الوصال ـ دعا الكاتب الصحفي سلطان القاسمي إلى إيجاد مسار أكاديمي يتيح لحملة الدكتوراه العاملين في الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة مواصلة نشاطهم العلمي، والاستفادة من خبراتهم في التدريس والإشراف والبحوث التطبيقية، من دون اشتراط انتقالهم للعمل داخل الجامعات.

وأوضح خلال استضافته في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال أن فكرة المقال الذي تناول فيه هذا الموضوع لم تنطلق من موقف فردي، وإنما من ملاحظات متكررة لكفاءات وطنية تواصل نشر أبحاثها والمشاركة في المؤتمرات، إلا أن فرص تقدمها في المسار الأكاديمي تتوقف بسبب ارتباطها الوظيفي بجهات خارج مؤسسات التعليم العالي.

وقال إن عددًا من الباحثين العاملين في المؤسسات يقدمون إنتاجًا علميًّا يوازي ما يقدمه نظراؤهم في الجامعات، متسائلًا عن جدوى اختلاف الفرص المتاحة لهم بسبب جهة العمل، في حين ينبغي أن يكون الإنتاج العلمي وجودته واستمراريته أساسًا للتقييم.

وأضاف أن الهدف من طرح القضية لا يتمثل في المطالبة باستثناءات أو تجاوز المعايير المعتمدة، وإنما فتح نقاش حول آليات توظيف هذه الكفاءات بصورة أفضل، بما يحقق الفائدة للباحث والجامعة والمؤسسة والمجتمع.

خبرة الميدان

ورأى القاسمي أن الباحث الذي يعمل في الميدان يمتلك ميزة تجمع بين المعرفة العلمية والتجربة المهنية، إذ لا ينقل إلى الطالب المعلومات النظرية فحسب، وإنما يطلعه على كيفية تطبيقها والتعامل مع التحديات الواقعية.

وأشار إلى أن الطالب الذي يدرس القانون أو الهندسة أو الطب يستفيد بصورة أكبر عندما يتلقى جانبًا من تعليمه على يد متخصص يمارس المهنة يوميًّا، ويدرك التحولات والمشكلات التي تواجه قطاعه.

واقترح أن تتيح الجامعات للباحثين العاملين خارجها يومًا واحدًا أسبوعيًّا، أو عددًا محددًا من الساعات خلال الفصل الدراسي، للمشاركة في التدريس والإشراف على مشروعات التخرج والمساهمة في تنفيذ البحوث التطبيقية.

وبيّن أن الإشراف المشترك على رسائل الماجستير والدكتوراه بين عضو هيئة التدريس والباحث الممارس للمهنة يمكن أن يضيف قيمة علمية، ويجعل الدراسات أكثر اتصالًا باحتياجات المجتمع والمؤسسات.

معايير عادلة

وأكد القاسمي أن إتاحة المسار الأكاديمي للباحثين خارج الجامعات لا تعني تخفيف المعايير العلمية أو منح الرتب من دون استحقاق، وإنما إخضاع الجميع لمقاييس معلنة وعادلة.

وأوضح أنه عندما يمتلك الباحث إنتاجًا مستمرًّا وأبحاثًا منشورة في دوريات علمية محكمة ومشاركات أكاديمية، فمن الطبيعي أن تتوفر له فرصة للتقييم، بصرف النظر عن المؤسسة التي يعمل فيها.

وأضاف أن السؤال الأساسي ينبغي أن يتركز على ما قدمه الباحث من إسهامات علمية، لا على موقعه الوظيفي، مع مراعاة اختلاف مسؤوليات العامل في المؤسسة عن عضو هيئة التدريس المتفرغ.

ولفت إلى إمكانية إيجاد نموذج أكاديمي يتناسب مع طبيعة العمل الحكومي أو الخاص، ويحافظ في الوقت نفسه على جودة المعايير ومتطلبات التقييم والترقية العلمية.

نموذج عُماني

ودعا القاسمي إلى الاستفادة من التجارب الدولية والإقليمية التي تمنح الباحثين خارج الجامعات رتبًا أكاديمية أو فرصًا للمشاركة العلمية، من دون نقل أي تجربة بصورة حرفية.

وقال إن لكل دولة ظروفها وتشريعاتها، ولذلك ينبغي بناء نموذج عُماني يراعي طبيعة المؤسسات الوطنية واحتياجات منظومة البحث العلمي والتعليم العالي.

واقترح أن يبدأ العمل بتعاون بين الجهات المعنية بالتعليم العالي والعمل، إلى جانب الجامعات والمؤسسات التي يعمل فيها الباحثون، لوضع إطار واضح ينظم مشاركتهم الأكاديمية.

وبيّن أن هذا الإطار يمكن أن يعتمد على معايير تشمل جودة الأبحاث واستمرار النشاط العلمي والمشاركة في المؤتمرات والإشراف على الدراسات، إلى جانب مقدار الإسهام في التدريس والبحوث التطبيقية.

ورأى أن يبدأ النموذج بصورة تجريبية في عدد محدود من الجامعات، على أن تخضع التجربة للتقييم، ثم يجري التوسع فيها تدريجيًّا في حال أثبتت جدواها.

كفاءات وطنية

وأشار القاسمي إلى أن حملة الدكتوراه والماجستير أمضوا سنوات طويلة في الدراسة والبحث، وبعضهم تحمل تكاليف دراسته وتطويره المهني، ومن مصلحة الوطن ألا يتوقف عطاؤهم العلمي فور عودتهم إلى مقار أعمالهم.

وأكد أنهم لا يطالبون بترقيات تلقائية أو امتيازات من دون استحقاق، وإنما بفتح فرصة عادلة تمكنهم من مواصلة الإنتاج والاستفادة من معارفهم وخبراتهم.

وأضاف أن إشراك هذه الفئة في الجامعات يتيح للطلاب التعلم من تجارب مهنية واقعية، ويمنح المؤسسات الأكاديمية فرصًا لتوسيع شبكاتها البحثية، كما يساعد الجهات الحكومية والخاصة على إيجاد حلول علمية للتحديات التي تواجهها.

ولفت إلى أن غياب المسار الواضح قد يؤدي إلى تراجع الحافز لدى بعض الباحثين، ويحول الشهادة العليا إلى إضافة في السيرة الذاتية من دون أثر ملموس في التطور المهني أو العلمي.

منظومة للتقييم

وطالب القاسمي بإيجاد منظومة أو لجان مختصة تتولى حصر حملة المؤهلات العليا في الجهات الحكومية والخاصة، وتقييم قدراتهم وإنتاجهم البحثي، وربطهم بالفرص الأكاديمية والعلمية المتاحة.

وأوضح أن بعض الباحثين يمتلكون إمكانات كبيرة وأبحاثًا محكمة وخبرة في الإشراف العلمي، إلا أن إسهاماتهم لا تحظى بالاستفادة الكافية لكونهم يعملون خارج الجامعات.

وأشار إلى أن وجود منصة وطنية يمكن أن يسهم في تعريف الجامعات بتخصصات الباحثين وخبراتهم وأعمالهم المنشورة، ويفتح المجال أمام مشاركتهم في المشروعات البحثية والتدريس الجزئي والإشراف العلمي.

وقال إن استمرار الباحث في النشر والمشاركة بالمؤتمرات يضيف إلى رصيده العلمي، إلا أن غياب مسار مهني واضح يجعل هذا الإنتاج محدود الأثر على تطوره الوظيفي.

استفادة متبادلة

وبيّن القاسمي أن تكامل الخبرة الأكاديمية والممارسة المهنية يحقق استفادة متبادلة، إذ تنقل الجامعات المعرفة النظرية والمنهجية إلى المؤسسات، فيما تنقل المؤسسات إلى الجامعات المشكلات الفعلية والبيانات والتجارب الميدانية.

وأضاف أن هذا التكامل من شأنه توجيه جانب أكبر من البحث العلمي نحو قضايا المجتمع والاقتصاد والخدمات العامة، بدلًا من بقاء بعض الدراسات بعيدة عن التطبيقات الواقعية.

وأكد أن احتضان الباحثين العاملين في الميدان لا ينتقص من دور أعضاء هيئة التدريس، وإنما يوسع دائرة الخبرات المتاحة للطلاب، ويتيح بناء فرق بحثية تجمع بين التخصص الأكاديمي والتطبيق العملي.

وختم القاسمي بالتعبير عن أمله في أن يسهم النقاش حول هذه القضية في تطوير المنظومة الأكاديمية، وإيجاد آليات واضحة تستثمر الكفاءات الوطنية، وتضمن استمرار عطائها العلمي بما يخدم الجامعات والمؤسسات والوطن.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو