الوصال ـ رأى الدكتور محمد بن عوض المشيخي، أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، أن الحفاظ على مصداقية المؤسسات الإعلامية في البيئة الرقمية المتسارعة يرتكز على جودة المحتوى والشفافية وسرعة الوصول إلى الجمهور، إلى جانب تطوير الرسالة بما يواكب التحولات في أنماط التلقي والمنافسة الإعلامية. وقال خلال استضافته في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال: إن المحتوى الجيد يفرض حضوره عندما يُعد بصورة مهنية ويُقدم بأساليب حديثة تجمع بين الجاذبية البصرية ووضوح الفكرة ودقة الرسالة، مشيرًا إلى أن الجمهور لم يعد يتفاعل مع الخطاب التقليدي بالطريقة نفسها التي كان يتلقاه بها سابقًا.

وأوضح أن المصداقية والشفافية تمثلان عنصرين أساسيين في أي رسالة إعلامية ناجحة، وأن تقديم خطاب واضح وصادق يساعد المؤسسات على كسب ثقة الجمهور والوصول إليه بصورة أكثر تأثيرًا.

سرعة محسوبة

وتطرق المشيخي إلى أهمية السرعة في العمل الإعلامي، مبينًا أن الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فرض على المؤسسات تقديم المعلومة في الوقت المناسب، وعدم التأخر إلى درجة فقدان الجمهور لصالح وسائل أخرى. وأشار إلى أن السرعة تحمل في الوقت نفسه مخاطر تتعلق بدقة المعلومة، ما يتطلب إيجاد توازن بين السبق الإعلامي والتحقق المهني.

وأضاف أن بعض المؤسسات قد تخسر موقعها لدى الجمهور عندما تتأخر بصورة متكررة، في حين قد تدفع مؤسسات أخرى ثمن التسرع إذا نشرت خبرًا ناقصًا أو غير دقيق. وأكد أن العمل الإعلامي يتطلب قدرة مستمرة على الموازنة بين الوصول السريع إلى الجمهور والمحافظة على صدقية المؤسسة وسمعتها.

خطاب تقليدي

وبيّن المشيخي أن المؤسسات الإعلامية أدركت بدرجات متفاوتة أهمية التطوير، إلا أن بعض البرامج لا تزال تعتمد أساليب تقليدية لا تنسجم مع طبيعة الجمهور الحالي. وأوضح أن الخطاب الذي يكرر الأدوات القديمة من دون تجديد قد يتحول إلى حديث موجه إلى المؤسسة نفسها، في وقت سبق فيه الجمهور وسائل الإعلام في استخدام المنصات الجديدة والتفاعل مع المحتوى.

ورأى أن العاملين الذين اعتادوا الأسلوب القديم يحتاجون إلى برامج تطويرية تقنعهم بضرورة تغيير طرائق إعداد الرسالة وتقديمها، بدلًا من الاكتفاء بما اعتادوا عليه خلال السنوات الماضية.

دراسة الجمهور

وأكد المشيخي أن إحدى أبرز نقاط الضعف لدى بعض المؤسسات تتمثل في محدودية الاستفادة من الدراسات واستطلاعات الرأي لمعرفة مدى تقبل الجمهور للمحتوى المقدم. وأشار إلى أن أدوات الاستطلاع الإلكتروني أصبحت متاحة ولا تتطلب تكاليف مرتفعة، كما يمكن دعمها بدراسات ميدانية ترصد اتجاهات الجمهور وردود أفعاله.

وأضاف أن المؤسسة التي تخاطب أعدادًا كبيرة من الناس من دون معرفة أثر رسالتها تسير من دون مؤشرات واضحة، ولا تستطيع تحديد ما إذا كان خطابها قد نجح أو أخفق. وحذر من أن تجاهل الدراسات وآراء الجمهور قد يؤدي إلى سقوط المنظومة الاتصالية للمؤسسة، وإهدار الموارد في إنتاج محتوى لا يحقق الأثر المطلوب.

مثلث الإعلام

وحدد المشيخي ثلاثة عناصر وصفها بأنها ضرورية لنجاح العمل الإعلامي، يأتي في مقدمتها الإبداع، الذي أصبح شرطًا أساسيًا في ظل تراجع قبول التقليد والأساليب القديمة. وأوضح أن العنصر الثاني يتمثل في توفير الموارد المالية اللازمة لتدريب الكوادر الإعلامية وتشجيعها على التعلم ومتابعة المستجدات وتطوير أدواتها المهنية.

أما العنصر الثالث، فيتصل بالحرية والمصداقية، مؤكدًا أن المؤسسة الإعلامية لا تستطيع المنافسة إذا تجنبت التعبير الصريح عن الواقع أو قدمت خطابًا يوحي بأن كل شيء يسير بصورة مثالية. وبيّن أن المقصود بالحرية ليس تجاوز القوانين والقيم والأخلاق، وإنما إتاحة مساحة مهنية لعرض التحديات ومناقشتها بشفافية ومسؤولية.

قيادة الاتصال

وشدد المشيخي على أن المسؤول في أي مؤسسة لم يعد مطالبًا باتخاذ القرار فقط، وإنما أصبح معنيًا بقيادة الاتصال والتفاعل المباشر مع الجمهور. وأوضح أن المعلومة تكتسب قوة مختلفة عندما تصدر من المسؤول الأعلى في المؤسسة، نظرًا إلى معرفته بالتفاصيل والاستراتيجيات والملفات المرتبطة بقطاعه.

وأشار إلى أن حديث الوزير أو الرئيس التنفيذي أو المسؤول المباشر يحقق أثرًا واسعًا لدى الجمهور، لأن المتلقي يدرك أن الرسالة تصدر ممن يمتلك صلاحية القرار والمعلومة. وأضاف أن ظهور المسؤول وشرحه للملفات يفتح مرحلة جديدة في الاتصال المؤسسي، ويمنح الرسالة ثقلًا لا يتحقق بالدرجة نفسها عندما تنقل عبر مستويات أخرى.

حوار مباشر

ولفت الدكتور محمد المشيخي إلى أن المنصات الحكومية تؤدي في كثير من الأحيان دورًا يقتصر على إعادة نشر الأخبار والبرامج والمعلومات، في حين لا تزال الحاجة قائمة إلى منصات أقوى تتيح حوارًا مباشرًا ومستمرًا بين صانع القرار والمواطن. وأوضح أن الخطاب الأحادي من أعلى إلى أسفل لم يعد فعالًا في العصر الرقمي، كما أن انتقال الرسائل من الجمهور إلى المؤسسات من دون استجابة أو نقاش لا يحقق الاتصال المطلوب.

ودعا إلى إنشاء فضاءات رقمية تتيح تبادل الآراء وطرح الأسئلة والاستماع إلى المجتمع، بما يساعد على بناء الثقة وتطوير السياسات والرسائل. وأضاف أن نجاح الخطاب الوطني يتطلب أن تقدمه المؤسسات المحلية بكفاءة، لأن المنصات العابرة للحدود لن تتولى التعبير عن أولويات المجتمع واحتياجاته.

ثقة الجمهور

وأشار المشيخي إلى أن المنصات الشخصية ووسائل التواصل والمدونات قد تحقق السبق وتقدم محتوى جاذبًا، إلا أن مستوى ثقة الجمهور بها يظل أقل من وسائل الإعلام الرسمية والمهنية. وأوضح أن الجمهور يعود إلى الإذاعات والقنوات التلفزيونية الرسمية عند تضارب الأخبار أو ظهور معلومات مهمة، بحثًا عن الخبر المؤكد والمصدر الموثوق.

وبيّن أن ارتفاع الثقة بهذه الوسائل يرتبط بحرصها على التدقيق والانتظار حتى اكتمال المعلومة، رغم أن هذا النهج قد يجعلها أبطأ من بعض المنصات. وختم بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام يتمثل في الجمع بين السرعة والدقة، وتطوير المحتوى من دون التضحية بالمصداقية، والانتقال بالاتصال الحكومي من مجرد نقل الخبر إلى صناعة الأثر وبناء علاقة مستدامة مع الجمهور.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو