د. محمد المشيخي لـ«الوصال»: المؤسسات التي تهمل خطابها المؤسسي تفقد جمهورها وموظفيها وقدرتها على الاستمرار
ساعة الظهيرة
الوصال ــ رأى الدكتور محمد بن عوض المشيخي، الأكاديمي والباحث المختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، أن الخطاب المؤسسي يمثل مفتاحًا رئيسيًّا في نجاح المؤسسات، لأنه لا يرتبط فقط بالرسائل الإدارية أو التوجيهات اليومية، وإنما يتصل بمنظومة متكاملة من السياسات الاتصالية والممارسات الميدانية التي تصوغ هوية المؤسسة وسمعتها ومكانتها أمام الرأي العام، وتوجه سلوك أفرادها، وتحدد الكيفية التي تتشكل بها صورتها الذهنية في المجتمع. وقال خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» إن كل مؤسسة، سواء كانت عامة أو خاصة، تحتاج إلى خطاب مؤسسي واضح ومتماسك ينسجم مع رؤيتها الاستراتيجية ويترجم أهدافها إلى سلوك وممارسات يشعر بها الناس والموظفون معًا.
منظومة متكاملة
وأشار المشيخي إلى أن الخطاب المؤسسي لا يمكن اختزاله في التعاميم أو القرارات أو اللقاءات اليومية فقط، وإنما هو بناء متكامل يشمل الشعار، والرؤية، والسياسات، والسمعة، وطبيعة التواصل مع الجمهور والموظفين. وأضاف أن الشعار، على سبيل المثال، لا يظل مجرد رمز بصري، وإنما يتحول مع الوقت إلى عنوان للنجاحات إذا أحسنت المؤسسة توظيفه وربطه بالأداء اليومي والخدمات المقدمة للناس. وأكد أن المؤسسات اليوم تعيش في سباق متواصل، وأن كثيرًا من الشركات اختفت من الوجود لأنها لم تدرك أهمية هذا الجانب، ولم تنتبه إلى أن الجمهور هو أساس استمراريتها ونجاحها.
السمعة أصل حاسم
ولفت المشيخي إلى أن السمعة المؤسسية تحتل موقعًا بالغ الأهمية داخل هذه المنظومة، واصفًا إياها بأنها جزء من الهوية والقيمة الفعلية للمؤسسة. وأضاف أن كثيرًا من المدارس الإدارية في العالم تنظر إلى السمعة بوصفها نسبة كبيرة من أصول المؤسسة وقيمتها، لأنها ترتبط بثقة الناس، وبقدرتها على الترويج والإقناع والوصول إلى الجمهور المستهدف. وأشار إلى أن المشكلة في بيئتنا العربية، وفي عُمان أيضًا بدرجات متفاوتة، تتمثل في ضعف الوعي الكافي بهذا المفهوم، ما يجعل بعض المؤسسات تستهين بهذا الجانب أو تتعامل معه بصورة تقليدية.
الخطاب التقليدي
وأوضح المشيخي أن ما يسود في عدد من المؤسسات هو خطاب مؤسسي تقليدي عام، يقوم على توجيهات يومية وقرارات وتعليمات تنزل من القمة إلى القاعدة، من دون أن يصاحبها بناء حقيقي لعلاقة متوازنة بين القيادة وبقية مستويات العمل. وأضاف أن هذا النمط يؤدي في كثير من الأحيان إلى خلق تحديات داخلية، لأن الموظف لا يشعر بأنه جزء فاعل في المؤسسة، وإنما مجرد منفذ لتعليمات تصله من الأعلى، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على الأداء والانتماء والإبداع.
أسباب الفشل المؤسسي
وأكد المشيخي أن بعض حالات الفشل أو التراجع أو حتى اختفاء مؤسسات من المشهد ترتبط في جزء منها بغياب الاهتمام الجاد بالخطاب المؤسسي، لأن المؤسسة حين تهمل سمعتها، ولا تنجح في إبراز ما تملك، ولا تتبع منهجية علمية في التواصل، فإنها تفقد تدريجيًّا قدرتها على التأثير وعلى بناء الثقة مع الناس. وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على التواصل مع الجمهور الخارجي فقط، بل تمتد كذلك إلى الداخل المؤسسي، حيث توجد جهات ودوائر وموظفون داخل مبنى واحد لا يتواصلون فيما بينهم بالصورة التي ينبغي أن تكون، رغم تقارب الاختصاصات وتشابه الأدوار.
التواصل داخل المؤسسة
ورأى المشيخي أن نجاح المؤسسة يبدأ أيضًا من قدرتها على تنظيم التواصل بين أفرادها، وتوضيح الاختصاصات والواجبات والمسؤوليات، بحيث لا يبقى الموظف مجرد متلقٍّ للأوامر من مستويات أعلى. وأضاف أن غياب هذا الوضوح يحرم المؤسسة من الاستفادة من قاعدة عريضة من الموظفين الذين يفترض أن يكونوا جزءًا من النجاح، ويجعل كثيرًا منهم يشعرون بأنهم خارج دائرة التأثير أو أنهم غير منتمين فعليًّا إلى المؤسسة، رغم أنهم العمود الفقري في العمل اليومي.
التواصل المباشر
وفي حديثه عن أفضل أشكال التواصل المؤسسي، أبدى المشيخي تقديره الكبير للتواصل المباشر وجها لوجه، معتبرًا أنه أكثر تأثيرًا من الاقتصار على الرسائل الإلكترونية أو التعاميم الورقية أو التوجيهات غير المباشرة. وأضاف أن كثيرًا من الموظفين قد يقضون سنوات طويلة من العمل من دون أن يلتقوا بمن يقود المؤسسة أو يسمعوا منه مباشرة، وهو ما يضعف الشعور بالقرب والانتماء. وأشار إلى أن من المهم أن يكون هناك تقليد إداري واضح يقوم على لقاءات دورية أو يومية بين القيادة والكوادر، ولو على مستوى المسؤولين المباشرين أو الفئات الأقرب إلى التنفيذ، لأن هذا النمط يعزز الفهم المشترك ويمنح الجميع شعورًا بالقيمة.
مثال من الواقع
واستشهد المشيخي بتجربة أحد أصحاب شركات المقاولات، الذي كان يجمع كل صباح العاملين والمهندسين في المشروع ويقدم لهم إيجازًا مباشرًا عن أعمال اليوم، موضحًا أن مثل هذا النموذج يمنح حتى العامل البسيط شعورًا بقيمة دوره، ويجعله يعرف اتجاه العمل وأهميته ومكانه في المنظومة. وأضاف أن المؤسسات الحكومية والخاصة بحاجة إلى نماذج مشابهة، بحيث يلتقي المسؤول الأعلى بموظفيه أو على الأقل بالقاعدة التنفيذية بصورة منتظمة، ويشاركهم الرؤية والسياسات والتوجهات، لأن ذلك ينعكس مباشرة على جودة الأداء والرضا الوظيفي.
مواجهة التهميش
وأشار الدكتور محمد المشيخي إلى أن ضعف التواصل وغياب الخطاب المؤسسي الفاعل يفتح الباب أمام مشكلات داخلية مثل التهميش والتنمر والتجمعات المغلقة والشللية داخل بيئة العمل، وهي ظواهر سبق أن تناولها في كتاباته، لما تتركه من أثر سلبي على الموظفين وعلى المؤسسة نفسها. وأضاف أن بعض الموظفين قد يصل بهم الأمر إلى الاستقالة أو الغياب المتكرر نتيجة شعورهم بالإقصاء أو غياب العدالة أو ضعف الدعم من القيادات العليا، وهو ما يعكس في جوهره خللًا في البيئة المؤسسية وفي إدارة التواصل داخلها.
البداية من القيادات
وختم المشيخي حديثه بالتأكيد على أن إصلاح الخطاب المؤسسي يبدأ من القيادات العليا، لأنها هي التي تصنع المناخ العام وتحدد شكل العلاقة داخل المؤسسة. وأضاف أن المسؤول حين يكون حاضرًا مع موظفيه، ويخاطبهم مباشرة، ويشركهم في فهم التوجهات والسياسات، فإنه يكسب ولاءهم ويعزز انتماءهم ويدفعهم إلى الإبداع والاجتهاد. وأشار إلى أن المؤسسة التي تنجح في بناء هذا النوع من التواصل الداخلي والخارجي ستكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، وأقرب إلى النجاح والاستدامة في علاقتها مع الناس ومع العاملين فيها على حد سواء.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


