د. زهران الصبحي لـ«الوصال»: دور المعلم يتسع مع التحول الرقمي.. وتحديات الدافعية والتأهيل تفرض مراجعة مستمرة للمناهج والممارسات
منتدى الوصال
الوصال ـ تحدث الدكتور زهران بن محمد بن سيف الصبحي، التربوي والأكاديمي، عن التحولات التي شهدها قطاع التعليم في سلطنة عُمان خلال العقود الماضية، مشيرًا إلى أن المنظومة انتقلت من مرحلة كان التركيز فيها على التوسع الكمي في أعداد المدارس والطلبة والمناهج، إلى مرحلة أصبح الاهتمام فيها أكثر ارتباطًا بالجودة ونوعية المخرجات التعليمية.
وذكر خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري على إذاعة الوصال، أن المشهد التعليمي شهد تحولًا في فلسفة العملية التعليمية، إذ لم يعد المعلم هو المحور الوحيد للعملية التعليمية، وإنما أصبح الطالب محورًا رئيسيًا فيها، كما انتقل دور المعلم من ناقل للمعرفة إلى ميسر ومرشد لها، بالتزامن مع الدخول في مرحلة التحول الرقمي وتطبيق التعلم الإلكتروني واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم. ورأى الصبحي أن هذه التحولات لم تقلل من أهمية دور المعلم، وإنما جعلته أكثر فاعلية ومسؤولية، إذ أصبح مطالبًا بتوجيه الطلبة إلى استخدام التقنيات الحديثة بصورة أخلاقية وعلمية وابتكارية، إلى جانب دوره في نقل القيم والأفكار والمهارات، وهو ما يستدعي تأهيلًا أوسع للمعلمين يتجاوز طرق التدريس التقليدية ليشمل التقانة ومهارات القرن الحادي والعشرين.
دور المعلم يتغير
وبين أن سلطة المعلم داخل المدرسة لم تختفِ، وإنما تغير الأسلوب الذي تمارس من خلاله، موضحًا أن الأساليب القديمة التي اعتمدت في فترات سابقة على العقاب البدني لم تعد مناسبة، في ظل وجود أساليب تربوية حديثة تتيح للمعلم إدارة الصف وتوجيه الطلبة وبناء الاحترام من خلال العلاقة التربوية والقدوة الحسنة. وأضاف أن المعلم قادر على التأثير في الطالب من خلال إشغاله بما يفيده وتوجيهه نحو السلوك الصحيح، وأن القدوة تمثل أحد أهم أدواره، خصوصًا في التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ ينبغي أن يعكس بنفسه مبادئ الأمانة العلمية والاستخدام الأخلاقي لهذه الأدوات قبل أن يطالب الطلبة بذلك.
وأشار إلى أن احترام الطالب للمعلم ينبغي أن ينبع من قناعة داخلية وليس من الخوف أو العقاب، لافتًا إلى أن نجاح المعلم في بناء شخصيته المهنية والتربوية أمام الطلبة يسهم في إيجاد بيئة تعليمية قائمة على الاحترام المتبادل. ولفت إلى وجود نماذج كثيرة من المعلمين الذين يبادرون ويبذلون جهودًا تتجاوز حدود واجباتهم المباشرة، في مقابل وجود حالات قد يؤدي فيها التهاون إلى إضعاف حضور المعلم أمام الطالب، مؤكدًا أن الاحترام لا يُصنع بالشدة وحدها وإنما بما يقدمه المعلم من نموذج مهني وتربوي مقنع.
الذكاء الاصطناعي أداة لا بديل
وحول استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، اعتبر الصبحي أن التخوف من هذه التقنيات لا ينبغي أن يقود إلى رفضها، موضحًا أنها يمكن أن تختصر الوقت وتساعد المعلم في جوانب متعددة من التدريس، شريطة أن تُستخدم بصورة واعية وأخلاقية. وشدد على أن القضية ليست في الأداة نفسها، وإنما في كيفية توظيفها، وأن المعلومات التي تقدمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مراجعة وتمحيص، مستشهدًا بتجربة شخصية طلب خلالها من إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي إعداد أسئلة في قواعد اللغة الإنجليزية ثم اكتشف بعد مراجعة الإجابات وجود أخطاء فيها.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلة جيدة لدعم التدريس وتوفير الوقت والجهد، إلا أن الاستفادة منه يجب ألا تتحول إلى مجرد نقل للمحتوى، وإنما إلى أداة لتوليد الأفكار وتطويرها وتنمية التفكير النقدي والإبداع لدى المعلم والطالب. ورأى أنه لا مفر من التعامل مع الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية، سواء من المعلمين أو الطلبة، مشيرًا إلى أن الطالب يمكنه الاستفادة منه في إعداد عرض أو فكرة، لكن المطلوب منه أن يطور المحتوى ويضيف إليه ولا يكتفي بنقله كما هو.
تحديات تواجه المعلم
وتطرق الصبحي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أبرز التحديات التي تواجه المعلم في الوقت الحالي، ومن بينها ضعف دافعية بعض الطلبة للتعلم، في ظل تعدد اهتماماتهم وانشغالهم بالألعاب الإلكترونية وغيرها من المؤثرات التي أصبحت تنافس الدراسة على وقتهم واهتمامهم. وأشار كذلك إلى أن مكانة المعلم الاجتماعية تغيرت مقارنة بما كانت عليه قبل عقود، معتبرًا أن المجتمع بحاجة إلى إعادة ترسيخ التقدير لهذه المهنة، ليس من خلال النظرة المادية وإنما عبر إدراك القيمة التي يمثلها المعلم في بناء الإنسان والمجتمع.
وبيّن أن المعلم يظل حجر الزاوية في أي منظومة تربوية، وأنه بحاجة إلى دعم المجتمع والإعلام والجهات المعنية ومنحه الثقة والاحترام، لأن نظرة الطالب إلى معلمه تؤثر مباشرة في مستوى تفاعله معه واستفادته منه. ودعا إلى تنفيذ برامج توعوية تسهم في إبراز أهمية مهنة التعليم والمجهود الذي يبذله المعلم داخل الصف وخارجه، مشيرًا إلى أن مسؤولية المعلم لا تنتهي بانتهاء الحصة الدراسية، وإنما تمتد إلى متابعة الطالب والتفكير في مشكلاته واحتياجاته التعليمية.
«إجادة» والتطوير المهني
وتناول الصبحي تطبيق منظومة «إجادة»، مشيرًا إلى أنها في أصلها ليست أمرًا سلبيًا، وأنها وجدت لتساعد الموظف على تحديد أهدافه والتركيز على التطور بالتنسيق مع رئيسه المباشر، إلا أن التعامل معها أحيانًا اتجه نحو التركيز على الأرقام والتنافس والمردود المادي. ورأى أن بعض الممارسات جعلت التوثيق يأخذ مساحة أكبر من الهدف نفسه، بحيث أصبح اهتمام بعض المعلمين منصبًا على إثبات ما أنجزوه للحصول على تقييم مرتفع أكثر من التركيز على العائد الحقيقي للممارسة التعليمية، معتبرًا أن أي نظام جديد يحتاج إلى وقت حتى يتكون فهم أكثر نضجًا لأهدافه وآليات تطبيقه.
وحث المعلمين على الاستمرار في تطوير قدراتهم، وعدم الاكتفاء بالمؤهل الذي حصلوا عليه في بداية مسيرتهم المهنية، مؤكدًا أهمية الاطلاع على التجارب الدولية، والقراءة المستمرة في المجال التربوي، والمشاركة في البحوث التربوية وخدمة المجتمع. وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى «المعلم الباحث» الذي لا يكتفي بتقديم المادة التعليمية، وإنما يواكب المتغيرات ويبحث ويجرب ويشارك في تطوير الممارسة التعليمية، لأن البحث العلمي يمثل أحد المداخل الأساسية لتطوير التعليم.
كما دعا إلى أن تكون برامج التنمية المهنية مبنية على الاحتياجات الفعلية للمعلمين، لا على دورات قصيرة ومتكررة تقدم الموضوعات نفسها عامًا بعد عام، مشددًا على أهمية أن يستند التدريب إلى البحث العلمي وتحديد احتياجات المعلم المهنية بصورة دقيقة، وأن يقدم بمستوى عالٍ من الجودة. وتطرق إلى بعض التحديات المرتبطة بالاستقرار الوظيفي والتنقلات، خصوصًا بالنسبة للمعلمات اللاتي قد يعملن في مناطق بعيدة، مشيرًا إلى ضرورة التعامل مع هذه المسائل بواقعية والنظر إلى الحلول الجديدة من زوايا متعددة بما يخدم استقرار العمل التربوي.
المناهج وسوق العمل
وفي حديثه عن المناهج، شدد الصبحي على ضرورة استمرار تطويرها لتواكب التغيرات العالمية واحتياجات سوق العمل، معتبرًا أن تسارع مراجعة المناهج لا يمثل أمرًا سلبيًا في ذاته ما دام مرتبطًا بالتحولات في المعرفة والمهارات المطلوبة. وأضاف أن التعليم لم يعد قائمًا على المعرفة وحدها، في ظل إمكانية الوصول إلى المعلومات بسهولة، وإنما أصبح المطلوب تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي والرقمنة والتواصل والبحث العلمي لدى الطلبة. وأشار إلى أن المخرجات التعليمية المستقبلية ينبغي أن تمتلك مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، والبحث والعرض والتقديم والكتابة والتواصل، موضحًا أن سوق العمل لا يبحث فقط عن حامل شهادة، وإنما عن خريج يمتلك مجموعة من المهارات التي تمكنه من التكيف مع المتطلبات المهنية المتغيرة.
اللغة الإنجليزية والمخرجات
وحول مستوى الطلبة في اللغة الإنجليزية، أفاد الصبحي، بحكم خبرته في التعليم المدرسي والعالي، بوجود ضعف لدى شريحة من الطلبة، لكنه رفض تحميل المسؤولية لطرف واحد، موضحًا أن الأسباب لا ترتبط بالمعلم أو المنهج أو المدرسة وحدها، وإنما تشمل كذلك دافعية الطالب وعوامل أخرى.
ورأى أن اللغة الإنجليزية ما تزال ذات أهمية كبيرة في مجالات العلم والتكنولوجيا والأعمال والتواصل الدولي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية اللغة العربية، داعيًا إلى تحقيق موازنة بين اللغتين وفق طبيعة التخصصات والمجالات. وأوضح أنه لا يدعو إلى إقصاء اللغة العربية أو رفض التعريب بصورة مطلقة، وإنما يرى ضرورة استمرار تدريس بعض المواد والتخصصات باللغة الإنجليزية، بما يواكب طبيعة المعرفة العالمية واحتياجات سوق العمل.
ولفت إلى وجود فجوة أحيانًا بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة ومتطلبات التعليم العالي، مستشهدًا بالرياضيات التي يدرسها الطالب باللغة العربية في المدرسة ثم ينتقل إلى دراستها باللغة الإنجليزية في بعض مؤسسات التعليم العالي، وهو ما قد يشكل تحديًا لدى بعض الطلبة. وطالب بتطوير قدرات الطلبة في المرحلة الثانوية، والعمل على تطوير المناهج والمعلمين وتحفيز الطلبة على تعلم اللغة الإنجليزية، بما يقلل الفجوة بين التعليم المدرسي والجامعي، مع التأكيد على وجود طلبة عُمانيين متميزين استطاعوا تجاوز البرامج التأسيسية والدخول مباشرة إلى تخصصاتهم الجامعية.
دور الأسرة
وأشاد الصبحي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» بالتطور الذي طرأ على اهتمام الأسر بمتابعة الأبناء دراسيًا، معتبرًا أن دور الأسرة لم يعد مقتصرًا على توفير المستلزمات المادية، بل امتد إلى متابعة الدراسة وتوفير الدروس والمنصات التعليمية ودعم الأبناء لتحقيق نتائج أفضل. وأشار إلى أن ارتفاع مستوى التنافس على الفرص الأكاديمية والوظيفية دفع كثيرًا من الأسر إلى الاهتمام بصورة أكبر بأداء أبنائها ومهاراتهم، مثمنًا في الوقت نفسه توجه وزارة التعليم نحو تقنين بعض المستلزمات المدرسية والدفاتر المطلوبة من الطلبة بما يخفف الأعباء على الأسر ويعيد التركيز إلى الهدف الأساسي المتمثل في تعلم الطالب.
كما نوّه بالفرص التي أتاحتها الوزارة لتأهيل المعلمين وتطويرهم، مستشهدًا بتجربة تأهيل 1080 معلمًا من مستوى الدبلوم إلى البكالوريوس في بريطانيا، إلى جانب فرص التفريغ الدراسي والتأهيل والتدريب، معتبرًا أن تطوير المعلم ظل أحد الأهداف المهمة في مسيرة التعليم. ودعا المعلمين إلى عدم حصر اهتمامهم في السلبيات، والمبادرة إلى تطوير الذات وتحسين أساليب العمل والانفتاح على التجارب التعليمية العالمية، مستشهدًا بتجارب سنغافورة وكوريا الجنوبية وفنلندا، ومؤكدًا أن تقدم الأنظمة التعليمية لا يتحقق دون معلم فاعل وقادر على التطوير المستمر.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



