د. محمد المشيخي لـ«الوصال»: الروتين الإداري ما زال يرهق المواطن ويحول بينه وبين الوصول إلى صانع القرار في بعض المؤسسات
ساعة الظهيرة
الوصال ــ قدّم الدكتور محمد بن عوض المشيخي، الأكاديمي والباحث المختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، قراءة نقدية لواقع العلاقة بين المواطن وبعض المؤسسات الحكومية والخدمية، موضحًا أن ما تحقق من جهود في هذا القطاع لا يمكن تجاهله، في ظل ما تبذله الوزارات الخدمية وصناع القرار والموظفون من عمل كبير، غير أن هذا الواقع ما زال، في تقديره، يواجه إشكاليات تتصل بالبيروقراطية وتعقيد الإجراءات وضعف الوصول إلى المسؤول. وأشار إلى أن هذه الإشكاليات لا تنسجم مع التطور الإداري والتحول الرقمي الذي تشهده سلطنة عُمان، ولا مع التوجيهات السامية الداعية إلى الاقتراب من المواطن والاستماع إلى احتياجاته وهمومه.
تحديات في الواجهة
وأوضح المشيخي أن المواطن قد يبدأ معاناته منذ لحظة الاستقبال في بعض المؤسسات، حيث يواجه أحيانًا بعقبات تتعلق بالموعد أو بإجراءات الوصول إلى المكتب المختص أو بصعوبة التواصل الهاتفي، وحتى إذا تمكن من الوصول، فإنه قد يصطدم بردود جاهزة تكتفي بإبلاغه بأن القوانين واضحة وأن حقه سيصل إليه إذا انطبقت عليه الشروط. وأضاف أن هذا النمط من التعامل يغفل في أحيان كثيرة البعد الإنساني الذي أكدت عليه القيادة في أكثر من مناسبة، عندما لا تكون النصوص والإجراءات كافية لفهم ظروف بعض الحالات أو الاستجابة لها. ولفت إلى أن المواطن المتضرر حين يحاول الوصول إلى المسؤول الأعلى قد يواجه طبقات متعددة من الموظفين في الواجهة، الذين قد لا يتيحون له فرصة عرض معاناته على من يملك القرار، بحجة الاجتماعات أو انشغال المسؤول أو وجود آليات محددة لا تسمح بذلك.
بين التطور والروتين
وأشار المشيخي إلى أن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، رغم أهميتهما، لم يلغيا بالكامل بعض مظاهر الروتين الإداري، حيث يرى أن البيروقراطية ما زالت حاضرة بطرق مباشرة وغير مباشرة. وأوضح أن المشكلة لا تقف عند حدود الإجراءات نفسها، وإنما تمتد إلى ثقافة إدارية انتقلت، في نظره، من أجيال وظيفية سابقة إلى الموظفين الجدد، بحيث أصبح بعض العاملين يفضلون الانشغال بأعمال أخرى أو الاحتماء بالنظام والإجراءات بدل التعامل المباشر مع المواطن وإنجاز معاملاته. وأضاف أن هذه الثقافة تتجلى أحيانًا في تأجيل المعاملات، أو في إطالة زمن الإنجاز، أو في تحويل المراجع من مكتب إلى آخر، وهو ما يجعل المواطن، خاصة القادم من محافظة بعيدة إلى مسقط أو إلى مركز خدمي رئيسي، يواجه معاناة مركبة في الوقت والجهد والمال.
ثقافة قديمة ممتدة
ورأى المشيخي أن بعض جذور هذا الروتين تعود إلى بدايات بناء الجهاز الإداري الحديث في السبعينيات، حين استعانت سلطنة عمان بخبرات خارجية كان بعضها قادمًا من بيئات تعاني أصلًا من تعقيد الإجراءات وتأخير المعاملات. واعتبر أن هذا النمط الإداري ترسخ مع الوقت وتحول إلى ما يشبه المرض القاتل في بعض المؤسسات، يتمثل في تعطيل مصالح الناس وإبعادهم عن صانع القرار. وأضاف أن هذه المعضلة لا تعني غياب الرغبة في خدمة المواطن، فالجميع، من الحكومة إلى الموظف إلى جلالة السلطان، يريدون تحقيق رضا المواطن، لكن المشكلة الحقيقية، بحسب وصفه، تكمن في الحواجز التي تحول بين المواطن وبين المسؤول القادر على الاستماع إليه واتخاذ القرار المناسب.
الحاجة إلى الوصول للمسؤول
وأكد المشيخي أن من الضروري فتح قنوات الوصول أمام المواطن حتى يتمكن من مقابلة صانع القرار، سواء كان وزيرًا أو وكيلًا أو مديرًا عامًا، عندما تستدعي حالته ذلك. وأوضح أن بعض القوانين وضعت لأغراض تنظيمية مشروعة، لكنها لا تنطبق بالطريقة نفسها على جميع الحالات، ولذلك فإن الاستماع المباشر إلى بعض المواطنين قد يساعد المسؤول على اكتشاف أوجه قصور في القانون نفسه أو في تطبيقه، وقد يقود إلى تعديلات تعالج الضرر المتكرر. وأضاف أن هذا لا يعني الدعوة إلى الواسطة أو تجاوز النظام، وإنما إفساح المجال أمام الحالات التي تستحق نظرًا استثنائيًّا في إطار العدالة والرحمة والمصلحة العامة. ولفت إلى أن بعض الحراس أو الموظفين في الواجهات الإدارية يتحولون، في بعض الأحيان، إلى حراس بوابات يمنعون وصول المواطن إلى المسؤول، مع أن هذا الوصول قد يكون مدخلًا للحل أو التخفيف من الضرر أو تحسين التشريعات ذاتها.
أمثلة من الواقع
وساق المشيخي أمثلة على الحالات التي يرى أنها تحتاج إلى مراجعة أعمق، متحدثًا عن الخريج الذي يبلغ الأربعين من عمره ويمنع من التقدم إلى وظيفة بسبب شرط السن، بعد سنوات طويلة من الانتظار، متسائلًا لماذا لا تمنح له فرصة استثنائية تحفظ له كرامته وتتيح له الإسهام في خدمة وطنه. كما أشار إلى قضايا أخرى تمس الإسكان والحكم المحلي والطرق والنقل وغيرها من الملفات الخدمية التي يرى أنها تستدعي فتح المجال أمام المواطن لعرض ظروفه مباشرة على المسؤول الأعلى، لأن ذلك قد يسهم في تعديل قوانين أو إجراءات لا تعكس احتياجات الناس على النحو المطلوب. وشدد على أن القانون في نهاية المطاف قابل للمراجعة والتطوير، كما يحدث في كثير من التشريعات العُمانية التي تتغير من حين إلى آخر بما يواكب المصلحة العامة وحاجات المجتمع.
دعوة إلى التقييم من قرب
وفي ختام حديثه، دعا المشيخي إلى تشكيل لجان حكومية تنزل إلى الميدان وتقيم عن قرب واقع الخدمات الإدارية، وما إذا كانت تتوافق فعلًا مع روح التطوير والتوجيهات العليا، مؤكدًا أن جودة العمل والشفافية وتسهيل الإجراءات تبقى من أهم ما يحقق رضا المواطن ويعزز ثقته بالمؤسسات. كما شدد على أهمية أن يظل الجانب الإنساني حاضرًا في التطبيق الإداري، حتى لا تتحول النصوص والإجراءات إلى حواجز جامدة تعطل مصالح الناس بدل أن تنظمها وتخدمها.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


