معالي عبدالسلام المرشدي لـ »الوصال« : جهاز الاستثمار يقود نقلة نوعية ويؤسس مركز عُمان المالي العالمي ليجعل البلاد محطة جاذبة لرؤوس الأموال الدولية
العهد السعيد
الوصال ــ استعرض معالي عبد السلام المرشدي، رئيس جهاز الاستثمار العُماني، خلال حديثه في برنامج «العهد السعيد» مع سالم العمري على إذاعة «الوصال»، ملامح التحول المفصلي الذي شهده الصندوق السيادي خلال السنوات الخمس الماضية، ودوره في رفد الميزانية العامة للدولة وتعزيز النمو الاقتصادي وتنويع الاستثمارات داخل سلطنة عُمان وخارجها، مؤكدًا أن إنشاء الجهاز في عام 2020 شكّل «لحظة جوهرية» في مسيرة الاستثمار الوطني.
تحول مفصلي في دور الصندوق السيادي
وأوضح معاليه أن تحويل «صندوق الاحتياطي العام للدولة» إلى «جهاز الاستثمار العُماني» مع إضافة الأصول المملوكة للحكومة آنذاك مثّل نقطة انتقالية مهمة، انتقلت معها الاستثمارات من التركيز على الخارج فقط إلى مسارين متوازيين: استثمارات خارج سلطنة عُمان، واستثمارات داخلية مرتبطة مباشرة بتنمية الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن مبلغ «800 مليون ريال عُماني» الذي يرفد به الجهاز الموازنة العامة سنويًّا هو رقم عام يمكن أن يتغير، إلا أن الأهم هو ما يرافقه من أدوار أخرى تشمل الإسهام في التنويع الاقتصادي، وخلق وظائف نوعية تتناسب مع مخرجات الجامعات، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وروّاد الأعمال عبر حزمة خيارات تمويلية واستثمارية متنوعة.
أداء مالي متقدم ومراكز عالمية متقدمة
وبيّن معالي عبد السلام المرشدي أن الجهاز حقق خلال الفترة الماضية نموًّا في صافي الأرباح بلغ في عام 2024 نحو «8.9 بالمائة»، موضحًا أن هذا النمو تحقّق من أرباح الجهاز دون تلقي زيادات في رأس المال من الحكومة، بل رغم قيام الجهاز بتحويل مبالغ سنوية لدعم الميزانية العامة للدولة.
وأضاف أن الصناديق السيادية تُقاس قوتها من خلال متوسط أدائها على مدى فترات طويلة، مشيرًا إلى أن متوسط أداء الجهاز خلال السنوات الخمس الماضية يناهز «10 بالمائة» سنويًّا، وهو ما وضعه في المرتبة «الثامنة عالميًّا» في عام 2024، إلى جانب حصوله على مراكز متقدمة في مجالات الحوكمة والاستدامة، حيث يحتل المرتبة «الثالثة عالميًّا» في هذا الجانب، وهو إنجاز يَعُدّه معاليه مصدر فخر للصندوق السيادي العُماني.
«سكين سويسرية» تجمع محفظة الأجيال والتنمية الوطنية
وأشار معاليه إلى أن فلسفة الصناديق السيادية تاريخيًّا تقوم على عدم استئثار جيل واحد بالثروة وادخارها للأجيال القادمة، مع توفير احتياطيات تُستفاد منها في أوقات الأزمات بدل اللجوء إلى الاقتراض، فضلًا عن دورها في تنمية الاقتصاد وتهيئة بيئة الخصخصة.
وأوضح أن جهاز الاستثمار العُماني يجمع هذه الأدوار مجتمعة، واصفًا إياه بـ«السكين السويسري» الذي يؤدي أكثر من وظيفة في آن واحد؛ فهو صندوق أجيال، وأداة لدعم الموازنة، وذراع للتنويع الاقتصادي، ومنصة لتمكين الخصخصة وجذب الاستثمارات.
ولفت إلى أن النموذج العُماني اختار عدم الفصل بين محفظة الاستثمارات الخارجية ومحفظة التنمية الوطنية، بل ربط بينهما برؤية واحدة؛ فكل استثمار خارجي يُسأل: «ماذا يمكن أن يقدّم للاقتصاد العُماني؟»، موضحًا أنه يُشترط – على سبيل المثال – في بعض الاستثمارات الخارجية في مصانع الأدوية أن تُنشأ خطوط إنتاج أو مراكز توزيع في سلطنة عُمان لنقل التقنية وتعزيز القيمة المضافة داخل البلاد.
استثمارات تقنية واستراتيجية عابرة للحدود
وتطرّق معالي رئيس جهاز الاستثمار العُماني إلى الاستثمارات في قطاع التقنية، مشيرًا إلى أن الجهاز يتتبّع الفرص التقنية في مختلف الأسواق؛ فإن وُجدت في الولايات المتحدة استثمر عبر صناديق مختصة في «وادي السليكون»، وإن وُجدت في الصين دخل عبر صناديق مشتركة متخصصة.
وضرب مثالًا باستثمار الجهاز في شركة «سبيس إكس»، موضحًا أن الدخول تم عبر «الاستثمار المشترك» إلى جانب صندوق استثماري يعد أحد المؤسسين الرئيسيين للشركة، كما أشار إلى صناديق مشتركة مع الصين تركز على التقنيات المالية، والأقمار الاصطناعية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتقنيات الطبية، بما يُتيح ربط هذه الاستثمارات بالاقتصاد العُماني وبشراكات مع القطاع الخاص المحلي.
وفيما يتصل بالدبلوماسية الاقتصادية، أكد معاليه أن سلطنة عُمان أصبحت نموذجًا يُستشهد به عالميًّا في الربط بين السياسة والاستثمار، منوّهًا إلى أن زيارات جلالة السُّلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – أسهمت في فتح آفاق واسعة لتأسيس صناديق مشتركة مع دول مختلفة، مثل أذربيجان وإسبانيا وغيرها، بحيث تستثمر هذه الصناديق في ممكنات «ممرات لوجستية عابرة للحدود»، وتمكّن سلطنة عُمان من أن تكون محطة رئيسية في الممرات الاقتصادية الجديدة، مع اشتراط أن تخدم هذه الاستثمارات الاقتصاد الوطني عبر التصنيع، أو إعادة التصدير، أو جعل عُمان مركز توزيع إقليمي.
فرص واعدة في أفريقيا والموارد الطبيعية
واستعرض معاليه توجه الجهاز نحو القارة الأفريقية، موضحًا أن أفريقيا تُعد من أغنى قارات العالم بالموارد الطبيعية، وأن العديد من هذه الموارد يمثّل «العصب» لصناعات تقنيات المستقبل.
وبيّن أن حياد سلطنة عُمان وسجلها الإيجابي في علاقاتها الخارجية جعلا استثماراتها مقبولة في كثير من الدول الأفريقية، وأن ما يميّز التجربة العُمانية هو العمل بروح الشراكة ونقل المعرفة، بخلاف بعض التجارب الخارجية التي لم تترك أثرًا تنمويًّا حقيقيًّا في البلدان المضيفة.
وأشار إلى أن من بين أهداف الجهاز في أفريقيا بناء احتياطيات من الذهب والمعادن الأخرى عبر الاستثمار في المناجم الإنتاجية، بدل شراء الذهب من الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة، مبينًا أن عُمان دخلت لاعبًا قويًّا في الذهب والنحاس والألماس، وبدأت تجني ثمارًا جيدة من حيث الإنتاج والمبيعات وصافي الأرباح.
وفي ما يتعلق بالمخاطر، أوضح أن الجهاز يدرس المخاطر الأمنية والتشريعية بعناية، وأن مبدأه هو «المخاطرة المحسوبة»؛ بحيث لا يقف متفرجًا بينما تتقدم دول أخرى، وفي الوقت ذاته يبقى قادرًا – إذا حدثت أي طارئ – على حماية استثماراته أو الحد من خسائرها.
الصناعة، السياحة والاقتصاد الرقمي في قلب الأولويات
وأوضح معالي عبد السلام المرشدي أن الربط بين «محفظة الأجيال» الخارجية و«محفظة التنمية الوطنية» قوي جدًّا، مشيرًا إلى أن الجهاز يعمل على دعم القطاعات التي تشكّل أولويات في الخطط الخمسية المقبلة، مثل الصناعة التحويلية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي.
وفي قطاع السياحة، كشف عن تأسيس صندوق مشترك مع أحد أكبر اللاعبين العالميين في السياحة مقره كندا، يملك أسطولًا كبيرًا من الطائرات العريضة البدن وسفن الرحلات البحرية، ويضم شبكة واسعة من شركات تشغيل الرحلات السياحية، مبينًا أن هذا الصندوق يهدف إلى الاستثمار في سلطنة عُمان، مع التركيز على تنشيط التجربة السياحية والترويج للمقاصد العُمانية، وإنْ تضمن ذلك استحواذات خارجية تُسهم في توجيه الأفواج السياحية إلى عُمان.
وفي الاقتصاد الرقمي، أكد أن سلطنة عُمان تقود المنطقة من حيث «البنية التحتية الرقمية»؛ إذ تستحوذ على أكثر من ٦٠ بالمائة من الكابلات البحرية في دول مجلس التعاون، إلى جانب توافر الطاقة النظيفة، ما يؤهلها لاستقطاب مراكز بيانات خضراء ومشاريع تقنية متقدمة، محذرًا من تكرار تجربة فقدان ميزة الموقع الجغرافي في قطاع الشحن البحري لصالح دول سبقت عُمان بالممكنات والجاهزية.
الوظائف النوعية واستعداد المجتمع للتقنية
وأكد معالي رئيس جهاز الاستثمار العُماني على أن «الوظائف النوعية» هي محور رئيس في تفكير الجهاز والشركات التابعة له، موضحًا أن التقنية ستلغي كثيرًا من الوظائف اليدوية والوظائف المعتمدة فقط على الحفظ واسترجاع المعلومات، وستبقي الوظائف المرتبطة بالابتكار وإدارة الأنظمة الذكية.
وبيّن أن الجهاز يدمج مؤشرات الاقتصاد الرقمي والابتكار ضمن بطاقات الأداء السنوية للشركات التابعة، ويركّز في تقييم المشاريع الجديدة على خلق وظائف نوعية وجلب التقنيات إلى داخل سلطنة عُمان، مؤكدًا أن مسؤولية الاستعداد لعصر التقنية لا تقع على الجهاز وحده، بل تتطلب تكاملًا مع الوحدات الحكومية الأخرى والقطاع الخاص ومؤسسات التعليم.
وأشار كذلك إلى حرص الجهاز على تأهيل الكوادر الوطنية داخل الجهاز وفي الشركات التابعة، واستقطاب الكفاءات المتميزة، إلى جانب الالتزام بأرقام سنوية لتوفير فرص عمل، غالبًا ما يتجاوزها الجهاز عمليًّا من خلال المشاريع الجديدة، مع مراعاة ظروف كل شركة وخططها للتعافي أو التوسع.
شراكة مع القطاع الخاص لا منافسة معه
وأكد معالي عبد السلام المرشدي أن جهاز الاستثمار العُماني ينظر إلى القطاع الخاص بوصفه «شريكًا أساسيًّا» لا منافسًا، موضحًا أن الجهاز يحرص على الدخول في المشاريع التي يعجز القطاع الخاص الحالي عن تنفيذها منفردًا، سواء لحجمها أو لتعقيدها أو لاحتياجها إلى تقنيات متقدمة.
وأفاد بأن الجهاز طوّر منهجيته في السنوات الأخيرة، بحيث لا يملك المشروعات الجديدة بنسبة 100 بالمائة، بل يشترط – كقاعدة عامة – ألا تزيد حصة شركاته عن «40 بالمائة»، مع فسح المجال للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي للمشاركة من اليوم الأول، ولا يتجاوز نسبة «51 بالمائة» إلا في حالات استراتيجية محدودة تُراعى فيها مصلحة الدولة.
وأضاف أن شركات الجهاز تنفّذ سنويًّا مشاريع تنموية داخل سلطنة عُمان تتراوح قيمتها بين «1.5 و2 مليار ريال عماني»، وأن تنفيذ هذه المشاريع يتم عبر شركات المقاولات والموردين من القطاع الخاص، بما يرسّخ دور الجهاز كممكّن للقطاع الخاص وشريك في توسيع قاعدته الإنتاجية.
التخارج وبورصة مسقط.. قصص نمو جديدة
وتحدّث معاليه عن سياسة «التخارج» من الشركات، موضحًا أن لدى الجهاز خطة خمسية تحدّد نحو 30 شركة يُعتزم التخارج منها، مع اختيار 5 إلى 6 شركات سنويًّا بحسب جاهزيتها، سواء من حيث استقرار الإيرادات والأرباح، أو نضج الحوكمة والشفافية، أو ملاءمة ظروف السوق واستعداد المستثمرين المحليين والأجانب.
وأشار إلى أن التخارج قد يتم عبر إدراج الشركات في «بورصة مسقط» أو عبر استقطاب مستثمر استراتيجي، مع التأكيد على أن التوقيت يخضع لتقييم دقيق لأوضاع السوق وسيولة المستثمرين، وأن بعض الحالات قد تستدعي التأجيل أو تقديم شركات أخرى جاهزة للتخارج.
وفي ما يتعلق ببورصة مسقط، أوضح معالي عبد السلام المرشدي أن السوق شهدت قفزة كبيرة بعد حزمة من الإجراءات، منها رفدها بشركات جديدة وتحسين الحوكمة واستقطاب المستثمرين الأجانب، مبينًا أن حجم التداول ارتفع من نحو «650 مليون ريال عماني» في 2021 إلى قرابة «3 مليارات ريال عماني» في 2025، وأن المؤشر العام تجاوز حاجز 400 نقطة وصولًا إلى قرابة 600 نقطة، ما عزز ثقة المستثمر طويل الأمد.
ولم يستبعد معاليه إمكانية طرح جزء من ملكية البورصة نفسها للاكتتاب في المستقبل، مؤكدًا أن الفكرة «مطروحة» لكن تحديد موعدها يحتاج إلى دراسة سوقية دقيقة وتوافق بين الأطراف المعنية.
مشاريع قادمة في الأمن الغذائي والقطاعات الواعدة
استعرض معالي رئيس جهاز الاستثمار العُماني عددًا من المشاريع التي بدأ تنفيذها أو يجري التحضير لإطلاقها، لاسيما في مجال الأمن الغذائي، موضحًا أن سلطنة عُمان تتجه إلى التحول من دولة مستوردة إلى دولة مصدِّرة لـ«البروتين» عبر مشاريع متقدمة في اللحوم الحمراء والبيضاء.
وكشف عن مشروع كبير لاستزراع «الروبيان» في ولاية الجازر، يعد من أكبر المشاريع العالمية في هذا المجال، وسيُسهم في توفير وظائف نوعية وتعزيز الصادرات الغذائية لسلطنة عمان، إلى جانب مشاريع لتحديث أساليب الصيد التقليدي عبر التدريب وتوفير قوارب وتجهيزات حديثة.
كما أشار إلى مشاريع قادمة في التعدين والاقتصاد الرقمي، وإلى أن إنشاء «مركز عُمان المالي العالمي» سيضيف بعدًا جديدًا للاقتصاد الوطني من خلال جذب رؤوس الأموال العالمية إلى بيئة آمنة ومرنة، بما ينعكس إيجابًا على مجمل القطاعات الخدمية والإنتاجية في سلطنة عُمان.
وفي ختام حديثه في برنامج «العهد السعيد»، عبّر معالي عبد السلام المرشدي عن تقديره لفريق جهاز الاستثمار العُماني ولكل الشركاء في القطاعين العام والخاص، مؤكدًا أن هدف الجهاز هو «خدمة عُمان ورفعتها» عبر استثمارات متوازنة تراعي حقوق الأجيال الحالية والقادمة، وتُسهم في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
لمتابعة حلقة «العهد السعيد» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


