علي العجمي لـ«الوصال»: تصميم العطور لا يتم بالصدفة.. والخلطات غير المدروسة قد تحول الرائحة إلى خطر على المستهلك
منتدى الوصال
الوصال ـ بيّن مصمم العطور العُماني علي العجمي أن تصميم العطر لا يقوم على خلط الروائح بصورة عشوائية، وإنما يستند إلى دراسة مهنية تجمع بين الحس الفني والمعرفة الكيميائية، موضحًا أن المصمم يسعى إلى تحويل المشاعر والأماكن والذكريات إلى تركيبات عطرية يمكن التعبير عنها داخل زجاجة. وقال خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال إن مصمم العطور يشبه العازف؛ فكلاهما يحتاج إلى الموهبة والذائقة والمعرفة، مشيرًا إلى أن بناء الرائحة الطبيعية قد يعتمد أحيانًا على إعادة صياغتها باستخدام مواد صناعية تحقق استدامة أكبر وتكلفة أقل، وقد تكون في بعض الحالات أكثر أمانًا من بعض الزيوت الطبيعية المسببة للحساسية.
وأوضح أن صناعة العطور تخضع لمعايير تحدد النسب المسموح بها لبعض المركبات، فيما تحظر مواد أخرى بحسب نتائج الدراسات المتعلقة بتأثيراتها، ولذلك فإن مسؤولية المصمم تشمل التأكد من عدم تجاوز أي مادة للحدود المقررة في المنتج النهائي.
طموح عالمي
وأشار العجمي إلى أن مسيرته بدأت بطموح لإثبات حضوره في سوق سلطنة عُمان، ثم الوصول إلى دول مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يضع السوق العالمي ضمن أهدافه المقبلة. وأضاف أن دراسته في إحدى المدارس المتخصصة بالعطور في فرنسا كانت خطوة لفهم الصناعة بصورة أعمق، وبناء علاقات مع العاملين في هذا القطاع، والتعرف على متطلبات الانتقال من السوق المحلي إلى الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن الجانب العلمي وحده لا يكفي للوصول إلى العالمية، إذ يحتاج المصمم كذلك إلى فريق متخصص في التسويق وبناء العلامة التجارية والوصول إلى الأسواق. وذكر أن مصمم العطور المستقل في السوق المحلي يتحمل في أحيان كثيرة مهام التصميم والتسويق والبيع والإدارة في الوقت نفسه، بينما تعمل الشركات العالمية من خلال فرق متخصصة لكل جانب من هذه الجوانب.
فرص السوق
ورأى العجمي أن سوق العطور في سلطنة عُمان ودول الخليج لا يزال قادرًا على استيعاب علامات جديدة، وأن كثرة المشاريع لا تعني بالضرورة تشبع السوق. وأوضح أن بعض العلامات الجديدة تكون امتدادًا لتجارب سابقة يعيد أصحابها بناءها بعد اكتساب الخبرة وفهم أخطاء المراحل الأولى.
وأكد أن نجاح المنتج لا ينبغي أن يعتمد فقط على ذائقة صاحب العلامة، وإنما على اختبار العطر لدى مجموعة من المستهلكين قبل طرحه. وأشار إلى أنه يوزع ما بين 20 و50 عينة تقريبًا قبل اعتماد بعض الإصدارات، للحصول على آراء يمكن الاستناد إليها في تقييم التركيبة قبل وصولها إلى السوق.
هوية عُمانية
ووصف العجمي العطر بأنه أكثر من مجرد رائحة، إذ يمكن أن يتحول إلى هوية ثقافية وسياحية تعكس المكان وذاكرته وموروثه.
وأشار إلى أن بعض العلامات العُمانية استطاعت أن تقدم سلطنة عُمان عالميًا من خلال ارتباط منتجاتها باللبان والورد والمواقع الطبيعية والموروث المحلي. وروى أنه التقى خلال دراسته في فرنسا شخصًا من كندا أبدى رغبته في زيارة سلطنة عُمان بعدما تعرف عليها من خلال المحتوى الذي تقدمه إحدى العلامات العطرية العُمانية.
وأضاف أن صناعة العطور تستطيع استحضار الذكريات والمشاهد والأماكن، وهو ما يمنح المنتج قيمة تتجاوز الرائحة إلى تجربة متكاملة.
رائحة مطرح
وتحدث العجمي خلال برنامج «منتدى الوصال» عن أول تجربة له في تصميم عطر لإحدى العلامات العُمانية، موضحًا أن المطلوب كان ابتكار عطر يعتمد على اللبان العُماني. وأشار إلى أنه لم يكتف برائحة اللبان منفردة، وإنما استوحى التركيبة من سوق مطرح، جامعًا بين رائحة اللبان والطين والسعفيات والبخور وأجواء السوق القديم.
وذكر أن العطر حمل اسم «Green Gold» أو «الذهب الأخضر»، في إشارة إلى اللبان العُماني، ولاقي إقبالًا عند طرحه في معرض للعطور في سلطنة عُمان، ثم بيع كامل الكمية التي عرضت لاحقًا في معرض بالكويت.
«المتوسم»
وكشف العجمي عن اختياره اسم «المتوسم» لعلامته العطرية الخاصة، موضحًا أن الكلمة تحمل معنى الاستشراف والنظرة الثاقبة والفراسة. وأشار إلى أن أول إصدار حمل اسم «عود الحكمة»، وهو عطر موسمي يعتمد على مزيج من أدهان العود والورد وبعض المواد الطبيعية. وأضاف أن هذا الإصدار يطرح مرة واحدة سنويًا، فيما كانت معظم كمية الإصدار الثالث المرتقب محجوزة مسبقًا.
خبراء العطور
وتطرق العجمي إلى انتشار من يصفون أنفسهم بخبراء ومحللي العطور على منصات التواصل الاجتماعي، موضحًا أن هناك فرقًا بين من يمتلك قدرة حقيقية على تحليل التركيبة ومن يكتفي بحفظ المعلومات المنشورة على الإنترنت. وقسم المتحدثين في المجال إلى من يستطيع تحليل بنية العطر بصورة علمية، ومن يعيد وصف المعلومات المتاحة عن مكوناته، وفئة ثالثة تتحدث دون معرفة كافية.
وحذر من الاعتماد الكامل على توصيات المراجعين عند الشراء، خصوصًا عندما يقدم العطر على أنه منتج لا غنى عنه أو يناسب الجميع. ونصح المستهلك بتجربة العطر بنفسه قبل دفع قيمته، مؤكدًا أن «الشراء الأعمى» قد يؤدي إلى إنفاق مبالغ على منتجات لا تتناسب مع الذائقة الشخصية.
الثبات ليس معيارًا
وانتقد العجمي المبالغة في قياس جودة العطر بعدد الساعات أو الأيام التي يبقى فيها على الملابس أو الجلد. وأوضح أن بعض المستهلكين أصبحوا يبحثون عن الفوحان والثبات أكثر من استمتاعهم بالرائحة نفسها، رغم أن الاستخدام يختلف بحسب المناسبة والمكان.
وأشار إلى أن العطر الذي يناسب مساحة مفتوحة أو مناسبة اجتماعية قد لا يكون ملائمًا لمكتب مغلق أو بيئة عمل يوجد فيها أشخاص يعانون من الحساسية. ولفت إلى أن احترام الآخرين جزء من ثقافة استخدام العطور، لأن الرائحة القوية قد تسبب الصداع أو الحساسية لبعض الموجودين.
مواد مسببة للحساسية
وأوضح العجمي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن حتى العطور الأصلية قد تحتوي على مركبات تسبب الحساسية لبعض الأشخاص، وأن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنتج رديء. وأشار إلى أن التشريعات المتعلقة بالإفصاح عن المواد المسببة للحساسية توسعت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يصب في مصلحة المستهلك والتاجر معًا.
وبيّن أن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر، فمادة لا تؤثر في مستخدم قد تسبب العطس أو الصداع أو تهيجًا لدى شخص آخر. وأضاف أن طبيعة الجسم تؤثر كذلك في ثبات العطر وتفاعله مع البشرة، ولذلك قد تظهر الرائحة بصورة مختلفة على شخصين يستخدمان المنتج نفسه.
العطور الرديئة
ورأى العجمي أن العطر يصبح سيئًا من الناحية الصحية عندما تدخل في تركيبته مواد غير آمنة أو تستخدم مركبات بنسب تتجاوز الحدود المسموح بها. وأشار إلى معلومات اطلع عليها عن استخدام بعض المنتجين للميثانول بدل الإيثانول، رغم الأضرار المعروفة للميثانول.
كما تحدث عن بعض أنواع المسك التي حُظرت في أسواق معينة نتيجة مخاوف مرتبطة بتأثيراتها الصحية، موضحًا أن إضافة المواد لمجرد رفع الثبات والأداء دون مراعاة السلامة تمثل إشكالية حقيقية.
مجهولة المصدر
ونصح العجمي بتجنب العطور والمواد العطرية مجهولة المصدر، باعتبار أن المستهلك لا يعرف طبيعة المواد المستخدمة فيها أو مدى التزام المنتج بالاشتراطات. وأوضح أن المشكلة في العطور المستوحاة أو البديلة ليست بالضرورة في تقليد الرائحة نفسها، إذ تستطيع التقنيات الحديثة تحليل كثير من التركيبات وإعادة إنتاجها بدرجة تقارب عالية.
وأضاف أن الخطر قد يظهر عند مرحلة تصنيع المنتج النهائي، عندما يضيف المنتج مواد أخرى لزيادة الفوحان والثبات، أو يرفع نسب بعض المركبات فوق الحدود الموصى بها. وأشار إلى أهمية الحصول على أوراق السلامة والوثائق التي تحدد نسب الاستخدام المسموح بها للمواد العطرية.
«الفرموني» تسويق
وانتقد العجمي استخدام مصطلح «العطر الفرموني» بوصفه دليلًا على إضافة مادة خاصة تجعل العطر أكثر جاذبية. وأوضح أن استخدام كلمة «فرموني» كنوع من الوصف التسويقي للرائحة يختلف عن الادعاء بوجود مادة محددة تحمل هذا الاسم تمت إضافتها إلى التركيبة.
وأكد أن الحديث عن إضافة «مادة فرمونية» من مختبرات عالمية استخدم في فترات سابقة كوسيلة دعائية لا تستند، وفق حديثه، إلى أساس صحيح. وأشار إلى أن التوعية التي قام بها صناع ومراجعو العطور أسهمت في تراجع هذا النوع من الترويج خلال الفترة الأخيرة.
تصميم وصناعة
وفرق العجمي بين «صناعة العطور» و«تصميم العطور»، موضحًا أن دخول مجال التصنيع أصبح أكثر سهولة بسبب انتشار المعلومات وتوفر المواد والمعدات. أما التصميم، فيحتاج - بحسب قوله - إلى دراسة وخبرة ومعرفة بالمواد والروابط والتناسق بين المكونات.
وأضاف أن امتلاك منتج جيد لا يضمن وحده النجاح التجاري، إذ قد يتفوق منتج أقل جودة إذا امتلك صاحبه منظومة تسويقية أكثر فاعلية. ورأى أن أحد التحديات أمام المصمم المحلي هو اضطلاعه بعدة أدوار في الوقت ذاته، بينما توزع العلامات العالمية تلك المسؤوليات بين فرق التصميم والتسويق والإدارة والمبيعات.
أكثر من 6 علامات
وكشف العجمي عن تعاونه خلال الفترة الماضية مع أكثر من ست علامات عُمانية في تصميم منتجات عطرية، إلى جانب علامة خليجية من المرتقب طرح عطر لها. وأوضح أن العمل يبدأ بفكرة يقدمها صاحب العلامة، ثم تجري دراسة مدى إمكانية تنفيذها قبل الدخول في مرحلة التصميم.
وأضاف أن بعض الطلبات التي يتلقاها أصبحت متأثرة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يقدم بعض العملاء تصورات تحتوي على مكونات مرتفعة التكلفة مقابل ميزانية محدودة جدًا. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على بلورة الأفكار، لكن تحويل النص المقترح إلى عطر فعلي يظل مرتبطًا بتكلفة المواد وتوافقها وإمكان تنفيذ التركيبة.
رقابة أكبر
ودعا العجمي إلى مزيد من الرقابة على المواد العطرية والعطور مجهولة المصدر في السوق. وأشار كذلك إلى أهمية تخصيص مساحات مستقلة للعطور في بعض المعارض، بدل دمجها مع عدد كبير من الأنشطة الأخرى، بما يساعد العلامات المحلية على عرض منتجاتها بصورة أفضل. ورأى أن تطوير السوق يحتاج إلى الجمع بين جودة المنتج والتنظيم والتسويق والرقابة على المواد المستخدمة.
قيمة العلامة
وتطرق العجمي إلى أثر العلامة التجارية والتغليف في قرار الشراء، موضحًا أن المستهلك لا يشتري الرائحة وحدها، وإنما يشتري كذلك الهوية والتجربة والانطباع الذي يصاحب المنتج.
وأشار إلى أن التقنية تستطيع استنساخ جانب كبير من الرائحة في بعض الحالات، لكن من الصعب استنساخ الشعور المرتبط بالعلامة والتغليف والقصة التي تقدمها للمستهلك. وأضاف أن بعض العلامات تعتمد على قوة اسمها وتاريخها بقدر اعتمادها على المنتج نفسه.
وراء «الترند»
وأوضح العجمي أن تغير الاتجاهات العطرية من الجلدية إلى الروائح الحلوة وغيرها يرتبط بمحاولة الشركات البحث عن اتجاهات جديدة تحرك المبيعات.
وأشار إلى أن ثقافة المستهلك تغيرت كذلك، إذ كان الشخص في السابق قد يلتزم بعطر واحد لسنوات، بينما يمتلك بعض الشباب اليوم عشرات العطور المخصصة لمناسبات وأوقات مختلفة.
وحذر في الوقت نفسه من أن يتحول الاهتمام بالعطور إلى استنزاف مالي أو محاولة دائمة لمجاراة الآخرين.
العطر لك أولًا
ودعا العجمي المستهلك إلى تنظيم ميزانيته وعدم الإنفاق على العطور بما يتجاوز قدرته المالية من أجل الظهور بمستوى اجتماعي معين. ورأى أن الإنسان ليس مطالبًا بشراء عطر مرتفع الثمن كل شهر، ويمكنه التنويع وفق إمكاناته واحتياجاته.
وأكد أن الهدف الأساسي من العطر هو استمتاع الشخص نفسه بالرائحة والشعور الذي تمنحه له، وليس السعي المستمر للحصول على إطراء الآخرين. وأشار إلى أن حرية استخدام العطر تقف عند حدود عدم الإضرار بالآخرين، خصوصًا داخل المكاتب والأماكن المغلقة.
نحو العالمية
وختم علي العجمي حديثه في برنامج «منتدى الوصال» بالتأكيد على أن طموحه بعد الوصول إلى السوق الخليجي يتمثل في الانتقال إلى الأسواق العالمية، ومواصلة التعلم في مدارس عطرية مختلفة.
وأوضح أن دراسة صناعة العطور لا تتوقف عند مدرسة أو تجربة واحدة، إذ تمتلك بعض الدول تقاليد وخطوطًا عطرية مختلفة، وهو ما يدفعه إلى مواصلة تطوير خبرته والتعرف على مجالات أخرى من بينها البخور. وأكد أن صناعة العطر بالنسبة إليه مسيرة مستمرة تجمع بين المعرفة والتجربة والابتكار، وتفتح أمام المنتج العُماني فرصة للوصول إلى جمهور أوسع إذا اقترنت جودة المنتج بالتسويق الاحترافي والهوية الواضحة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


