د. نادية العجمي لـ«الوصال»: تدشين «ترانيم الأمل» يترجم الدعم السامي لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة عبر الفن والموسيقى
منتدى الوصال
الوصال ــ أكدت الدكتورة نادية بنت علي العجمي، المديرة العامة للمديرية العامة لمراكز رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية، خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن تدشين فرقة ترانيم الأمل تحت الرعاية الكريمة من لدن السيدة الجليلة ـ حفظها الله ورعاها ـ يمثل تتويجًا لمسار من الدعم والرعاية والتمكين الذي حظي به الأشخاص ذوو الإعاقة في سلطنة عُمان، موضحة أن فكرة الفرقة بدأت من زيارة السيدة الجليلة لافتتاح المركز الوطني للتوحد في فبراير 2023، حين لفت أحد الموهوبين من ذوي اضطراب طيف التوحد الأنظار بعزفه، لتنشأ من تلك اللحظة فكرة تطوير هذه المواهب وصقلها، وصولًا إلى تأسيس فرقة موسيقية متكاملة تقدم عرضًا حيًّا على المسرح. وأضافت أن هذا المسار لم يكن وليد لحظة عابرة، وإنما جاء نتيجة دعم مباشر ورؤية آمنت بقدرات هذه الفئة، وبإمكان تحويل الموهبة الفردية إلى مشروع فني وإنساني متكامل.
من لحظة أمل إلى فرقة متكاملة
وأشارت العجمي إلى أن الفرقة لم تتشكل دفعة واحدة، وإنما مرت بعدة مراحل بدأت من مجموعة أولى داخل المراكز الحكومية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، ثم توسعت الفكرة عبر فتح المجال أمام كل من لديه موهبة من الأشخاص ذوي الإعاقة للتقدم من خلال رابط خاص، أعقبته تجارب أداء لاختيار العناصر القادرة على الانضمام إلى هذا المشروع. وأوضحت أن عملية الاختيار لم تكن سهلة، لأن الجهة القائمة على المشروع كانت تبحث عن الموهبة، وعن القابلية للتطور، وعن إمكانية العمل الجماعي ضمن فرقة موسيقية تضم أنواعًا متعددة من الإعاقات. وأضافت أن هذه الخطوات ترافقت مع تعاون واسع مع جهات مختصة، من بينها دار الأوبرا السلطانية، والحرس السلطاني العُماني ممثلًا في المديرية العامة للموسيقى، إلى جانب وزارة التعليم، وهو ما أتاح تشكيل نواة الفرقة واختيار عناصرها على أسس فنية ومدروسة.
إعاقات متعددة وعرض واحد
وبيّنت العجمي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن ما يميز فرقة ترانيم الأمل ليس فقط طابعها الفني، وإنما أيضًا التنوع الكبير في الإعاقات التي ينتمي إليها أفرادها، حيث ضمت الفرقة أشخاصًا من ذوي الإعاقة السمعية، والإعاقة البصرية، واضطراب طيف التوحد، والإعاقات الذهنية. وأوضحت أن هذا التنوع مثل تحديًا كبيرًا لفريق العمل، لأن كل إعاقة لها طريقتها الخاصة في التواصل، وأساليبها المختلفة في التدريب والاستجابة، ومع ذلك كان الهدف أن يلتقي الجميع في عرض واحد متناغم ومتكامل يصل إلى الجمهور بالصورة التي تليق بهم وبقدراتهم. وأضافت أن هذا التحدي كان من أصعب الجوانب التي واجهت المشروع، غير أن تكامل الأدوار بين المدربين والمختصين والعاملين مع كل فئة على حدة أسهم في إنجاح هذه التوليفة، وتحويلها إلى مشهد موسيقي منسجم ومؤثر.
فرقة شبه مكتملة
وأوضحت العجمي أن الفرقة أصبحت اليوم تضم نحو 40 فردًا، ما يجعلها شبه مكتملة من حيث مكونات الفرق الموسيقية، سواء في الآلات الرئيسية أو الإيقاعية أو الكورال، مؤكدة أن الهدف من تدشينها لم يكن تقديم عرض واحد ثم التوقف، وإنما تأسيس فرقة مستمرة لها حضورها الفني في المرحلة المقبلة. وأضافت أن هناك جهودًا قائمة بالفعل لتمكين هذه الفرقة من تقديم عروض أخرى في مسارح مختلفة، داخل عمان وخارجها، إلى جانب الترتيب لجوانب أخرى تتصل بالبيئة المكانية الخاصة بها وتنظيم حضورها الفني المستقبلي، بما يجعل منها مشروعًا مستدامًا لا مجرد مبادرة مؤقتة. وأعربت عن أملها في أن تتاح الفرصة لكل من لم يحضر عرض التدشين ليشاهد الفرقة في مناسبات أخرى خلال الفترة القادمة.
كيف جرى الوصول إلى الموهوبين
ولفتت العجمي إلى أن العمل بدأ أولًا من داخل المراكز التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، ثم اتسع عبر الاستعانة بطلبة من مدرسة عمر بن الخطاب للمكفوفين، ومدرسة الأمل للصم، ومدرسة التربية الفكرية، إلى جانب أشخاص آخرين من ذوي الإعاقة من خارج هذه المؤسسات، بعضهم موظفون، وبعضهم من فئات عمرية متفاوتة، وهو ما أتاح تشكيل فرقة تجمع بين الصغار والكبار، وبين خبرات وتجارب متنوعة. وأضافت أن إعداد الفرقة لم يقتصر على جمع الأفراد فقط، وإنما شمل أيضًا إعداد النوتات الموسيقية الخاصة بهم، والاستعانة بمايسترو من الحرس السلطاني العُماني، وآخرين من دار الأوبرا السلطانية، لصياغة العمل الموسيقي بطريقة تتناسب مع قدرات أعضاء الفرقة ومستوى أدائهم. كما أشارت إلى أن المفاجأة التي ظهرت خلال التدريبات تمثلت في أن بعض الأعضاء كانوا يلتقطون المعزوفات بسرعة لافتة، حتى إن بعضهم كان يتقنها خلال أسبوع واحد فقط، وهو ما كشف عن طاقات كامنة فاقت التوقعات.
مدربون وتجربة غير مألوفة
وأكدت العجمي خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن المدربين الذين عملوا مع الفرقة هم في الأساس متخصصون في الموسيقى، سواء في العزف على الآلات أو في تدريب الفنون، وقد جاءوا من جهات عدة من بينها الحرس السلطاني العُماني، وديوان البلاط السلطاني، ودار الأوبرا السلطانية، ووزارة التعليم. وأوضحت أن كثيرًا من هؤلاء المدربين لم يسبق لهم من قبل أن تعاملوا مع أشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد أو مع هذا التنوع من الإعاقات داخل فرقة موسيقية واحدة، وهو ما جعل التجربة جديدة عليهم أيضًا. وأضافت أن الصعوبة كانت واضحة في البداية، غير أن التواصل المستمر، والتدريب المتدرج، ووجود فنيين مختصين يرافقون بعض الحالات، خاصة حالات اضطراب طيف التوحد، أسهم في بناء علاقة قوية بين المدربين وأعضاء الفرقة، حتى ظهرت بينهم مساحة كبيرة من التفاهم والانسجام، وهو ما بدا واضحًا في الكواليس وفي لحظات التحضير، حين كان الأعضاء يتبادلون السلام والتفاعل والفرح بمجرد رؤية بعضهم بعضًا.
تحدي التوحد والنجاح فيه
وأشارت العجمي إلى أن وجود حالات من اضطراب طيف التوحد داخل الفرقة كان من أكثر الجوانب التي تطلبت جهدًا خاصًّا، نظرًا لطبيعة هذه الإعاقة وما تتطلبه من تعامل دقيق وفهم متخصص. وأوضحت أن الوزارة حرصت على وجود فنيين مختصين يرافقون أعضاء الفرقة من هذه الفئة طوال فترة التدريب، وحتى أثناء الحفل نفسه وخلف الكواليس، تحسبًا لأي طارئ. غير أنها لفتت إلى أن هؤلاء الأعضاء أبهروا فريق العمل قبل أن يبهروا الجمهور، سواء في قدرتهم على الالتزام، أو في أدائهم على المسرح، أو في تجاوبهم العالي مع متطلبات العمل الموسيقي الجماعي، وهو ما جعل حضورهم داخل الفرقة أحد أبرز مشاهد النجاح في هذه التجربة.
رسائل السيدة الجليلة
وتحدثت العجمي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» بإسهاب عن لحظات تفاعل السيدة الجليلة ـ حفظها الله ورعاها ـ مع أعضاء الفرقة خلال الحفل، موضحة أن من أكثر المشاهد تأثيرًا حرصها على التواصل مع الأشخاص ذوي الإعاقة بلغتهم، وخاصة مع الطفل الذي قدم لها الورود وكان من ذوي الإعاقة السمعية، حيث بادرت إلى مخاطبته بلغة الإشارة. واعتبرت أن هذه اللحظة حملت رسالة عميقة إلى المجتمع والعاملين في القطاع قبل غيرهم، مفادها أن الوصول الحقيقي إلى هذه الفئة يبدأ من احترام لغتها وأسلوب تواصلها، وأن المطلوب ليس فقط رعايتهم، وإنما التواصل معهم على نحو يشعرهم بأنهم مرئيون ومفهومون. وأضافت أن السيدة الجليلة كانت حريصة طوال الحفل على التفاعل معهم، بالإشارة تارة، وبالتحية المباشرة تارة أخرى، وأن هذه التفاصيل تركت أثرًا كبيرًا في نفوسهم، كما مثلت درسًا عمليًّا للمجتمع في كيفية الاقتراب من الأشخاص ذوي الإعاقة والتفاعل معهم بطريقة أكثر إنسانية ووعيًا.
الأمس رسالة للمجتمع
وأكدت العجمي أن ما جرى في الحفل لم يكن مجرد عرض فني، وإنما رسالة وعي للمجتمع بأن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون، موهوبون، ويملكون إمكانيات كبيرة قد يغفل عنها الآخرون. وأضافت أن بعض المجتمعات أو الأفراد ينظرون إلى هذه الفئة من زاوية الشفقة فقط، غير أن المشهد يتغير تمامًا عندما يتحول الشخص من "محل شفقة" إلى "موهبة" تقف على المسرح وتبهر الحضور. وأوضحت أن الفن هنا لم يكن مجرد أداة عرض، وإنما وسيلة لإحداث هذا التحول في النظرة المجتمعية، ولإيصال فكرة أن الأشخاص ذوي الإعاقة لا يقتصر حضورهم على الاحتياج والرعاية، وإنما يمتد إلى الإبداع والتفرد والقدرة على الإنجاز في مجالات تتطلب جهدًا عاليًا ودقة ومهارة.
فرحة أولياء الأمور
وعن أثر هذه التجربة على أسر المشاركين، أوضحت العجمي أن أولياء الأمور كانوا من أكثر الحاضرين تأثرًا وفخرًا بما شاهدوه على المسرح، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم غادروا الحفل وهم محاطون بالتهاني والمباركات، فيما بدا عليهم شعور واضح بالفخر والامتنان. وأضافت أن مشاهد الاحتفاء بالأبناء بعد نهاية الحفل، والتقاط الصور معهم، وتبادل كلمات الشكر، أظهرت كيف أن هذه التجربة لم تمس المشاركين فقط، وإنما منحت أسرهم أيضًا مساحة من الاعتزاز والطمأنينة، ورسالة بأن أبناءهم قادرون على الظهور والتميز إذا وجدوا الفرصة والدعم المناسبين. واعتبرت أن ذلك يمثل في حد ذاته رسالة إلى بقية الأسر بأن أبناءهم يملكون الكثير، وأن المطلوب هو الإيمان بقدراتهم والافتخار بهم وعدم الاكتفاء بالنظر إلى إعاقتهم.
حفل متكامل وكواليس واسعة
واستعرضت العجمي تفاصيل الحفل الذي افتتح بفيلم مرئي تناول مراحل تطوير الفرقة وتدريبها، بما في ذلك وصول الأعضاء إلى مسرح دار الأوبرا السلطانية ومسرح الحرس السلطاني العُماني، وتدريباتهم في هذه المسارح التي تعد من أكبر المسارح في البلاد. بعد ذلك توالت الفقرات الموسيقية، بين عروض جماعية، ومعزوفات منفردة، وميدلي موسيقي، وعروض بالكورال، وصولًا إلى المعزوفة الختامية "مسيرة الأمجاد" التي شاركت فيها الفرقة السلطانية الأولى دعمًا ومساندة، ثم الأغنية الختامية "أنا أقدر"، التي أهدتها وزارة التنمية الاجتماعية إلى فرقة ترانيم الأمل وإلى السيدة الجليلة. وأوضحت أن خلف هذا الحفل كانت هناك فرق كبيرة من العمل والتنظيم، من وزارة التنمية الاجتماعية، والحرس السلطاني العُماني، وديوان البلاط السلطاني، ودائرة التواصل والإعلام، إلى جانب المدربين والمايسترو والمختصين، وكلهم أسهموا في إخراج هذا العمل بالصورة التي ظهر بها. كما أثنت على دور معالي الدكتورة ليلى النجار، وسعادة الدكتور عبدالله الحارثي، واللواء قائد الحرس، والعميد راجس، وغيرهم من المسؤولين والداعمين الذين شكلوا، بحسب وصفها، الهرم الذي ارتكز عليه نجاح هذه المبادرة.
اهتمام سامٍ ومسار متواصل
وأكدت العجمي أن تدشين فرقة ترانيم الأمل يندرج ضمن مسار أوسع من الاهتمام السامي بالأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عُمان، مشيرة إلى أن القطاع شهد خلال السنوات الخمس الماضية نقلات واضحة في مستوى الخدمات والتطوير، كان من أحدثها إنشاء قطاع خاص معني بالأشخاص ذوي الإعاقة. وأضافت أن العاملين في هذا المجال لمسوا هذه النقلة عن قرب، سواء في مستوى الدعم، أو في تطوير الخدمات، أو في حضور هذا الملف ضمن أولويات العمل الوطني، معتبرة أن ما تحقق يجعل الأشخاص ذوي الإعاقة يعيشون اليوم مرحلة محظوظة من الاهتمام والرعاية والتمكين. وأشارت إلى أن هذا المسار يعكس إيمانًا واضحًا بقدرات هذه الفئة، وبأنها قادرة على الوصول إلى أقصى ما يمكن من إمكانياتها إذا أتيحت لها الفرصة المناسبة.
الفن علاج ورسالة
وأوضحت العجمي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن الفن والموسيقى ليسا فقط مساحة إبداعية، وإنما جزء من البرامج العلاجية والتأهيلية التي تستفيد منها الوزارة في العمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة أن سلطنة عُمان تملك أصلًا إرثًا فنيًّا وموسيقيًّا مميزًا. وأضافت أن وجود فرقة موسيقية من ذوي الإعاقة على هذا المستوى يمنح الفن دورًا مضاعفًا، فهو من جهة أداة دعم وتأهيل، ومن جهة أخرى رسالة للمجتمع بأن هذه الفئة تملك قدرات حقيقية تتجاوز التصورات التقليدية عنها. وأكدت أن إتقان الفن ليس أمرًا سهلاً، وأن وصول هؤلاء الأعضاء إلى هذا المستوى من الأداء، رغم تنوع إعاقاتهم، يبرهن على أن ما حققوه ليس عملاً عابرًا، وإنما نتيجة لقدرات ومواهب حقيقية جديرة بالاحتفاء.
دعوة مفتوحة للمواهب
وفي ختام حديثها، وجهت العجمي دعوة مفتوحة إلى أولياء الأمور وإلى جميع الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يمتلكون موهبة موسيقية أو فنية، مؤكدة أن الباب لا يزال مفتوحًا للانضمام إلى فرقة ترانيم الأمل. وأوضحت أن الوزارة تبحث عن هذه المواهب، وترحب بانضمامها، على أن تمر بطبيعة الحال بمراحل من التدريب وتجارب الأداء، بما يسهم في توسيع الفرقة وتطويرها وتعزيز هذا المشروع الإنساني والفني. كما شددت على أن مساهمة مختلف القطاعات، ومن بينها الإعلام، تظل ضرورية في إيصال هذه الرسائل إلى المجتمع، وفي رفع الوعي، ودعم الأسر، وإبراز النماذج الملهمة، لأن نجاح مثل هذه المبادرات لا يتحقق بجهد جهة واحدة، وإنما بتكامل الأدوار بين الجميع.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


