الوصال ـ أوضحت الدكتورة نادية الهاشمي، استشاري أول أمراض وراثية كيميائية بالمركز الوطني للصحة الوراثية في المستشفى السلطاني، أن مشروع «الجينوم العُماني» يستهدف إنشاء قاعدة بيانات وطنية جينومية تمثل المجتمع العُماني بخصوصيته، وتكون مرجعًا لدعم فهم الأمراض الوراثية الأكثر شيوعًا، وتطوير برامج الوقاية والكشف المبكر والطب الدقيق.

وأضافت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» مع مديحة السليماني عبر إذاعة الوصال، أن وضع حجر الأساس للمركز الوطني للجينوم والبيانات البشرية يمثل بداية مرحلة جديدة في مشروع كبير سبقته سنوات من الإعداد ووضع الأهداف والمسارات التنفيذية، موضحة أن المشروع يأتي منسجمًا مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» في محور الإنسان والمجتمع واستدامة الصحة. وقالت إن المشروع يقوم على توظيف البيانات الحيوية والجينومية في تحسين صحة المجتمع وجودة حياة الأفراد، من خلال بناء معرفة وطنية أكثر دقة بالخصائص الصحية والجينية للمجتمع العُماني.

قاعدة وطنية للبيانات الجينومية

وبيّنت الهاشمي أن القاعدة الوطنية المرتقبة ستضم ما هو معروف حاليًا من معلومات جينية وصحية، إلى جانب ما ستكشف عنه مراحل البحث والتحليل المقبلة. وأضافت أن هذه القاعدة ستوفر مرجعًا وطنيًا يمكن الاعتماد عليه في فهم أنماط الأمراض الوراثية وانتشارها، كما ستخدم البحث العلمي وتطوير البرامج الصحية على أسس أكثر ارتباطًا بخصائص المجتمع العُماني. وأكدت أن المشروع سيعمل ضمن أعلى معايير الخصوصية وحوكمة البيانات، بما يضمن حماية المعلومات وتنظيم الوصول إليها واستخدامها.

الوقاية والكشف المبكر

وأشارت الهاشمي إلى أن فهم الأمراض الوراثية الأكثر شيوعًا يمثل أحد الأهداف الأساسية للمشروع، إلا أن هذا الفهم ينبغي أن يقود إلى تطبيقات عملية في الوقاية والكشف المبكر. وقالت إن المشروع سيعمل مستقبلًا على دعم البرامج الوطنية القائمة، ومن بينها فحوص ما قبل الزواج وفحوص المواليد، بما يسهم في تطويرها وتعزيز فعاليتها.

وأضافت أن توفر معلومات جينية أكثر شمولًا يمكن أن يساعد على تحديد الفئات الأكثر حاجة إلى الفحص والمتابعة، وتطوير أساليب التدخل المبكر بصورة أكثر دقة.

الطب الدقيق

ولفتت إلى أن المشروع سيتيح كذلك فرصًا أكبر لدعم الطب الدقيق، من خلال الربط بين البيانات الجينية والمعلومات السريرية. وأوضحت أن هذا الربط يمكن أن يسهم في تطوير أدوات التشخيص وتحسين القدرة على فهم الحالة الصحية بصورة أكثر تفصيلًا، بما يساعد مستقبلًا على اختيار التدخلات الصحية المناسبة وفق الخصائص الجينية للفرد.

وأكدت أن هذا التوجه ينسجم مع التطورات العالمية في مجال الطب والجينوم، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على البيانات الدقيقة في بناء القرارات الصحية.

حماية البيانات

وتوقفت الهاشمي عند ملف خصوصية المعلومات، مشيرة إلى أن المشروع سبقته دراسة موسعة بشأن جمع البيانات وحفظها وإدارتها. وقالت إن فرق العمل عقدت اجتماعات متعددة وراجعت القواعد والتجارب العالمية وربطتها بأخلاقيات العمل الطبي وحماية خصوصية الإنسان والمجتمع. وأضافت أن المشروع سيعمل وفق أطر مهنية وعلمية وأخلاقية واضحة، مع إشراك عدد من المختصين والجهات ذات العلاقة بحفظ البيانات وتقنية المعلومات وآليات الوصول إليها.

تصنيف مستويات الوصول

وبيّنت أن البيانات ستخضع للتصنيف وفق نوعيتها وحساسيتها، مع تحديد مستويات واضحة للوصول إليها، بما يمنع أي استخدام غير مصرح به. وأضافت أن وزارة الصحة سيكون لها الدور الرئيس في هذا الجانب، إلى جانب جهات أخرى مرتبطة بحماية البيانات وإدارتها تقنيًا. وأكدت أن حماية الخصوصية ليست جانبًا ثانويًا في المشروع، وإنما عنصر أساسي في جميع مراحله.

الاستفادة من التجارب العالمية

وأشارت الهاشمي إلى أن برامج الجينوم ليست جديدة عالميًا، إذ بدأت تجارب مماثلة في عدد من الدول منذ نحو 15 إلى 20 عامًا. وقالت إن سلطنة عُمان تستفيد من هذه التجارب وتواكب أحدث التطورات من حيث الأجهزة والتقنيات والبرامج المستخدمة في تحليل البيانات الجينية وإدارتها. وأضافت أن وجود تجارب سابقة عالميًا يوفر فرصة للاستفادة من أفضل الممارسات وتجنب التحديات التي واجهت المشروعات المماثلة.

صورة أشمل للأمراض الوراثية

وعن الأمراض التي يمكن أن يستهدفها المشروع مستقبلًا، أوضحت الهاشمي أن هناك معرفة متراكمة في سلطنة عُمان بشأن عدد من الأمراض الوراثية، لكنها لا تزال محدودة ولا تقدم صورة شاملة على مستوى المجتمع. وقالت إن «الجينوم العُماني» سيساعد على استيضاح هذه الصورة بصورة أدق، وتحديد أنماط الانتشار والاحتياجات الصحية التي ينبغي التركيز عليها.

وأضافت أن هذا الفهم يمكن أن يسهم في تطوير برامج أكثر دقة للوقاية والتشخيص والعلاج.

مراحل متعددة

وأوضحت الهاشمي أن المشروع سيمر بعدة مراحل قبل الوصول إلى التطبيق الفعلي، تبدأ بإنشاء المركز وتجهيز المبنى والمعدات والأنظمة اللازمة للعمل. وتأتي بعد ذلك مراحل جمع العينات والبيانات وتحليلها ودراسة توزيعها على مستوى سلطنة عُمان، إلى جانب بناء الآليات الفنية والعلمية التي ستستخدم في قراءة هذه المعلومات والاستفادة منها.

وأضافت أن عملية جمع العينات نفسها تحتاج إلى دراسة مستفيضة من حيث التوزيع الجغرافي والفئات المشاركة وآليات أخذ العينات وحفظها وتحليلها.

سنوات قبل التطبيق الكامل

وأكدت أن المشروع سيستغرق عدة سنوات قبل الوصول إلى مراحل التطبيق الفعلية، نظرًا إلى حجمه وطبيعته العلمية. وقالت إن العمل يحتاج إلى خطوات ثابتة وقواعد رصينة، ولا يمكن القفز مباشرة من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الاستخدام الواسع للبيانات. وأضافت أن نجاح المشروع يتطلب كذلك أن يكون المجتمع مدركًا لأهميته وآليات المشاركة فيه والفوائد المتوقعة منه.

التوعية والمشاركة

وبيّنت الهاشمي أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من اللقاءات والتوضيحات المتعلقة بالمشاركة في المشروع. وأشارت إلى أن أي مشاركة مستقبلية ينبغي أن تكون مبنية على فهم واضح لطبيعة المشروع، وكيفية استخدام البيانات، وآليات حماية الخصوصية، والفوائد الصحية والعلمية المتوقعة. وأكدت أن بناء الثقة والوعي المجتمعي يمثلان جزءًا أساسيًا من نجاح المشروع.

تشخيص أسرع

وقالت الهاشمي إن المشروع يمكن أن يحقق فوائد مباشرة مستقبلًا على مستوى الأفراد، وفي مقدمتها تسريع الوصول إلى التشخيص في بعض الحالات. وأضافت أن ربط البيانات الجينية بالمعلومات السريرية يمكن أن يساعد المختصين على الوصول إلى أسباب بعض الأمراض بصورة أدق، وتقليل الوقت اللازم لتحديد التشخيص. كما يمكن أن يسهم المشروع في توجيه الفحوص بصورة أكثر كفاءة وتقليل الاعتماد على مسارات تشخيصية طويلة في بعض الحالات.

الوقاية أولًا

وأكدت الهاشمي أن الوقاية تمثل أولوية أساسية لدى المختصين في الأمراض الوراثية، لأن منع المرض أو اكتشافه مبكرًا يمنح الفرد فرصًا أفضل لحياة صحية. وأوضحت أن حدوث المرض يرتبط غالبًا بمسار طويل من العلاج والمتابعة، بينما توفر الوقاية والكشف المبكر فرصًا أكبر للحد من آثاره. وأضافت أن كل معرفة جديدة بالخصائص الجينية للمجتمع يمكن أن تساعد على تطوير تدخلات وقائية أكثر دقة.

استثمار في الإنسان

ووصفت الهاشمي مشروع «الجينوم العُماني» بأنه استثمار في الإنسان وفي صحة الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تقني أو مختبري. وقالت إن فهم الخصائص الجينية والصحية للمجتمع بصورة أفضل سيتيح تطوير الخدمات الصحية وتوزيعها بصورة أكثر عدالة ووفق الاحتياجات الفعلية.

وأضافت أن صحة الفرد تنعكس بصورة مباشرة على صحة المجتمع وإنتاجيته واستقراره، وهو ما يجعل الاستثمار في المعرفة الجينية جزءًا من بناء منظومة صحية أكثر استدامة. وأكدت أن المشروع يمثل طريقًا لتحسين جودة الخدمات والوقاية والتشخيص، ويضع أساسًا علميًا يمكن البناء عليه لخدمة الأجيال القادمة في سلطنة عُمان.

وكانت وزارة الصحة قد احتفلت بوضع حجر الأساس للمركز الوطني للجينوم والبيانات البشرية «الجينوم العُماني» في ولاية السيب بمحافظة مسقط، بتكلفة إنشائية تتجاوز 4 ملايين و200 ألف ريال عُماني، وعلى مساحة تزيد على 10 آلاف متر مربع، فيما يستغرق تنفيذ المشروع تسعة أشهر.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو