذا، وبأي شروط، وبأي أثر متوقع على المدى الطويل، لا أن يكون القرار محكومًا بردود فعل شعبوية أو أهداف رقمية مجردة.
الاستفادة من التجارب العالمية
وتحدث الطوقي عن التحولات العالمية في الهجرة والانتقال البشري، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الدول الأوروبية والغربية بدأت تشهد تحولات في سياساتها السكانية والهجرية، في وقت تتجه فيه الأنظار أكثر نحو منطقة الخليج والشرق الأوسط. وأضاف أن سلطنة عُمان تمتلك عددًا من العوامل الجاذبة، من بينها الأمن، وتكلفة المعيشة، وبعض الخدمات الحكومية المدعومة، وهي عوامل يمكن البناء عليها بذكاء، لكن مع ضرورة عدم تقليد تجارب الآخرين بصورة عمياء.
وأكد أن المطلوب هو الاستفادة من التجارب الناجحة في الخليج وخارجه، مع إعادة توظيفها بما يناسب الواقع العُماني وخصوصيته، بحيث يؤخذ من كل تجربة ما يحقق المصلحة الوطنية، من دون نسخ كامل لنماذج قد لا تنسجم مع طبيعة المجتمع والاقتصاد المحليين. وأضاف أن هذا الوعي هو الذي يحول الملف السكاني من تحدٍ محتمل إلى فرصة تنموية واقتصادية مدروسة.
دعوة إلى رؤية أشمل
وختم خلفان الطوقي حديثه بالتأكيد على أن هذا الملف يحتاج إلى خبراء وتحليل علمي ورؤية شاملة من منظور الاقتصاد الكلي، مشددًا على أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الاقتصادية العليا، مثل مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، واللجنة الوزارية الاقتصادية والمالية، ومجلس التنسيق الاقتصادي، في مساعدة متخذي القرار على بلورة سياسات دقيقة تضمن لعُمان التنمية والاستدامة وتقليل التشوهات الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن سلطنة عُمان بحاجة إلى رؤية واضحة تحدد ما الذي تريده من تركيبتها السكانية في المستقبل، وكيف يمكن أن تجعل من هذه التركيبة فرصة تخدم الاقتصاد وتحافظ على الهوية وتعزز التنمية، بحيث تكون كل نسبة وكل قرار مبنيين على فهم علمي دقيق، وعلى مصلحة وطنية واضحة المعالم.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


