الوصال ـ قالت هاجر بنت علي المسقري، مديرة مركز حبر الثقافي، إن الاستثمار في الثقافة لا يمكن أن يقوم على بيع الكتب وحده، لأن استدامة المشروع الثقافي تتطلب توسيع نطاقه ليشمل الفعاليات والجلسات والمبادرات التي تستقطب القارئ وغير القارئ، معتبرة أن صناعة قارئ جديد عملية تحتاج إلى وقت وتراكم، لكنها تحقق أثرًا واضحًا على المدى البعيد.

وأوضحت خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن تجربة «ملتقى حبر الثقافي» في نسخته الثانية تجاوزت التوقعات من حيث حجم الإقبال وتنوع الجمهور، إذ لم تقتصر المشاركة على القراء والكتاب، وإنما شملت المهتمين بمجالات ثقافية ومعرفية مختلفة.

وبيّنت المسقري أن الملتقى ليس بديلًا عن معرض مسقط الدولي للكتاب ولا نسخة مصغرة منه، موضحة أن فكرته انطلقت بصورة مستقلة منذ العام الماضي بعد مرور خمس سنوات على تأسيس مكتبة حبر وتحولها إلى مركز ثقافي. وأضافت أن النسخة الأولى أقيمت في مقر المكتبة، إلا أن الإقبال الذي شهدته كشف عن حاجة الجمهور إلى فعاليات ثقافية متنوعة، ما دفع إلى تطوير التجربة هذا العام وإقامتها في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، مع التوجه إلى جعلها فعالية سنوية مستمرة.

أكثر من 25 ألف زائر

وأفادت المسقري بأن عدد زوار النسخة الثانية من الملتقى تجاوز 25 ألف زائر وفق الإحصاءات الأولية، رغم إقامته خلال فصل الصيف وعلى مدى خمسة أيام، إلى جانب مشاركة أكثر من 20 دار نشر عُمانية فضلًا عن المنصات والمبادرات الثقافية. وأشارت إلى أن أحد الأهداف الرئيسة للملتقى تمثل في منح دور النشر العُمانية مساحة أكبر للظهور بصورة مستقلة، بدل أن تضيع وسط العدد الكبير من دور النشر المشاركة في المعارض الدولية.

وذكرت أن المعرض المصاحب ضم قسمًا مخصصًا لدور النشر العُمانية، وقسمًا آخر قدم من خلال مركز حبر إصدارات من دور نشر خارجية، إلى جانب ركن لكتب الأطفال والقرطاسية والمبادرات والمنصات الثقافية، بما وفر خيارات متعددة للزائر. ولفتت إلى أن الملتقى لم يتوقف عند بيع الكتب، وإنما تضمن «ماراثون القراءة» الذي يقوم على تشجيع المشاركين على قراءة أكبر عدد ممكن من الصفحات والتنافس فيما بينهم، إلى جانب منصة مستقلة لتوقيع الكتب أتاحت المجال للكتاب الناشئين وطلبة المدارس والجامعات، وكذلك لأسماء أدبية معروفة.

«المكتبة البشرية».. تجربة مختلفة

ونوهت المسقري إلى أن «المكتبة البشرية» كانت من أكثر المبادرات التي لاقت إقبالًا في الملتقى، وهي فكرة تقوم على تقديم الإنسان نفسه بوصفه مصدرًا للمعرفة بدل الكتاب. وشرحت أن الزائر يستطيع حجز جلسة مع شخص يمتلك تجربة أو خبرة معينة، ثم يتحاور معه بصورة مباشرة ويطرح عليه أسئلته، بما يتيح له الاستفادة من تجربة حياتية أو مهنية بصورة مكثفة.

وأضافت أن التجربة أقيمت على مدى يومين في ثلاث قاعات منفصلة، وكانت الجلسات فردية بين الزائر والشخص المستضاف، مع المحافظة على خصوصية الحوار الذي يدور بينهما. ورأت أن هذا النوع من المبادرات يوسع مفهوم الفعالية الثقافية ويمنح الجمهور أشكالًا جديدة لاكتساب المعرفة، بدل اقتصار التجربة على شراء الكتاب أو حضور المحاضرة التقليدية.

العُمانيون يقرأون

ورفضت المسقري ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال»  الصورة الشائعة التي تفترض تراجع الإقبال على القراءة، مؤكدة أن سلطنة عُمان تضم شريحة كبيرة من القراء، وإن كان جزء كبير منهم لا يظهر بصورة واضحة في المشهد العام. وقالت إن تجربتهم في مكتبة حبر على مدى السنوات الماضية أظهرت وجود قاعدة قرائية واسعة، وهو ما ينسجم مع ملاحظات دور النشر العربية التي تشيد بإقبال القراء العُمانيين.

لكنها أوضحت أن المشروع الثقافي لا يستطيع الاعتماد على مبيعات الكتب وحدها كمصدر تجاري، لأن المكتبة في هذه الحالة ستخاطب القارئ الموجود أصلًا، فيما تحتاج الاستدامة إلى الوصول إلى شرائح أوسع. ولفتت إلى أن انتقال «حبر» من مكتبة إلى مركز ثقافي جاء لهذا السبب، إذ تسمح الفعاليات والجلسات والبرامج باستقطاب أشخاص قد لا تكون لديهم عادة القراءة، ثم إدخالهم تدريجيًا إلى عالم الكتاب.

صناعة القارئ تحتاج سنوات

وبيّنت المسقري أن تنظيم جلسة في الذكاء الاصطناعي أو التسويق أو صناعة المحتوى داخل ملتقى ثقافي قد يبدو بعيدًا عن الكتاب في الظاهر، إلا أنه يمثل وسيلة لجذب جمهور جديد إلى الفضاء الثقافي. وأضافت أن الشخص قد يأتي لحضور جلسة في مجال يهتم به، ثم يتجول بعد ذلك في معرض الكتب ويلتقي بناشر أو قارئ ويشتري كتابًا، وقد تتحول هذه الخطوة البسيطة بمرور الوقت إلى عادة قراءة مستمرة.

وأشارت إلى أن مركز حبر اتبع النهج نفسه في مناقشات الكتب، إذ لا يشترط أن يكون الحاضر قد قرأ الكتاب مسبقًا، على أمل أن تدفعه التجربة لاحقًا إلى القراءة والمشاركة بصورة أعمق. وأكدت أن صناعة قارئ جديد ليست نتيجة تتحقق بين يوم وليلة، وإنما عملية قد تستغرق سنوات، لافتة إلى أن تجربة المركز الممتدة لنحو ست سنوات أظهرت نتائج ملموسة في هذا الجانب.

الكاتب العُماني يحتاج إلى إبراز

وتطرقت المسقري في حديثها ببرنامج «منتدى الوصال»  إلى حضور الكاتب العُماني في السوق، معتبرة أن المشكلة لا تكمن دائمًا في جودة المنتج الأدبي، وإنما في مستوى ظهوره أمام الجمهور مقارنة بأسماء أكثر شهرة وانتشارًا. وقالت إن هناك كتابًا عُمانيين يقدمون أعمالًا ذات مستوى مرتفع، لكنهم لا يحصلون على المساحة الإعلامية والتسويقية نفسها التي تحظى بها أسماء أخرى، ما يجعل القارئ يتجه غالبًا نحو الخيارات التي يعرفها مسبقًا.

ورأت أن المكتبات ودور النشر والإعلام تتحمل مسؤولية أكبر في إبراز الكاتب العُماني، لأن مهمة الكاتب - في تصورها - تنتهي تقريبًا بعد كتابة الصفحة الأخيرة من عمله، فيما تبدأ بعدها مسؤولية النشر والتسويق والوصول إلى الجمهور. وأضافت أن تجربة ملتقى حبر أظهرت هذا بصورة مباشرة، إذ أفادت بعض دور النشر العُمانية بأنها وصلت إلى قراء كانوا يزورون معرض مسقط الدولي للكتاب سابقًا من دون أن ينتبهوا إلى إصداراتها، بينما ساعد بروزها في الملتقى على تعريف جمهور جديد بها.

النساء أكثر حضورًا في القراءة

وأشارت المسقري إلى أن النساء يشكلن، وفق ملاحظات المكتبة، النسبة الأكبر بين القراء، وقدرت حضورهن بنحو 60 بالمائة بصورة عامة، مع ميل واضح لدى شريحة منهن إلى قراءة الروايات. لكنها أوضحت أن اهتمامات القارئات لا تقتصر على الرواية، إذ يشهد السوق حضورًا ملحوظًا للكتب الفكرية والفلسفية وعلم النفس وتطوير الذات وغيرها.

ولفتت إلى أن أنماط القراءة تتغير باستمرار بتغير طريقة تقديم الكتب، مشيرة إلى أن بعض المجالات مثل الكتب الدينية أو النفسية أصبحت تقدم في السنوات الأخيرة بلغة أبسط وأقرب إلى القارئ، ما وسع جمهورها مقارنة بالفترات السابقة. وأضافت أن الإقبال لم يعد محصورًا في الروايات، إذ شهدت الفترة الأخيرة نموًا في الاهتمام بالكتب الدينية والفكرية وعلم النفس وتطوير الذات والاقتصاد والمالية، وهو ما يجعل مؤشرات القراءة متغيرة من فترة إلى أخرى.

«الأكثر مبيعًا» معيار نسبي

وفي حديثها عن قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، رأت المسقري أن هذا الوصف يحتاج إلى التعامل معه بحذر، لأنه يتأثر بالفترة الزمنية وحجم المبيعات والكتب التي تتم المقارنة بها. وضربت مثالًا بأن كتابًا قد يكون الأكثر مبيعًا في مكتبة خلال أسبوع لمجرد أنه باع ثلاث نسخ مقابل نسختين لبقية الكتب، بينما قد يحقق كتاب آخر في فترة مختلفة مبيعات تصل إلى عشرات أو مئات النسخ.

وأوضحت أن مصطلح «الأكثر مبيعًا» جاذب تسويقيًا، لكنه ليس معيارًا ثابتًا في حد ذاته ما لم تكن هناك منهجية واضحة تحدد الفترة وحجم المبيعات ونطاق المقارنة. وفي المقابل، أشارت إلى أن بعض الكتب العالمية تحقق فعلًا مبيعات واسعة بسبب انتشارها وترجمتها إلى عشرات اللغات، ما يمنحها سوقًا أكبر بكثير من الكتاب المتاح بلغة واحدة.

وأضافت أن دور النشر العربية تزود المكتبات أحيانًا بمؤشرات حول الأعمال الأعلى مبيعًا لديها، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرًا واقعيًا إلى حد ما عند قياس الطلب في أكثر من سوق.

الكتاب الممنوع يصبح أكثر طلبًا

وتناولت المسقري تأثير حظر بعض الكتب في رغبة الجمهور في اقتنائها، معتبرة أن وصف الكتاب بأنه «ممنوع» غالبًا ما يرفع الفضول تجاهه ويدفع القراء إلى السؤال عنه. وأوضحت أن بعض الكتب قد تحظر في مرحلة أولى إلى حين مراجعتها، ثم يسمح بتداولها لاحقًا، وهو ما قد يفسر الاعتقاد أحيانًا بأن هناك معلومات متناقضة حول وضع كتاب معين. وأشارت إلى أن العناوين المستوردة من الخارج تمر بإجراءات الفحص والتصريح قبل تداولها في المكتبات داخل سلطنة عُمان.

القطاع الثقافي ليس الخيار الوظيفي الأول

وفيما يتعلق بالعمل في المؤسسات الثقافية، رأت المسقري أن القطاع لا يزال يواجه تحديًا من الناحية المادية، ولا يمثل في الوقت الحالي الخيار الوظيفي الأول لغالبية الشباب الباحثين عن دخل مجزٍ ومستقر.

وبيّنت أن كثيرًا ممن يتجهون للعمل في المكتبات يفعلون ذلك انطلاقًا من الشغف، فيما تحتاج المؤسسات الثقافية نفسها إلى مزيد من التسهيلات والدعم حتى تتمكن من توفير فرص وظيفية برواتب أكثر جاذبية. وأضافت أن المجال يظل بيئة مرحبة بالشباب، إلا أن الاستدامة المالية تحتاج إلى تطوير نماذج الأعمال والبرامج والفعاليات بما يوفر مصادر دخل متعددة تتجاوز بيع الكتب وحده.

طلبة مدارس يديرون فرقًا

ونوهت المسقري إلى المشاركة اللافتة للشباب وطلبة المدارس والجامعات في تنظيم الملتقى، مشيرة إلى أن بعضهم تولى مسؤوليات كبيرة وأدار فرقًا كاملة في عدد من الأركان. وذكرت نموذج طالبة في الصف العاشر شاركت في إدارة فريق ركن الطفل إلى جانب المسؤولة عنه، فيما تولى طلاب آخرون إدارة فرق مرتبطة بحفلات توقيع الكتب ومختلف جوانب التنظيم.

وأكدت أن التجربة أثبتت قدرة الشباب على أداء أدوار تنظيمية ومهنية متقدمة متى ما حصلوا على التوجيه الصحيح وكانت المسؤوليات المطلوبة منهم واضحة.

الملتقى مستمر صيفًا

وأكدت المسقري استمرار ملتقى حبر الثقافي خلال السنوات المقبلة بوصفه فعالية صيفية مستقلة، حتى مع عودة معرض مسقط الدولي للكتاب. وقالت إن الهدف ليس منافسة المعرض الدولي أو الحلول مكانه، وإنما إيجاد فعالية ثقافية أخرى خلال العام، بحيث تتاح للجمهور أكثر من محطة للكتاب والثقافة.

ولفتت إلى أن من أبرز المخاوف قبل تنظيم النسخة الثانية الاعتقاد بأن فترة الصيف لن تكون مناسبة بسبب سفر كثير من الناس إلى الخارج أو توجههم إلى محافظة ظفار، إلا أن حجم الإقبال أثبت - بحسب تعبيرها - أن الصيف يمكن أن يشكل فترة مناسبة للفعاليات الثقافية. ورأت أن الجمهور يبحث في هذه الفترة عن فعاليات تسبق بداية العام الدراسي والجامعي، مؤكدة أن المركز يعتزم المحافظة على موعد الملتقى وتطويره في النسخ المقبلة.

واختتمت هاجر المسقري بالتأكيد على أن الاستثمار الثقافي يحتاج إلى النظر إليه كمسار طويل الأمد، يجمع بين الرسالة الثقافية والاستدامة الاقتصادية، ويقوم على توسيع قاعدة الجمهور وصناعة قراء جدد ودعم الكاتب والناشر العُماني، مع ابتكار فعاليات تمنح المجتمع أسبابًا متعددة للدخول إلى فضاء الثقافة والكتاب.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو