بدر العبري لـ«الوصال»: أكثر من 600 كتاب عُماني سنويًا.. لكن غياب الترويج الرقمي وقاعدة البيانات يحدّ من وصولها إلى الأسواق والمعارض الخارجية
ساعة الظهيرة
الوصال ـ رأى بدر العبري، الكاتب المهتم بقضايا التقارب والتفاهم، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» أن الكتاب ما يزال حاضرًا بقوة رغم التحولات الرقمية وتسارع استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الأدوات الرقمية لم تُضعف حضور الكتاب، وإنما وسّعت سرعة الوصول إليه وفتحت أمامه مجالات جديدة للتفاعل الثقافي والاستثمار الإبداعي.
وأوضح أن التطور الرقمي أسهم في تسهيل التعارف بين الثقافات والحضارات، كما قلّل من أثر الحواجز اللغوية، إذ أصبح بالإمكان الاطلاع على النتاجات الفكرية من مختلف أنحاء العالم بسهولة أكبر، وهو ما يطرح تساؤلًا حول موقع الكاتب والكتاب العُماني في هذا المشهد الثقافي المتسارع. وأشار العبري إلى أن التحدي لم يعد مقتصرًا على إنتاج الكتاب، وإنما في كيفية الانتقال به من الحالة الكتابية إلى الحالة الإبداعية والاستثمارية، بحيث تتحول الأفكار والمضامين إلى مشاريع سينمائية أو فنية أو اقتصادية وغيرها من المجالات المرتبطة بالصناعات الثقافية.
وبيّن أن الكتاب يمكن أن يكون نقطة انطلاق لمنتجات ثقافية متعددة، وليس مجرد مادة للقراءة، لافتًا إلى أن توظيف المحتوى العُماني في مجالات أخرى من شأنه أن يوسع حضوره ويمنحه قدرة أكبر على التأثير والتفاعل مع الثقافات الأخرى.
أكثر من 600 كتاب سنويًا
وتطرق العبري إلى تطور حضور الكتاب العُماني، موضحًا أن المقارنة بين عامي 2000 و2026 تظهر تغيرًا كبيرًا في حجم الإنتاج المعرفي وتنوعه. وذكر أن الإنتاج العُماني في عام 2000 كان محدودًا للغاية، فيما تجاوز في الوقت الحالي - بحسب تقديره - 600 كتاب سنويًا، إلى جانب رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه.
ولفت إلى أن التنوع في موضوعات الكتاب العُماني اتسع بصورة ملحوظة، بعد أن كان الإنتاج في السابق يميل بدرجة أكبر إلى الكتابات الدينية والأدبية والتحقيقات التقليدية، بينما يشمل اليوم مجالات الفكر والفلسفة والنقد التاريخي والتراجم والقانون والعلوم والفنون والموسيقى والعلوم التطبيقية. وأضاف أن عددًا من الكتب العُمانية استطاع الوصول إلى جوائز خليجية وعربية ودولية، وهو ما يعكس وجود حالة من الإبداع المحلي المتنامي.
ضعف الترويج يحد من الانتشار
وفي المقابل، أشار العبري إلى أن هذا التطور في الإنتاج لم يصاحبه بالقدر نفسه تطور في التوثيق والترويج، موضحًا أن سلطنة عُمان تفتقر حتى الآن إلى قاعدة بيانات شاملة تضم النتاجات العُمانية، سواء على المستوى الرسمي أو الأهلي. وبيّن أن غياب موقع إلكتروني متكامل للتعريف بالكتاب العُمانيين وإصداراتهم يجعل الوصول إليهم أقل سهولة، كما أن بعض المؤلفين لا يبذلون جهدًا كافيًا للتعريف بأعمالهم.
وأضاف أن دور النشر تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالترويج لأسباب مالية أو إدارية، ما يجعل كثيرًا من الكتب العُمانية حاضرة في المعارض المحلية والقريبة، لكنها أقل ظهورًا في معارض وأسواق أكثر اتساعًا. ورأى أن المشكلة لا تكمن في غياب الإنتاج، وإنما في ضعف آليات وصوله إلى الجمهور خارج نطاقه الجغرافي.
التسويق مسؤولية مشتركة
وأوضح العبري أن تسويق الكتاب عملية تكاملية لا ينبغي أن تُلقى مسؤوليتها على طرف واحد، معتبرًا أن الكاتب هو نقطة البداية، ومن المهم أن يسهم في الترويج لعمله والتفاعل مع جمهوره، خصوصًا مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، نوه إلى أن دور النشر لا ينبغي أن تكتفي بطباعة الكتاب، وإنما عليها أن تعمل على تسويقه وإيصاله إلى قراء جدد، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الثقافية والرسمية في تقديم الدعم والتعريف بالإنتاج المحلي.
وأشار إلى وجود تجارب مهمة في دعم الكتاب العُماني، من بينها ما تقدمه الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء والبرامج الوطنية الداعمة للكتاب، إلا أن جزءًا من هذا الإنتاج لا يزال محصورًا داخل الحدود الجغرافية، ولا يحظى بحضور رقمي كافٍ. وأضاف أن الكتاب الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في توسيع دائرة الوصول، مطالبًا بإيجاد منصات رسمية أو أهلية تقدم ملفات تعريفية بالكتاب العُمانيين وأعمالهم وتتيح للجمهور الوصول إليهم بسهولة.
أدوات تقليدية في التعامل مع الكاتب
ورأى العبري أن جانبًا من آليات التعامل مع الكاتب والمؤلف ما يزال تقليديًا، ولا ينتقل به إلى مرحلة التمكين والترويج بصورة أوسع. وأشار إلى الحاجة لمؤسسات بحثية وثقافية أكثر تخصصًا في متابعة الإنتاج العُماني والتعريف به، مؤكدًا أن الدور المطلوب يتجاوز تنظيم الفعاليات إلى بناء منظومة تساعد الكاتب على الانتشار والتطور.
وأضاف أن وجود قاعدة معرفية متكاملة عن الكاتب العُماني يمكن أن يسهم في تقديمه إلى المؤسسات الثقافية ودور النشر والأسواق الخارجية، ويمنحه حضورًا أكثر استدامة.
اتحاد للناشرين أصبح ضرورة
وفي حديثه عن تنظيم قطاع النشر، اعتبر العبري أن وجود اتحاد للناشرين أو تفعيل الأطر المؤسسية المرتبطة بالكتاب والأدباء أصبح «ضرورة ملحة»، في ظل التحولات السريعة التي يشهدها الإنتاج المعرفي مع انتشار الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وبيّن أن التطور التقني يتيح فرصًا كبيرة للإبداع، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى انتشار كتابات سطحية أو انطباعية أو ضعيفة القيمة المعرفية، الأمر الذي يتطلب مؤسسات قادرة على رفع مستوى الجودة وتشجيع الكتابة الجادة.
وأشار إلى أن مثل هذه الجهات يمكن أن تؤدي دورًا في دعم الكتاب في بداياتهم، ونقلهم من الكتابة الانطباعية إلى إنتاج أكثر نضجًا وابتكارًا، إضافة إلى إيجاد مجالس ومنصات ثقافية تساعد على تطوير التجربة الكتابية. ولفت إلى أن الجمعيات والاتحادات يمكن أن تسهم كذلك في متابعة قضايا الانتحال، التي أصبحت أكثر تعقيدًا مع استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب متابعة ما ينشر والتنسيق مع الجهات الرسمية ومؤسسات النشر.
واختتم العبري بالتأكيد على أن الكتاب العُماني يملك اليوم قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا من السابق، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في نقله من نطاق الإنتاج المحلي إلى فضاء أوسع من الانتشار والتأثير والاستثمار، عبر منظومة متكاملة تجمع الكاتب والناشر والمؤسسات الثقافية والإعلام والمنصات الرقمية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


