الوصال ــ تحدّثت الدكتورة مريم بنت علي الهنائية، أستاذ مساعد في مجال التواصل بين الثقافات بقسم اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعة السلطان قابوس، عبر برنامج «منتدى الوصال»، عن دراسةٍ بحثيةٍ حملت عنوان «إعادة تخيّل اقتصاد المعرفة.. دعوة نقدية لإعادة تمركز العلوم الإنسانية في التعليم العالي العُماني»، وقدّمت من خلالها قراءةً تستند إلى واقع الكليات الإنسانية والاجتماعية وما تواجهه من تراجعٍ عالمي ومحلي في الحضور والدعم، في مقابل تصاعد الخطاب الذي يختزل اقتصاد المعرفة في العلوم التقنية والتطبيقية.

سؤال التعليم العالي

وبيّنت أن الدراسة انطلقت من تساؤلٍ جوهري: هل دور التعليم العالي إنتاج مهارات وظيفية فقط، أم بناء «وعي نقدي» و«مسؤولية معرفية» و«انتماء ثقافي»؟ موضحةً أن اختزال التقدم في التقنية يهمّش الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والثقافية، ويحوّل المعرفة إلى قيمة اقتصادية فقط، بينما ترى الدراسة أن العلوم الإنسانية ركيزة في بناء اقتصاد معرفي «متوازن» و«مستدام» يضع الإنسان في مركز السياسات التعليمية.

منحٌ ومشاريع

وأشارت إلى أن اهتمامها بالموضوع تعمّق منذ «2022»، مستعرضةً محطات مشاريع بحثية بدأت بمقترح لدراسة واقع العلوم الاجتماعية والإنسانية داخل الجامعة، ثم تطوّر المشروع بدعم «منحة بحثية» امتدت لعامين، قبل أن يتوسع لاحقًا بمنحة أخرى أشمل، لتشمل دراسة واقع العلوم الإنسانية والاجتماعية عبر أربع جامعات هي: «جامعة السلطان قابوس»، و«جامعة الشرقية»، و«جامعة ظفار»، و«جامعة نزوى»، لافتةً إلى أن الورقة المنشورة جاءت «مفاهيمية» لكنها تستند إلى «الواقع» الذي يعيشه الأكاديميون في الكليات الإنسانية.

المعرفة المحلية

وتطرقت إلى إشكالية اعتماد الأسئلة والأدوات والنظريات البحثية على مصادر خارجية، معتبرةً أن ذلك يجعل المعارف المتداولة لا تُجيب بما يكفي عن مشكلات المجتمع المحلي، ولا تعكس أولوياته، وهو ما يفتح بابًا للسؤال حول «من يصنع المعرفة؟» و«من له الحق في إنتاجها؟» وكيف يمكن أن يُعاد توجيه البحث العلمي نحو «معارف محلية» وأدوات أكثر اتصالًا بالواقع العُماني.

إعادة التمركز

وأوضحت أن مفهوم «إعادة تمركز العلوم الإنسانية» يرتبط برصد تراجع تدريجي تشهده هذه التخصصات، مع تصاعد التركيز على مجالات «STEM» بوصفها الأقرب لمؤشرات اقتصاد السوق، مبينةً أن بعض المؤشرات المتداولة لا تنطبق على طبيعة العمل الأكاديمي في الكليات الإنسانية، وأن التمويل والنشر وفرص الدعم تميل غالبًا لصالح التخصصات العلمية والهندسية، وهو ما يعمّق الإحساس بـ«التهميش» ويُضعف قدرة العلوم الإنسانية على أداء دورها في بناء الوعي والقيم وترسيخ الهوية.

التعليم سلعة

ولفتت إلى أن التحولات العالمية جعلت التعليم العالي يتأثر بقوة بمنطق «اقتصاد السوق»، بحيث بات يُنظر إلى التعليم بوصفه «سلعة» تُقاس قيمتها بالعائد الاقتصادي، ومع هذا المنظور يتزايد الضغط للتركيز على «قابلية التوظيف» كمؤشر وحيد، فيما تؤكد الدراسة أن مشروع الجامعة أوسع من إنتاج وظائف؛ إذ يشمل بناء الإنسان المتوازن، وترسيخ الثقافة، وتعزيز المبادئ والأخلاق، وصناعة الوعي النقدي.

واقعية الطرح

وتناولت جانب «الواقعية» في النقاش حول ارتباط التعليم بسوق العمل، مبينةً أن وصف العلوم الإنسانية بأنها «ترف» ناتج عن تعريف ضيق للقيمة باعتبارها اقتصادية فقط، في حين أن تراجع البعد الإنساني ينعكس على المجتمع في صورة خللٍ في «الوعي الأخلاقي»، وتراجع «الانتماء»، وضعف «المسؤولية الاجتماعية»، وما يرافق ذلك من تأثيرات متزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي على الأجيال الشابة، معتبرةً أن استمرار هذا المسار قد ينعكس حتى على مسارات «التنمية المستدامة».

تكامل التخصصات

وأفادت بأن الدراسة لا تدعو إلى إقصاء العلوم التقنية، بل إلى «التكامل» بين المجالات، مشيرةً إلى أهمية «التخصصات البينية» التي تجمع بين العلوم الإنسانية والعلمية، بوصفها مسارًا يساعد على إنتاج معرفة أكثر شمولًا وقدرةً على خدمة الإنسان، وذكرت نموذج «الإنسانيات الرقمية» باعتباره مثالًا على دمج التكنولوجيا بالعلوم الإنسانية بما يفتح آفاقًا عملية جديدة ويعيد صياغة أدوات البحث والاشتغال المعرفي.

خطاب وسياسات

ووصفت العلاقة بين «الخطاب المجتمعي» و«السياسات التعليمية» بأنها متبادلة التأثير؛ فالصورة الذهنية السائدة حول جدوى التخصصات الإنسانية تنعكس على القرارات والقبول والابتعاث والتمويل، وفي المقابل تُعيد السياسات إنتاج تلك الصورة عبر مؤشرات تُفضّل التخصصات التقنية وتضعف الثقة العامة بالمسارات الإنسانية، وهو ما يتطلب إعادة نظر في المؤشرات وآليات التقييم بما ينسجم مع «رؤية عُمان 2040» و«الاستراتيجية الثقافية».

رسالة لصنّاع القرار

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية للدراسة تتجه إلى «صنّاع القرار» و«صنّاع السياسات» ومنفّذيها، عبر الدعوة إلى مواءمة سياسات التعليم العالي مع «الرؤية» و«الاستراتيجية الثقافية»، وفتح المجال أمام تخصصات ومقاربات بحثية جديدة، وكسر العزل بين التخصصات داخل «صناديق» منفصلة، بما يسمح بإنتاج معرفة محلية فاعلة، والانتقال من دور «مستهلك المعرفة» إلى دور «منتج المعرفة»، بما يخدم المجتمع ويعزز حضوره في اقتصاد المعرفة دون التفريط في القيم والهوية.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو