الوصال ـ تناول الإعلامي حمود بن علي الطوقي أبعاد التوجه الاقتصادي المتنامي لسلطنة عُمان نحو القارة الإفريقية، معتبرًا أن الزيارات الأخيرة إلى بوتسوانا وأنجولا تمثل انتقالًا من العلاقات التاريخية مع شرق إفريقيا إلى مساحات أوسع من التعاون الاقتصادي والاستثماري، تتيح للشركات العُمانية الدخول إلى أسواق جديدة في قطاعات الطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والزراعة والصناعات الدوائية والبنية الأساسية.

وأوضح خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن العلاقات العُمانية مع إفريقيا تمتد تاريخيًا إلى قرون، وأن المرحلة الحالية تمنح البعد الاقتصادي مساحة أكبر عبر اتفاقيات ومذكرات تفاهم ومشروعات تستهدف نقل الخبرة العُمانية وفتح فرص للشركات والاستثمارات في القارة.  وأشار إلى أن زيارتي دولة قام بهما جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى بوتسوانا وأنجولا في سبتمبر الجاري؛ شهدت الزيارة إلى أنجولا توقيع 5 اتفاقيات و8 مذكرات تفاهم وبرنامج تنفيذي، فيما شهدت زيارة بوتسوانا توقيع 9 مذكرات اتفاق وتفاهم في مجالات متعددة.

أسواق جديدة للشركات العُمانية

ورأى الطوقي أن ما يميز الاتفاقيات الجديدة تنوع القطاعات التي تستهدفها، إذ تشمل الطاقة والخدمات اللوجستية والتعدين والزراعة والثروة السمكية والاقتصاد الأخضر، إلى جانب مشروعات البنية الأساسية، وهي مجالات قال إن لدى سلطنة عُمان والشركات الوطنية خبرات يمكن نقلها إلى الأسواق الإفريقية. وأشار إلى أن الموقع البحري لسلطنة عُمان وموانئها وخبرتها في سلاسل الإمداد تمنح الشركات العُمانية فرصة للاستفادة من حركة التجارة مع الأسواق الإفريقية، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدتها سلاسل التوريد خلال السنوات الأخيرة.

ولفت إلى أن وجود شركات من القطاع الخاص ضمن الاتفاقيات والمشروعات يعد مؤشرًا مهمًا، إذ لا يقتصر الحضور الاقتصادي الخارجي على الشركات الحكومية أو استثمارات جهاز الاستثمار العُماني، وإنما يمتد إلى شركات خاصة تسعى إلى دخول مشروعات في قطاعات الطاقة والنفط والغاز والخدمات المختلفة.

أنجولا.. سوق يحتاج إلى البنية الأساسية

وتوقف الطوقي عند السوق الأنجولي، مشيرًا إلى أن المشروعات المرتبطة بالمياه والطاقة والاستكشاف والإنتاج تحتاج إلى خبرات فنية وإدارية متقدمة، وهي مجالات تمتلك فيها بعض المؤسسات العُمانية تجربة تراكمية يمكن الاستفادة منها. وأوضح أن مشروعات تحديث شبكات المياه والطاقة وغيرها من أعمال البنية الأساسية لا تعتمد على التمويل وحده، وإنما تحتاج كذلك إلى المعرفة الفنية وإدارة المشروعات والتقنيات الحديثة، مستشهدًا بالتجربة العُمانية في إدارة شبكات المياه والفوترة الذكية.

وتشمل مذكرات التفاهم التي وقعت بين سلطنة عُمان وأنجولا مجالات الطاقة، بما فيها فرص الشراكة في أنشطة النفط والغاز، إلى جانب مشروع للطاقة المتجددة بقدرة 500 ميجاوات مع نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات، فضلًا عن تعاون في الخدمات والتقنيات المرتبطة بالحقول النفطية.  وأضاف الطوقي أن السوق الأنجولي يمكن أن يستوعب كذلك منتجات صناعية عُمانية، في ظل اعتماد جانب من السوق هناك على الواردات، معتبرًا أن ذلك يتيح فرصًا أمام المصنعين والمصدرين في سلطنة عُمان إذا اقترنت الاتفاقيات بجهود مستمرة للتسويق والترويج والوصول إلى المشترين.

الطيران المباشر بوابة للاستثمار

وأكد الطوقي على أهمية الربط الجوي في دعم العلاقات الاقتصادية الجديدة، معتبرًا أن المستثمر يحتاج إلى سهولة الوصول إلى السوق التي يرغب في العمل بها، وأن طول الرحلة وتعدد محطات التوقف يمكن أن يشكلا عائقًا أمام حركة رجال الأعمال والوفود التجارية. ودعا إلى دراسة جدوى تشغيل رحلات مباشرة إلى أنجولا في ضوء تطور العلاقات الاقتصادية، موضحًا أن الوصول غير المباشر يضطر المسافر إلى استخدام شركات طيران أخرى والمرور بمحطات إضافية، في حين يمكن للربط المباشر أن يخدم التجارة والاستثمار والسياحة في آن واحد.

وأوضح أن المسألة تحتاج بطبيعتها إلى موازنة بين الجدوى التجارية المباشرة للخط الجوي وبين دوره في دعم قطاعات اقتصادية أخرى، مؤكدًا أن القرار يبقى مرتبطًا بالدراسات التي تجريها الجهات المختصة وشركات الطيران.

بوتسوانا.. التعدين والدواء والطاقة

وفي حديثه عن بوتسوانا، أشار الطوقي إلى الفرص التي توفرها قطاعات التعدين والطاقة والزراعة والبنية الأساسية، لافتًا إلى أهمية الاستفادة من خبرات البلد وإمكاناته في المعادن وربطها بالأنشطة الاستثمارية والصناعية في سلطنة عُمان.  وتضمنت المذكرات الموقعة خلال زيارة جلالة السلطان إلى بوتسوانا التعاون في الأمن الدوائي والإمداد الصيدلاني والاستثمار، إلى جانب التنقيب التعديني وأمن الطاقة وترويج الاستثمار والخدمات الجوية.

ورأى الطوقي أن اتفاق التعاون في المجال الدوائي يمكن أن يفتح مجالًا جديدًا أمام الصناعات الدوائية العُمانية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن القطاع ما يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير ورفع قدرته التنافسية، في ظل استمرار الاعتماد على استيراد جزء كبير من الاحتياجات الدوائية.  وأكد أن التوسع في الأسواق الخارجية لا يتحقق بمجرد وجود اتفاقيات، وإنما يحتاج إلى دراسات فنية وتطوير المنتجات وقدرتها على المنافسة، إضافة إلى بناء قنوات تسويق وتوزيع تستفيد منها المصانع القائمة في سلطنة عُمان.

فرص للشركات الصغيرة والمتوسطة

وأكد الطوقي أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تستطيع الاستفادة بصورة مباشرة وغير مباشرة من التوسع الاقتصادي في إفريقيا، سواء بالدخول إلى الأسواق بنفسها أو عبر العقود والخدمات المرتبطة بالمشروعات التي تنفذها الشركات الأكبر. وأشار إلى أن بعض المؤسسات العُمانية الصغيرة والمتوسطة استطاعت خلال السنوات الماضية فتح مكاتب وأعمال في أسواق خارجية مثل الصين والسعودية ومصر، معتبرًا أن أنجولا وبوتسوانا يمكن أن تمثلا بدورهما وجهتين جديدتين للشركات التي تمتلك منتجات أو خدمات قادرة على المنافسة.

وأضاف أن المؤسسات الكبيرة المنفذة للمشروعات تحتاج عادة إلى سلاسل من الموردين ومقدمي الخدمات والمقاولين الفرعيين، وهو ما يمكن أن يفتح مسارات أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة العُمانية إذا جرى إعدادها وربطها بهذه المشروعات.

رواندا نموذج للتوسع الإفريقي

واستشهد الطوقي بتطور العلاقات مع رواندا لتوضيح أهمية الربط بين الدبلوماسية والاقتصاد والنقل الجوي، مشيرًا إلى أن وجود رحلات بين مسقط وكيغالي واتساع العلاقات بين البلدين يدعمان حركة الأشخاص والتجارة والاستثمار. وقال إن ارتفاع الإقبال على الرحلات إلى كيغالي يعكس وجود حركة متنامية بين الجانبين، إلى جانب امتداد اجتماعي وتجاري عُماني تاريخي في شرق إفريقيا، معتبرًا أن هذه التجربة يمكن الاستفادة من دروسها عند توسيع الحضور نحو أسواق إفريقية أخرى.

بنك لتمويل التوسع

وتطرق الطوقي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  إلى أهمية وجود قنوات مصرفية قادرة على خدمة الشركات والمستثمرين المتجهين إلى الأسواق الإفريقية، مشيرًا إلى مشروع البنك العُماني الإفريقي في أنجولا وما يمكن أن يؤديه من دور في تسهيل حركة الأموال وتمويل الاستثمارات وربط المؤسسات المصرفية بين الجانبين.  وأوضح أن الاستثمار الخارجي يحتاج إلى منظومة مالية تسانده، خاصة مع اختلاف الأنظمة المصرفية والقيود المرتبطة بتحويل العملات في بعض الأسواق، معتبرًا أن وجود مؤسسة مصرفية مرتبطة بالجانبين يمكن أن يسهم في معالجة جزء من هذه التحديات ودعم الشركات الراغبة في التوسع.

وأضاف أن البنك يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات بين المصارف العُمانية والمؤسسات المالية في أنجولا، إلى جانب نقل الخبرات المصرفية وتوفير خدمات للشركات التي تدخل السوق الإفريقي.  وأكد الطوقي في ختام حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  أن المرحلة المقبلة تتطلب من القطاع الخاص وغرفة تجارة وصناعة عُمان والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الكبرى تحويل ما أتاحته الاتفاقيات إلى أعمال ومشروعات فعلية، معتبرًا أن نجاح التوجه نحو إفريقيا سيقاس بحجم التجارة والاستثمارات والشركات العُمانية التي تتمكن من دخول تلك الأسواق والاستمرار فيها.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو