حمد الراشدي في روايته الجديدة يتمسك ب"خيط من الحرية"
حمد الراشدي في روايته الجديدة يتمسك ب"خيط من الحرية"
الوصال - يبحث الكاتب حمد بن علي الراشدي في روايته الجديدة "خيط من الحرية.. مادينة وكاسوغا" في مسألة شائكة حيث يولد البشر أحرارًا ومتساوين في الكرامة الإنسانية، لكن هذه الحقيقة، البسيطة والشاملة، التي ظل صداها يتردد عبر الحضارات والأديان والفلسفات، قبل أن تُدوَّن يومًا في نصوص القانون، غير أن التاريخ يروي حكاية أكثر قتامة وإثارة للقلق؛ حكايةً انتُزعت فيها الحرية مرارًا، وأُنكرت فيها المساواة، واختُزلت فيها إنسانية البشر إلى مجرد سلعة تُباع وتُشترى.
بدأت قصة مادينة لدامات وشقيقها كاسوغا في بلدة نوراك الهادئة في كينيا، حيث كانت الطفولة بسيطة، وكانت الحياة تمضي على إيقاع الأرض وهدوئها. غير أن ذلك السلام تحطّم في يوم مشؤوم، حين اختطف تجار البشر مادينة، فانتزعوها من بيئتها ومزّقوا أواصر أسرتها، وشتّتوا خيوط حياتها عبر المحيطات والقارات. أما كاسوغا، الذي لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره آنذاك، فقد بقي وراءها، متشبثًا بذكريات أخته، تتنازعه مشاعر الخوف والرجاء، فيما ظلت أصداء صرخاتها وكلمتها الأخيرة: «عِش!» محفورة في أعماق قلبه إلى الأبد حتى تم اختطافه هو ايضاً.
مضى كاسوغا، الذي أصبح يُعرف فيما بعد بالدكتور مبارك، في طريقه نحو التميز والنجاح. واصل دراسته في مومباي؛ فواجه في بداياته صعوبة اللغة، ثم ما لبث أن تألق أكاديميًا، حتى حصل على دبلومه وفاز بمنحة دراسية حكومية لدراسة الطب. وقاده إخلاصه ومثابرته إلى كلية طبية مرموقة، حيث تخصص في طب الأنف والأذن والحنجرة، جامعًا بين الدراسة الشاقة والعمل الجزئي، وبانيًا مسيرة مهنية عكست نبوغه العلمي وإنسانيته العميقة.
ومضت السنوات، وتشكلت حياة جديدة، وبدا أن المسافات التي تفصل بين القارات قد أصبحت قدرًا لا رجعة فيه، إلى أن تدخل القدر، بطريقته الهادئة الغامضة التي يعجز العقل عن تفسيرها. ففي ندوة طبية عُقدت في مدينة بيتسبرغ، التقى مبارك بمتحدثة بارعة ولامعة: الدكتورة جونسون. وما إن نطقت الدكتورة جونسون باسم عائلتها قبل الزواج، «لدامات»، حتى تجمّد مبارك في مكانه للحظات، ثم نهض فجأة صارخًا:
«أنا... كاسوغا لدامات!»
وانفجرت القاعة بمزيج من الذهول والفرح. ورددت مادينة صرخاته، حتى ارتمى الاثنان في أحضان بعضهما البعض.
من المهم أن ندرك أن العبودية لم تكن ممارسةً انفرد بها شعب دون سواه، كما أن مقاومتها لم تكن حكرًا على شعب بعينه. فقد عرفت ثقافات وحضارات متعددة أشكالًا مختلفة من الاسترقاق والخضوع، وشارك أفراد من مناطق شتى في أنظمة الرق، أو استفادوا منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
غير أن العبودية القائمة على الاسترقاق العنصري، والتي حُوِّل فيها الإنسان إلى مِلكٍ منقول وسلعةٍ تُباع وتُشترى، تظل مختلفة عن غيرها من صور العبودية في حجمها الهائل، واستمراريتها، وقسوتها الأيديولوجية. فقد أعادت تشكيل العالم، ورسّخت اللامساواة في بنى وأنظمة عالمية لا تزال آثارها ممتدة إلى يومنا هذا.
وتأتي هذه الرواية مكتوبةً في ظل ذلك التاريخ؛ تاريخٍ لا يزال ظله ممتدًا فوق حاضرنا، ولا تزال أصداؤه تتردد في ذاكرة الإنسانية.


