الوصال ــ قال المكرم الدكتور محمد الوردي عضو مجلس الدولة في برنامج «فوانيس الوصال» إن الأسواق المالية الأكثر حساسية للصراعات والأحداث، مبينًا أن بورصة مسقط لا تعبر بالكامل عن الاقتصاد العُماني بسبب محدودية الشركات المدرجة، لكنها تُظهر جزءًا منه باعتبارها مرآة جزئية. وأوضح أنه بعد افتتاح البورصة عقب بداية الحرب في 28 فبراير انخفضت بمقدار محدود قدره 1.6 بالمائة فقط، ثم ارتدت وعوضت خسائرها وبقيت تتذبذب ضمن حدود بسيطة، معتبرًا أنها لم تتأثر فعليًا مقارنة ببعض البورصات الخليجية الواقعة “في وسط المعمعة”.

مقارنة خليجية بالأرقام

وأشار إلى أن بورصتي الكويت وقطر ظلتا على انخفاض بأكثر من 4 بالمائة في ذلك الوقت، وأن بورصتي دبي وأبوظبي كانتا مجمدتين في اليومين السابقين ثم افتتحتا لاحقًا لتسجلا انخفاضات حادة، منها انخفاض يقارب 5 بالمائة في دبي و3.5 بالمائة في أبوظبي. وذكر أن السوق السعودي انخفض في الدقائق الأولى من أول يوم تداول بعد بداية الحرب بنحو 5 بالمائة ثم بدأ يتعافى ليغلق انخفاضًا يقارب 2.5 بالمائة قبل أن يعوض في الأيام اللاحقة، مضيفًا أن بورصة مسقط والسوق السعودي كانا الأقل تأثرًا لكونهما أبعد نسبيًا عن بؤرية الأحداث مقارنة بالأسواق المطلة مباشرة على الخليج العربي.

تعميق السوق والطروحات والانضمام للمؤشرات

وتطرق إلى وضع بورصة مسقط من منظور هيكلي، موضحًا أن السياسات التي اتخذها جهاز الاستثمار في السنتين الأخيرتين أسهمت في تعميق السوق عبر طرح شركات حكومية ــ ومنها نفطية ــ بما يقارب أربع أو خمس طروحات، بهدف زيادة أحجام التداول وتعزيز عمق السوق واستهداف صانع السوق، ما أدى إلى زيادة الشركات المليارية في البورصة، ورفع جاهزية الانضمام إلى مؤشرات عالمية مثل فوتسي وMSCI، مع ارتفاع التوقعات بالانضمام إلى مؤشرات الأسواق الناشئة.

الشركات المدرجة.. تأثيرات محدودة

وأوضح أن الشركات البترولية المدرجة ليست من المتوقع أن تتأثر كثيرًا بمجريات الأحداث، وأن القطاع البنكي ــ بوصفه الركيزة الأساسية في البورصة ــ غير متأثر بالأوضاع، مع احتمال تأثر محدود لبعض شركات الخدمات، مشيرًا إلى أن غياب شركات طيران مدرجة، وغياب شركات عقارية كبيرة مقارنة ببعض الأسواق الخليجية الأخرى، يقلل نطاق الأثر المحتمل.

«أمد الحرب» هو العقدة

وعند الحديث عن الاقتصاد الكلي، اعتبر أن الإشكالية تكمن في أمد الحرب لأن بدايتها يمكن توقعها أما نهايتها فلا، مستشهدًا بتغير تقديرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أيام إلى أسابيع وتصريحات أخرى عن الاستعداد لطول غير محدد، مقابل استعداد إيراني لحرب طويلة، واصفًا جزءًا من المشهد بأنه حرب نفسية.

اختناق هرمز.. دول تتأثر وأخرى تملك منافذ

وأشار إلى أن توقف الحركة الملاحية في مضيق هرمز بشكل كبير يضغط على الدول التي لا تمتلك منافذ بديلة مثل العراق والكويت وقطر والبحرين، بينما تمتلك الإمارات منفذ حبشان ــ الفجيرة، وتمتلك السعودية مسار بقيق ــ ينبع على البحر الأحمر، مع إبراز محدودية السعات مقارنة بالإنتاج الكلي، إذ أوضح أن خط حبشان–الفجيرة ينقل قرابة 60 بالمائة من إنتاج الإمارات، ما يعني أن 40 بالمائة الأخرى قد لا تجد منفذًا إذا استمر الإغلاق، كما أشار إلى محدوديات السعات في خطوط أخرى.

توقعات بيوت خبرة.. والنفط قد يتجاوز 100

ونقل توقعات مؤسسات مثل Bank of America وGoldman Sachs بأن استمرار إغلاق مضيق هرمز لعدة أسابيع قد يدفع أسعار النفط لتجاوز 100 دولار للبرميل، مرجعًا ذلك إلى احتمال توقف أو تباطؤ صادرات دول، وذكر مثال العراق الذي بدأ بإبطاء وتيرة الصادرات واحتمال إغلاق إنتاج بعض الحقول الرئيسية مثل حقل الرميلة، مع الإشارة إلى تقديرات تتعلق بقدرة أوبك بلس على التعويض، مبينًا أن زيادات الإنتاج تظل محدودة مقارنة بالكميات التي قد تتوقف إذا طال الإغلاق.

كل دولار.. يضيف مليونًا يوميًا

وقال إن ارتفاع أسعار النفط يصب في مصلحة السلطنة من حيث الإيرادات، مضيفًا أن كل زيادة بدولار في سعر برميل النفط ــ وفق تقديره المرتبط بإنتاج سلطنة عمان ــ تعني زيادة تقارب مليون دولار يوميًا للموازنة، ومع بلوغ الزيادة نحو 26 دولارًا فوق مستويات الستين، فإن الزيادة اليومية قد تقترب من 26 مليون دولار، فضلًا عن أثر الغاز المرتبط بالنفط.

النفط يعوض تباطؤ غير النفطي

وأوضح أن الاقتصاد الكلي ينقسم إلى أنشطة نفطية تمثل المغذي الأساسي للموازنة بنحو 70 بالمائة وقد تصل 75 بالمائة، وأنشطة غير نفطية قد تتباطأ، لكن تأثير ذلك على السلطنة أقل حدة من دول أخرى، وحتى لو تراجع النمو غير النفطي فإن ارتفاع الإيرادات النفطية يمكن أن يعوض، كما أشار إلى أن الحيز المالي قد يتيح دعم السلع أو دعم الأسر المتضررة عبر منظومة الحماية الاجتماعية إذا حدث تضخم في بعض السلع، مع توقعه أن الأثر على التضخم والنمو غير النفطي سيكون محدودًا.

قطاعات «غير متضررة» وأخرى «حساسة»

ورأى أن بعض القطاعات غير النفطية قد تظل أقل تأثرًا مثل الصناعات التحويلية ــ وبخاصة البتروكيماويات ــ إلى جانب القطاع السمكي والزراعي والاستهلاك المحلي، مع بروز القطاع السياحي كأكثر القطاعات حساسية على المدى القريب والمتوسط، وإلى جانبه قطاع العقارات الفارهة، مفسرًا ذلك بتغير نظرة العالم للمنطقة بعد أن كانت تُقدَّم كواحة للأمن والاستقرار وجودة الحياة، وأن هذا “الألق” قد يتلاشى بفعل الصراع.

عُمان «الأقل تأثرًا» لكنها بحاجة لجهد تواصلي

وأشار إلى أن سلطنة عمان قد تكون الأقل تأثرًا داخل المنظومة الخليجية، لكنها تبقى جزءًا من الصورة العامة التي قد يراها المستثمر والسائح باعتبار المنطقة وحدة واحدة، داعيًا إلى بذل جهد مضاعف لتوضيح أن ما ينطبق على دول تقع في «بؤرة الصراع» لا ينطبق بذات الدرجة على سلطنة عمان، مع التأكيد على أن تداعيات الحرب قد تمتد لما بعد انتهائها وفق السيناريوهات المحتملة.

سيناريوهات ما بعد الحرب.. و«تغيرات لعقود»

وتناول سيناريوهين رئيسيين: أحدهما سقوط النظام في إيران وما قد يخلقه ــ وفق رؤيته ــ من عدم استقرار بفعل اتساع إيران وتعدد قومياتها وما قد ينتج عنه من موجات توتر ولاجئين واضطراب ملاحي، والثاني صمود النظام وما قد يعنيه من تلاشي الثقة بين ضفتي الخليج وسباق تسلح وتغيير في أولويات الإنفاق من التنمية إلى الدفاع، مع طرح احتمال سباق تسلح نووي بوصفه سيناريو متوقعًا في ظل تصريحات دولية.

فرص مرحلية.. وموقع لوجستي يمكن استثماره

وفي سياق الفرص، قال إن الصراعات تفرض تحديات لكنها قد تخلق فرصًا، مشيرًا إلى أن موقع السلطنة خارج «بوتقة» مضيق هرمز ومجاورتها لخطوط التجارة العالمية قد يفتح هوامش، وذكر مثالًا لاتفاقية لطيران السلام لتسهيل انتقال عالقين عبر مطار مسقط، معتبرًا أن السلطنة يمكن أن تسهم في تخفيف بعض الصعوبات لدى دول خليجية أخرى.

«شريان بديل».. القطارات وخطوط الأنابيب

وعاد للتأكيد على فكرة لطالما طُرحت بشأن جعل سلطنة عمان شريانًا بديلًا لدول الخليج عند اضطرابات المضيق، معتبرًا أن الأزمة الحالية أثبتت واقعية الفكرة، داعيًا إلى تسريع مشروعات الربط اللوجستي والسككي بين الموانئ العُمانية والمنظومة الخليجية، بل وطرح إمكانية خطوط أنابيب مشتركة لتصدير النفط بعيدًا عن الخليج العربي، مؤكدًا أن المشروع تأخر لأسباب مالية وبينية، وأن الأزمة تحتم الإسراع في تنفيذه.

سلاسل التوريد والشحن..

وأشار إلى أن سلاسل التوريد قد تتأثر بسبب قرارات شركات شحن عالمية، مستشهدًا بتوقف حجوزات أو تقييدها لدى شركات مثل «كوسكو» و«ميرسك» وفق ما ذكر، مع ربط ذلك بعوامل التأمين وحدّة الصراع، وذكر أن بعض العمليات استثنت ميناء صلالة، وتحدث عن ارتفاعات في كلفة نقل النفط وصلت ــ بحسب ما أورد ــ إلى نحو 400 ألف دولار يوميًا للناقلة، ما يرفع التكلفة النهائية.

التاجر العُماني..

وقال إن التاجر بطبيعته يتكيف، وإن التاجر العُماني أقل تأثرًا لكون الموانئ خارج منظومة الصراع، لكنه قد يواجه عراقيل مرتبطة بسلاسل التوريد. ودعا إلى الاعتماد على منافذ أقل تأثرًا مثل صلالة عند الحاجة، ورأى أن الأزمة قد تفتح فرصة لتوريد السلع والخامات إلى دول خليجية تعاني نقصًا بسبب اختناق المضيق عبر الموانئ العُمانية والطرق البرية.

جذب الأموال..

وفي ملف جذب الاستثمارات، رأى أن الوضع المتأزم قد ينفّر المستثمرين لأن سلطنة عمان جزء من المنظومة الإقليمية، لكنه عاد ليصف عُمان بأنها الأقل تأثرًا والأكثر حيادًا، ما يمنحها فرصة بشرط بذل جهد أكبر لتثبيت صورة الاستثناء لدى المستثمرين والسياح. وأوضح أن رفع الفائدة لاستقطاب الأموال ليس خيارًا سهلًا بسبب ربط العملات الخليجية بالدولار، بما يجعل السياسة النقدية متأثرة بالفيدرالي الأمريكي، لكنه طرح بدائل مثل تقديم ضمانات للمستثمرين، وحوافز ضريبية، وقروض تيسيرية.

التاجر الصغير.. لا احتكار ولا تكديس

وأشار إلى أن التاجر الصغير يجب أن يطمئن لوجود السلع وتعدد المنافذ، داعيًا إلى عدم تكديس السلع أو احتكارها أو رفع الأسعار، مؤكدًا أن سلطنة عمان قطعت خطوات في الاحتياطات الغذائية للسلع الاستراتيجية، وأن المخزونات متوفرة لمدد طويلة، داعيًا للتعامل بمسؤولية.

سوق العمل.. دعم الأجور والقطاع اللوجستي

وعن سوق العمل، أشار إلى أن تباطؤ الأنشطة غير النفطية ــ إن حدث ــ قد يتركز في قطاعات مثل الطيران والسياحة والعقارات الفارهة، لكنه وصف الأثر في سلطنة عمان بأنه غير مقلق، وذكر رصد مئة مليون لدعم أجور التوظيف في القطاع الخاص، مع توقع أن الأنشطة اللوجستية قد تخلق فرصًا إضافية للشباب.

وفي ختام حديثه في «فوانيس الوصال»، عبّر عن رغبته في طمأنة المستمعين بأن عمان الأقل تأثرًا، وأن ارتفاع الإيرادات النفطية والغازية قد يوفر فائضًا يمكّن من معالجة أي تباطؤ غير نفطي، كما جدّد التأكيد على المخزون الغذائي الذي يكفي—بحسب ما ذكر—لأكثر من سبعة أشهر في أسوأ الظروف، داعيًا إلى عدم القلق، وإلى عدم استغلال الأزمة برفع الأسعار، وإلى متابعة توجيهات الجهات المعنية وعدم الانسياق وراء الشائعات، وختم بالدعاء بحفظ البلاد والمنطقة من ويلات الحروب.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو