د. عبدالله العلوي لـ«الوصال»: منصة عُمانية تكسر فجوة التعليم الطبي بالذكاء الاصطناعي.. ومحتوى يتكيف مع الطالب وأمراض بلده ومتاح مجانًا للفئات المستهدفة
ساعة الظهيرة
الوصال ـ قال الدكتور عبدالله العلوي، صاحب المشروع الفائز بالمركز الأول في مسابقة «الجدران المتساقطة» عن مشروع «كسر جدار عدم المساواة في فرص التعليم الطبي»، إن تفاوت فرص الوصول إلى التعليم الطبي لا يرتبط فقط بقدرة بعض الدول على تحمل كلفة المنصات والمراجع المتخصصة، وإنما يمتد إلى مدى ملاءمة المحتوى التعليمي نفسه لطبيعة الأمراض والاحتياجات الصحية في كل مجتمع.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» أن التعليم الطبي يمثل أساسًا لضمان قدرة الممرض وطالب الطب والطبيب على تقديم الخدمة العلاجية المناسبة للمريض، إلا أن الفجوة بين الدول ما تزال قائمة، خصوصًا في البيئات التي تعاني نقصًا في الموارد أو تفتقر إلى محتوى تعليمي يتناسب مع أنماط الأمراض الأكثر انتشارًا فيها.
وبيّن العلوي أن المشروع انطلق من محاولة معالجة هذا «الجدار» من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في بناء منصة تعليمية طبية قادرة على إنتاج محتوى علمي يتوافق مع المناهج والاحتياجات المحلية.
وأشار إلى أن المنصة تعتمد على مجموعة من «عملاء الذكاء الاصطناعي»، يبدأ عملهم بتحليل الخطط والمناهج الدراسية المحلية، إلى جانب التعرف على طبيعة الأمراض المنتشرة في كل دولة والأهداف التعليمية المرتبطة بها. وأضاف أن النظام ينتقل بعد ذلك إلى المكتبة الطبية العالمية «PubMed» لاستخلاص المعرفة العلمية وإنتاج أسئلة طبية، مع إجراء مراجعات لغوية وعلمية دقيقة وربط المحتوى بالمراجع والمصادر الطبية الموثوقة.
مراجعة آلية وبشرية للمحتوى
ولفت العلوي إلى أن المحتوى الناتج لا ينشر مباشرة، وإنما يمر عبر ثلاثة عملاء إضافيين للذكاء الاصطناعي للتأكد من دقته وصلاحيته للاستخدام في التعليم الطبي، قبل أن يخضع في المرحلة النهائية لمراجعة طبيب بشري للتأكد من صحة المحتوى. وأوضح أن المنصة متاحة عبر الإنترنت لطلاب الطب والممرضين والأطباء وغيرهم من الممارسين الصحيين في عدد من دول العالم، مشيرًا إلى أنه عمل على تطويرها على مدى ستة أشهر، وأنها تضم نحو 600 ألف سطر برمجي.
وذكر أن المنصة متاحة مجانًا للراغبين في التعلم الطبي داخل سلطنة عُمان، كما أطلقت المبادرة لتوفيرها مجانًا لطلاب الطب في الدول المتأثرة بالحروب وفق التعريف الذي أشار إليه لمنظمة الصحة العالمية. وأضاف أن المشروع حقق خلال فترة قصيرة انتشارًا في أكثر من 50 دولة، ووصل عدد مستخدمي المنصة إلى نحو 1200 مستخدم، إلى جانب تلقي طلبات من كليات خارج سلطنة عُمان للاستفادة من المحتوى العلمي الذي توفره.
مئات الريالات للاشتراك في منصات عالمية
وتطرق العلوي إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه طلاب الطب والأطباء في الوصول إلى المعرفة المتخصصة، موضحًا أن الاشتراك السنوي في بعض المنصات التعليمية الطبية العالمية التي توفر بنوك الأسئلة يصل إلى مئات الريالات للفرد. وقال إن هذه الكلفة قد تعادل في بعض الدول راتب طبيب لمدة عام كامل، ما يجعل الوصول إلى تلك المنصات شبه مستحيل لشريحة واسعة من الطلاب والممارسين الصحيين.
وأشار إلى أن عددًا محدودًا من المنصات العالمية يهيمن على هذا المجال، ولا تتوافر - بحسب حديثه - مبادرات دعم مجتمعي كافية تتيح المحتوى لمن لا يستطيع دفع رسوم الاشتراك. ورأى أن هذا الواقع يشكل حاجزًا معرفيًا أمام طلاب وأطباء في دول تواجه أصلًا تحديات اقتصادية وصحية كبيرة، وهو ما يسعى المشروع إلى الحد منه عبر توسيع الوصول إلى المعرفة الطبية الموثوقة.
محتوى يراعي أمراض المنطقة
ونوه العلوي إلى أن ارتفاع كلفة المنصات ليس التحدي الوحيد، إذ إن كثيرًا من المحتوى الطبي العالمي صُمم انطلاقًا من واقع صحي غربي، وبالتالي لا يعكس دائمًا الأمراض الأكثر انتشارًا في دول الشرق الأوسط. وضرب مثالًا بأمراض الدم مثل الخلايا المنجلية والثلاسيميا، موضحًا أن حضورها في بعض المنصات لا يتناسب بالضرورة مع مستوى انتشارها في دول المنطقة.
وأضاف أن المشروع يتعامل مع مشكلتين متوازيتين، الأولى تتمثل في صعوبة الوصول المالي إلى المحتوى، والثانية في ضعف مواءمة هذا المحتوى مع البيئة الصحية المحلية. وأوضح أن المنصة تستفيد من الذكاء الاصطناعي في تكييف المحتوى مع طبيعة المناهج والأمراض والاحتياجات التعليمية لكل بيئة، بما يمنح الطالب معرفة أكثر ارتباطًا بالواقع الذي سيعمل فيه مستقبلًا.
تعليم يتكيف مع مستوى كل طالب
وكشف العلوي أن المنصة تتضمن نظامًا للتعليم التكيفي الشخصي، بحيث لا يتلقى جميع المستخدمين المحتوى بالمستوى نفسه. وبيّن أن أدوات الذكاء الاصطناعي تراقب تفاعل الطالب أو الطبيب مع الأسئلة، وتحدد مستواه العلمي والفجوات المعرفية التي يحتاج إلى معالجتها، ثم تقدم له محتوى وأسئلة تتناسب مع احتياجاته.
وأضاف أن هذا النموذج يمنح كل مستخدم مسارًا تعليميًا مختلفًا بحسب مستواه، بدل الاعتماد على محتوى موحد يقدم بالطريقة نفسها لجميع المتعلمين. وأشار إلى أن الهدف يتمثل في مساعدة الطالب أو الممارس الصحي على التعرف بصورة أدق على نقاط الضعف لديه، ثم العمل على سدها من خلال تدريب مستمر ومحتوى قائم على مصادر علمية موثوقة.
«عُمان للمستقبل» شريك في المشروع
وحول الجانب الاستثماري للمشروع، أفاد العلوي بأنه عرض المنصة على صندوق عُمان للمستقبل، وأن الصندوق انتقل من مرحلة دراسة الفكرة إلى الاستثمار فيها خلال أقل من شهرين. وأوضح أن المشروع أصبح أحد استثمارات صندوق عُمان للمستقبل، بعد خضوعه لتقييم من خبراء مختصين تناول كفاءة المنصة، والجانب البرمجي، وإمكانات المشروع وفرص نموه في السوق.
وأشار إلى أن التقييم الذي حصل عليه المشروع كان إيجابيًا، وانتهى بدخول الصندوق شريكًا فيه، وهو ما أسهم في تجاوز التحديات المرتبطة بالتمويل واستمرار التطوير. وأكد أن المنصة ستظل متاحة مجانًا للمستخدمين في سلطنة عُمان، مع استمرار تقديمها مجانًا للفئات والدول التي تستهدفها المبادرة، في مقابل توفير اشتراكات مدفوعة في الأسواق القادرة على الدفع لضمان الاستدامة المالية للمشروع.
طموح للوصول إلى العالمية
وبيّن العلوي أن الطموح يتمثل في أن تصبح المنصة واحدة من أبرز منصات التعليم الطبي على مستوى العالم، مستفيدة من قدرتها على الجمع بين المحتوى العلمي الموثوق والذكاء الاصطناعي والتكيف مع احتياجات المستخدم. وأضاف أن المشروع لا يقتصر على منصة إلكترونية واحدة، وإنما يتوسع إلى تطبيقات رقمية أخرى، مشيرًا إلى وجود ثلاثة تطبيقات حتى الآن.
وأوضح أن أحد التطبيقات يقدم خدمات للباحثين في المجال الطبي، فيما يوفر تطبيق آخر أدوات تساعد الأطباء في العناية بالمرضى خلال مرحلة ما قبل العمليات الجراحية. ولفت إلى أن جميع هذه التطبيقات تنطلق من الفكرة نفسها، وهي تسخير الذكاء الاصطناعي لتقديم أدوات تعليمية وعلاجية تستند إلى أحدث المصادر الطبية وأكثرها دقة.
وأكد العلوي أن المشروع يسعى في جوهره إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية إلى وسيلة لتقليص الفوارق في فرص الوصول إلى التعليم الطبي، وإتاحة المعرفة العلمية لطالب الطب والممارس الصحي بصرف النظر عن موقعه الجغرافي أو قدرته المالية. ويستعد الدكتور عبدالله العلوي للمشاركة بالمشروع في النهائيات العالمية لمنتدى «الجدران المتساقطة» في برلين خلال نوفمبر المقبل، بعد حصوله على المركز الأول في التصفيات المحلية التي تنافس فيها عدد من الباحثين والمبتكرين والمشروعات العلمية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


