الوصال ـ أكدت سارة بنت ناصر الجعفري، عضوة الجمعية التاريخية العُمانية، أن زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المتحدة تمثل أرفع درجات الزيارات في البروتوكول البريطاني، ولا تتم إلا بدعوة شخصية من الملك، مشيرة إلى أن اختيار جلالته لهذه الزيارة يحمل دلالة واضحة على المكانة التي تحظى بها سلطنة عُمان لدى لندن باعتبارها شريكًا موثوقًا.

وقالت الجعفري خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، إن هذا النوع من الزيارات لا يحظى به إلا عدد محدود من رؤساء الدول، ما يمنحه بعدًا سياسيًا ودبلوماسيًا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ويعكس مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات العُمانية البريطانية.

وأوضحت أن جذور هذه العلاقات تعود إلى ما قبل قيام الدولة البوسعيدية، إذ بدأت إحدى محطاتها المهمة في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام 1646، عندما أبرم اتفاقًا مع شركة الهند الشرقية الإنجليزية، حصل بموجبه التجار الإنجليز على امتيازات تجارية في صحار. وأضافت أن العلاقة دخلت مرحلة أكثر وضوحًا مع قيام الدولة البوسعيدية، حيث وقعت في عهد السيد سلطان بن أحمد اتفاقية عام 1798، أعقبتها اتفاقية أخرى عام 1800، وكان لهذه الاتفاقيات دور في ترسيخ الصلة السياسية والتجارية بين الجانبين، إلى جانب وجود مقيم بريطاني في مسقط.

محطات رسخت الشراكة

وتطرقت الجعفري إلى عهد السلطان سعيد بن سلطان، مشيرة إلى أن سلطنة عُمان كانت آنذاك قوة بحرية بارزة في الخليج، وشهدت تلك المرحلة توقيع معاهدة تجارة عام 1839، ثم معاهدة الصداقة والتجارة والملاحة عام 1891. وأشارت إلى أن عام 1951 شهد توقيع اتفاقية في عهد السلطان سعيد بن تيمور، أسهمت ـ وفق ما أوضحته ـ في تأكيد استقلال سلطنة عُمان وسيادتها.

وبيّنت أن العلاقات أخذت بعدًا مختلفًا بعد عام 1970، إذ انتقلت إلى مرحلة تقوم بصورة أكبر على المصالح المتبادلة وتبادل الزيارات الرفيعة، مستشهدة بزيارتي الملكة إليزابيث الثانية إلى سلطنة عُمان عامي 1979 و2010. وأضافت أن هذا المسار امتد إلى مجالات التعاون الدفاعي، ومن بينها اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 2019، معتبرة أن التراكم التاريخي الطويل منح العلاقة الحالية قدرًا كبيرًا من الثقة والاستقرار، وجعل الحوار بين البلدين أكثر سهولة في مختلف الملفات.

42 مليار دولار استثمارات بريطانية

وحول البعد الاقتصادي، قالت الجعفري إن الزيارة تفتح آفاقًا أوسع للتعاون في مجالات تتقاطع مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، وفي مقدمتها الاستثمار والطاقة والتجارة والتعليم. وأشارت إلى أن المملكة المتحدة تعد من أكبر المستثمرين الأجانب في سلطنة عُمان، موضحة أن حجم استثماراتها بلغ ـ بحسب ما ذكرته ـ قرابة 42 مليار دولار في عام 2025، مع حضور بارز في قطاع النفط والغاز. وأضافت أن المرحلة المقبلة تتيح نقل جانب من هذا الحضور إلى مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، خاصة أن سلطنة عُمان تراهن على هذه القطاعات ضمن مساعيها لتنويع الاقتصاد.

الدقم أمام فرص جديدة

ولفتت الجعفري إلى أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم يمكن أن تستقطب مزيدًا من الشركات البريطانية، خصوصًا في الصناعات اللوجستية وبناء السفن، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للمنطقة ووجود قاعدة الدعم اللوجستي البريطانية المشتركة في الدقم. وأوضحت أن فرص التعاون لا تقتصر على قطاع واحد، وإنما تمتد إلى قطاعات يمكن أن تستفيد من الخبرة البريطانية وتتكامل مع الأولويات الاقتصادية لسلطنة عُمان خلال المرحلة المقبلة.

دفع محتمل للتجارة الحرة

وتحدثت الجعفري عن المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون، معتبرة أن الزيارة قد تمنح هذه المفاوضات دفعًا سياسيًا مهمًا. وأضافت أن الوصول إلى اتفاق يمكن أن يفتح فرصًا أفضل أمام الصادرات العُمانية غير النفطية للدخول إلى السوق البريطانية بشروط أكثر تنافسية، ويوسع قنوات التبادل التجاري بين الجانبين.

التعليم من أعمق مجالات الشراكة

وأكدت أن التعليم يمثل أحد أكثر مجالات التعاون رسوخًا بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، في ظل تخرج آلاف العُمانيين من الجامعات البريطانية، وارتباط عدد من مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان باتفاقيات اعتماد أكاديمي مع جامعات بريطانية. وأشارت إلى أن هذا الإرث يهيئ المجال لتوسيع الشراكة في البحث العلمي والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بما يتجاوز النموذج التقليدي للتعاون الأكاديمي.

الأثر يتجاوز الأرقام

ورأت الجعفري أن الأثر المتوقع من العلاقات العُمانية البريطانية يتجاوز الأرقام والمؤشرات الاقتصادية المباشرة، ليشمل نقل المعرفة والخبرات وتوفير فرص عمل للشباب العُماني. وأضافت أن تعميق هذه الشراكة يمكن أن يسهم في ترسيخ موقع سلطنة عُمان كمركز اقتصادي ولوجستي يربط الخليج بالمحيط الهندي، مستفيدًا من موقعها الجغرافي وموانئها ومناطقها الاقتصادية.

وأكدت أن التاريخ الطويل للعلاقات بين البلدين لم يبق في إطار الإرث السياسي والدبلوماسي فقط، وإنما وفر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير مجالات تعاون جديدة ترتبط بأولويات الاقتصاد والتقنية والمعرفة في المرحلة المقبلة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو