الوصال ــ أكد سعادة سلطان الحوسني، نائب رئيس لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى، أن ملف الباحثين عن عمل لم يعد مجرد ملف عابر يمكن التعامل معه بإجراءات جزئية أو حلول مؤقتة، وإنما هو قضية وطن تستدعي رؤية واضحة وطويلة المدى، تقوم على التكامل بين التعليم وسوق العمل والاقتصاد والاستثمار والتشريعات، وتبتعد عن المعالجات الارتجالية التي لا تنهي التحدي من جذوره. وأوضح خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن المجلس يتابع هذا الموضوع باستمرار، مثلما تتابعه وسائل الإعلام والمجتمع، غير أن المطلوب اليوم لم يعد فقط متابعة الأرقام والإعلانات، وإنما الانتقال إلى مرحلة أوضح في بناء الحلول العملية المستدامة.

قضية وطن

وأشار الحوسني إلى أن توصيف ملف الباحثين عن عمل بوصفه «قضية» هو الأقرب إلى الواقع، لأن المسألة لا ترتبط فقط بفرص عمل تعلن بين حين وآخر، وإنما بمسار متراكم يمس شريحة واسعة من الخريجين والخريجات، ويتجدد سنويًّا مع مخرجات التعليم العام ومؤسسات التعليم العالي، إلى جانب ما يطرأ من حالات تسريح أو توقف عن العمل تزيد من حجم التحدي. وأضاف أن ما يطرح حتى الآن من حلول لا يمكن وصفه بأنه حلول طويلة المدى ذات مستهدفات واضحة ومعلنة، بقدر ما هو استجابات جزئية لا تزال تدور في الإطار ذاته من دون حسم فعلي للقضية.

الأرقام والشفافية

وبيّن سعادة سلطان الحوسني أن واحدة من الإشكاليات المطروحة في هذا الملف تتصل بمدى وضوح الأرقام المعلنة بشأن التوظيف، مشيرًا إلى أن المجلس، خلال استضافة معالي وزير العمل في يناير الماضي، طرح تساؤلات مباشرة حول الأعداد التي تم توظيفها، وطلب تزويده بكشوفات وقوائم واضحة بمن التحقوا بسوق العمل خلال الفترة الماضية، من أجل إزالة أي لبس وتعزيز الثقة بالرأي العام. وأضاف أن هذا الطلب لا ينطلق من باب التشكيك، وإنما من الحرص على وضوح الصورة، خاصة أن المجتمع يتداول أحيانًا تساؤلات حول مدى دقة الأرقام المعلنة، والمجلس يرى أن الشفافية في هذا الجانب ستسهم في طمأنة الجميع وفهم الصورة بصورة أدق.

الحاجة إلى رؤية

وأكد سعادته ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن جوهر الإشكال لا يكمن في الأرقام وحدها، وإنما في غياب رؤية واضحة ومعلنة وملزمة في ما يتعلق بملف الباحثين عن عمل، موضحًا أن الإعلان عن مستهدفات رقمية سنوية لتوظيف ثلاثين ألفًا أو أربعين ألفًا أو أكثر لا يكفي، إذا لم يواكبه مسار واضح للتعامل مع الأعداد الجديدة التي تدخل إلى سوق العمل سنويًّا، ومع الحالات التي تعود إلى خانة الباحثين عن عمل بسبب التسريح أو فقدان الوظيفة. وأضاف أن الاستمرار في إدارة القضية بهذه الصورة يبقي المجتمع في الدائرة نفسها، من دون أن يحدث تحول حقيقي في بنية الحلول المطروحة.

رفض للمعالجات الارتجالية

وانتقد سعادة سلطان الحوسني بعض المعالجات التي تعتمد على الإلزام المباشر لمؤسسات صغيرة أو بسيطة بتوظيف عمانيين، معتبرًا أن هذا النوع من القرارات قد لا يحل القضية، بل قد يخلق مشكلات إضافية في السوق، خصوصًا عندما يفرض على أنشطة محدودة القدرة أو ذات طبيعة لا تستوعب هذا النوع من الحلول المفروضة. وأوضح أن معالجة قضية الباحثين عن عمل لا ينبغي أن تقوم على رفع كلفة المأذونيات أو فرض التوظيف في مهن بعينها على المؤسسات الصغيرة، وإنما على ابتكار حلول أكثر عمقًا وفاعلية، تستند إلى فهم حقيقي لطبيعة سوق العمل والفرص المستقبلية.

وظائف المستقبل

وأشار نائب رئيس لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى إلى أن سوق العمل مقبل على تحولات كبيرة ترتبط بالوظائف المستقبلية، في مقابل وظائف أخرى مرشحة للانحسار أو الاختفاء بفعل التقانة والتحول الرقمي. واستشهد في هذا السياق ببعض المهن التي تتراجع الحاجة إليها مع دخول الأنظمة الذكية والتقنيات الحديثة، مؤكدًا أن المطلوب اليوم هو الاشتغال مبكرًا على القطاعات الجديدة والوظائف القادمة، مثل الأمن السيبراني والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بدل الاستمرار في الدوران حول وظائف ستفقد جدواها خلال سنوات قليلة. وأضاف أن الإشارة السامية إلى الأمن السيبراني تعكس أهمية هذا النوع من المجالات، وأنه ينبغي أن يبنى عليها في إعداد الكوادر الوطنية وتأهيلها لتولي وظائف ذات قيمة استراتيجية.

مواءمة التعليم وسوق العمل

وشدد سعادته على أن واحدة من القضايا الجوهرية في هذا الملف تتمثل في ضعف المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، موضحًا أن هذا الموضوع نوقش سابقًا مرارًا، ولا يزال حاضرًا بقوة إلى اليوم. وأضاف أن من الضروري أن يكون هناك عمل مشترك بين وزارة العمل والجهات المشرفة على التعليم ومؤسسات التعليم العالي، حتى تطرح التخصصات وفق احتياجات فعلية ومعلنة، وتتم معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى تراكمات سنوية جديدة في أعداد الباحثين عن عمل.

أمثلة على الخلل

ولفت الحوسني خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن بعض القرارات أو المعالجات الأخيرة عكست بصورة أو بأخرى حجم هذا الخلل، سواء في بعض المهن أو حتى في بعض القطاعات الحيوية مثل التعليم، حين يطرح السؤال عن سبب عزوف بعض الفئات عن تخصصات يفترض أن تكون مطلوبة، أو عن سبب الوصول إلى حلول استثنائية كان يمكن تجنبها لو وجدت مواءمة مبكرة وتخطيط أدق بين مخرجات التعليم واحتياجات الجهات المستفيدة. وأكد أن هذه المؤشرات كلها تقول إن القضية لا تعالج فقط بإعلانات التوظيف، وإنما بإعادة تنظيم المنظومة من بدايتها.

النمو الاقتصادي يولد الوظائف

وأكد سعادته أن كل نمو اقتصادي حقيقي يولد فرص عمل، ولذلك فإن الاشتغال على جذب الاستثمار وتحريك الاقتصاد يمثلان جزءًا أصيلًا من حل قضية الباحثين عن عمل. وأضاف أن إيجاد مشاريع نوعية، واستقطاب استثمارات جديدة، وتوسيع النشاط الاقتصادي في المحافظات والقطاعات المختلفة، كلها عناصر يجب أن تندرج ضمن الحل، لأن الوظائف لا تصنع فقط عبر الإعلانات الحكومية، وإنما من خلال دورة اقتصادية نشطة تتيح توليد فرص مستدامة.

القطاعات الواعدة

وتحدث سعادة سلطان الحوسني عن القطاعات التي يراها واعدة وقادرة على استيعاب الباحثين عن عمل، مشيرًا إلى أن لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى ركزت خلال المرحلة الماضية على قطاعي الصحة والطاقة، باعتبارهما من القطاعات القادرة على استيعاب أعداد من الباحثين عن عمل إذا تم الاشتغال عليهما بالصورة الصحيحة. وأضاف أن القطاع الصحي، على سبيل المثال، شهد توسعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، سواء من خلال المستشفيات الحكومية الجديدة أو من خلال دخول القطاع الخاص بصورة أوسع، وهو ما يجعله قطاعًا قادرًا على استيعاب فرص إضافية، شرط أن يواكبه استثمار مبكر في إعداد الكوادر الوطنية في مختلف المستويات، من الإداريين إلى الأطباء والتخصصات الدقيقة، لا الاقتصار فقط على الوظائف المساندة.

استثمار في الكفاءات

وأشار إلى أن الاستثمار الحقيقي في الكوادر الوطنية لا يأتي بين يوم وليلة، خاصة في القطاعات النوعية كالصحة والتعليم والطاقة، وإنما يحتاج إلى تخطيط مبكر ومحفزات مناسبة ورؤية تؤمن بقدرة العماني على التميز. ولفت إلى أن هناك نماذج وطنية أثبتت جدارتها داخل سلطنة عمان وخارجها، وأن المطلوب هو تعظيم هذه النماذج وتوسيعها، لا الاكتفاء بالحديث عن التحديات من دون بناء مسارات فعلية لاستيعاب الكفاءات وصقلها وإعادتها إلى الداخل.

الوظائف النوعية

وأكد خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن التركيز على الوظائف النوعية للعمانيين أكثر جدوى من الدوران المستمر في البحث عن الوظائف الدنيا، موضحًا أنه لا ينتقص من أي مهنة أو يقلل من قيمة العمل الشريف، لكنه يرى أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على استثمار الطاقات العمانية في الوظائف التي تبني مستقبلاً أفضل، وتستفيد من قدراتهم ومهاراتهم. وأضاف أن العماني أثبت في تجارب كثيرة داخل وخارج السلطنة أنه قادر على الإبداع والتميز إذا أتيحت له الفرصة، وأن الواجب اليوم هو أن تؤمن المؤسسات والجهات المعنية بهذه الحقيقة وتترجمها إلى سياسات أكثر طموحًا.

أصحاب المهارة

وبيّن أن القطاع الخاص قادر ويريد أن يستوعب الباحثين عن عمل، لكنه في الوقت نفسه يبحث عن أصحاب المهارة والكفاءة، ما يجعل مسألة التعليم النوعي والتدريب المهني وتنمية المهارات من أهم المفاتيح في هذه المرحلة. وأضاف أن الكليات المهنية تمثل ثروة حقيقية إذا جرى تطويرها والاهتمام بها بالصورة المناسبة، لأنها قادرة على تقديم مخرجات لا يستطيع أحد أن يشكك في جودتها أو ملاءمتها للسوق، إذا ما أحسن بناؤها وتوجيهها وربطها المباشر بمتطلبات القطاعات المختلفة.

التقاعد المبكر الاختياري

وتطرق سعادة سلطان الحوسني إلى بعض الحلول التي يرى أنها تستحق الدراسة، ومنها مراجعة بعض الجوانب المتعلقة بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العمانية بصورة لا تخل بحقوقها ولا تنتقص من مكانتها، مع فتح المجال بشكل أوسع لمن ترغب في هذا الخيار ضمن أطر منصفة. وأوضح أن هذا المقترح طُرح للنقاش وسيناقش مع الجهات المعنية، في إطار البحث عن حلول متعددة يمكن أن تفتح فرصًا جديدة في سوق العمل، شرط أن تتم بصورة عادلة ومدروسة.

دعم الأجور

كما تحدث عن برنامج دعم الأجور، معتبرًا أنه من المبادرات الجيدة التي ينبغي تطويرها وتعزيز أثرها، عبر مزيد من الشفافية في عرض أعداد المستفيدين منه، ونسب من استمروا في وظائفهم بعد انتهاء فترة الدعم، ودراسة إمكان مواءمته بصورة أفضل مع قانون العمل بما يعزز استقرار العامل الوطني في القطاع الخاص. وأضاف أن توجيه الأموال إلى دعم شاب يعمل ويتدرب ويكتسب خبرة أفضل من بقائها في صور لا تنتج أثرًا ممتدًا، خاصة إذا اقترن دعم الأجور ببناء المهارات والتأهيل والتدرج الوظيفي.

المحفزات أولًا

ورأى أن مسألة المحفزات لا تقل أهمية عن إيجاد الفرصة نفسها، موضحًا أن كثيرًا من الشباب يحجمون عن بعض القطاعات أو التخصصات لأن الحوافز غير كافية، أو لأن البيئة لا تشجع على الاستمرار والنمو. وأضاف أن وجود محفزات مناسبة في التعليم والصحة والقطاعات الواعدة من شأنه أن يغير اتجاهات كثير من الشباب، ويشجعهم على الإقبال على تخصصات تحتاجها السلطنة فعلًا.

القطاعات والشفافية

وأكد سعادته أن من المهم أن تظهر الجهات القطاعية بصورة دورية وبشكل شفاف ما تحقق لديها من فرص عمل، وما لم يتحقق، وما التحديات التي تواجهها، حتى تكون الصورة واضحة أمام الجميع. وأضاف أن لغة الأرقام يجب أن تكون حاضرة ومفهومة، وأن كل قطاع مطالب بأن يبين مستهدفاته ونسب التعمين وفرص العمل التي أوجدها، حتى لا يبقى الحديث عامًا أو فضفاضًا.

دور المحافظين

وتحدث عن دور المحافظين في هذا الملف، مؤكدًا أن الإعلان عن عدد الباحثين عن عمل في كل محافظة لا يكفي وحده، بل الأهم هو ما الذي يقوم به المحافظ فعليًّا لمعالجة هذا التحدي، من خلال استقطاب الاستثمارات، والشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من المسؤولية المجتمعية، وربط المشاريع التنموية بتوليد فرص عمل حقيقية. وأضاف أن المحافظات يجب أن تدخل في حالة من التنافس الإيجابي، بحيث تقدم كل محافظة مبادرات واضحة في هذا الجانب، وتظهر نتائجها وخططها أمام المجتمع.

الوظائف الموسمية

وأشار إلى أهمية الوظائف الموسمية بوصفها أحد المسارات التي يمكن أن تمنح الشباب فرصًا حقيقية، مستشهدًا بما يحدث في موسم خريف ظفار من نشاط اقتصادي يتيح مجالات واسعة للرزق والعمل. وأضاف أن هذه التجارب ينبغي أن تدرس ويستفاد منها، وأن تتحول إلى مسارات أكثر انتظامًا في المحافظات المختلفة، بما يتيح للشباب أن ينتقلوا من البحث عن وظيفة ثابتة فقط إلى التفكير في فرص الدخل والعمل الحر والموسمي وريادة الأعمال.

من الباحث إلى رائد عمل

وأكد سعادته أن واحدة من القضايا التي تحتاج إلى عمل أكبر هي تحفيز الشباب على الانتقال من خانة الباحث عن عمل إلى خانة رائد العمل، موضحًا أن هناك نماذج وطنية ناجحة بدأت من أعمال بسيطة جدًا ثم توسعت وأصبحت لها فروع وحضور في السوق. وأضاف أن المطلوب هو تبني مثل هذه النماذج، وتكرارها في الولايات والمحافظات المختلفة، مع تخفيف الأعباء عنها، وتقديم حزم من التسهيلات والإعفاءات والدعم، بما يشجع الشباب على اقتحام هذا المجال بثقة أكبر.

تبسيط الإجراءات

ولفت إلى أن كثيرًا من الشباب لا يعرفون أصلًا حجم الفرص المتاحة لهم من خلال الجهات الداعمة المختلفة، أو يترددون بسبب التعقيدات والإجراءات والخوف من الفشل، وهو ما يجعل تبسيط الإجراءات وإيصال المعلومة بوضوح من أهم عناصر الحل. وأضاف أن الجهات المعنية، من المحافظات إلى المؤسسات التمويلية والداعمة، مطالبة بأن تكون أقرب إلى الشباب، وأن تبين لهم الفرص والحزم والمزايا المتاحة، وأن تأخذ بأيديهم حتى يتحول بعضهم إلى رواد أعمال يخلقون بدورهم فرصًا لغيرهم.

إيمان بقدرة العماني

وشدد سعادة سلطان الحوسني نائب رئيس لجنة الشباب والموارد البشرية بمجلس الشورى في ختام حديثه ببرنامج «منتدى الوصال» على أن العماني قادر على العمل والإبداع والنجاح متى ما وجد الفرصة والدعم والمساندة، وأن المشكلة ليست في غياب القدرة، وإنما في الحاجة إلى قرارات أكثر جرأة، ورؤية أوضح، ومحفزات أفضل، وتكامل أوسع بين التعليم والعمل والاقتصاد والاستثمار والتنمية المحلية. وأضاف أن الاستمرار في النقاش من دون الانتقال إلى حلول حقيقية سيبقي القضية مفتوحة، في حين أن المطلوب اليوم هو أن تؤمن المؤسسات فعليًّا بالشاب العماني، وتتعامل مع ملف الباحثين عن عمل بوصفه أولوية وطنية تحتاج إلى معالجة استراتيجية لا موسمية.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو