حمدان العلوي «الوصال»:«الشركات الناشئة محرك رئيسي لابتكارات الذكاء الاصطناعي في عُمان»
منتدى الوصال
الوصال ــ تحدّث حمدان بن محمد العلوي، مدير دائرة تطوير برنامج الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، في حلقة من برنامج «منتدى الوصال» عن الذكاء الاصطناعي والتوجهات الوطنية في سلطنة عُمان، مؤكدًا أن التقنية أصبحت اليوم في صدارة الأدوات التي تصنع مستقبل الأمم وتحدد مكانتها على الخارطة العالمية.
سباق مع المستقبل
وأوضح أن العالم يعيش مرحلة تسارع غير مسبوق، لم يعد فيها المستقبل ينتظر من يلحق به، بل يصنعه من يمتلك أدوات المعرفة والتقنية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد اختراع تكنولوجي، بل محرك تنمية وقاطرة نمو تعيد رسم خارطة الاقتصادات وشكل الحياة اليومية. ومن هنا جاءت أهمية فتح هذا الملف للحديث عن كيفية تبني الدول لهذه «الثروة والثورة» في آن واحد، والمحاور الرئيسة التي ترتكز عليها استراتيجياتها الوطنية.
جذور الذكاء الاصطناعي
واستعرض العلوي البعد التاريخي للذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنه علم قديم نسبيًّا تعود جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي، حين طرح عالم الرياضيات آلان تورنغ فكرة قدرة الآلة على محاكاة ذكاء الإنسان من خلال اختبار يفصل بين إجابة الإنسان والآلة دون أن يميّز المحكّم بينهما. ثم ظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» رسميًا عام 1958 على يد العالم جون مكارثي، لتنطلق بعدها مسيرة طويلة من التطور شهدت محطات مهمة؛ من الأنظمة الخبيرة في ثمانينيات القرن الماضي، إلى فوز حاسوب شركة IBM على بطل العالم في الشطرنج عام 1997، ثم القفزة الكبيرة مع فوز نظام «AlphaGo» عام 2017 في لعبة تُعد رمزًا للتفكير العميق في الشرق، وما حمله ذلك من أبعاد سياسية وتنافسية بين الشرق والغرب في ميدان التقنية.
تحول نوعي عالمي
وأشار إلى أن الاهتمام المجتمعي بالذكاء الاصطناعي تجدد بقوة مع ظهور «شات جي بي تي» في نهاية عام 2022، حيث أصبح الأفراد يستخدمون هذه التقنيات في أعمالهم اليومية ودراساتهم دون أن يشعروا أحيانًا، سواء عبر التوصيات الذكية في منصات التواصل الاجتماعي أو عبر منصات توليد النصوص والصور والفيديو. وأكد أن أي منظومة ذكاء اصطناعي تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: البيانات التي تغذي النظام بالمعرفة، والخوارزميات التي تتعلم من هذه البيانات وتتخذ القرارات، وقدرات المعالجة الحاسوبية التي تمكّن من معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة.
بدايات عُمانية مبكرة
وفي حديثه عن جاهزية سلطنة عُمان، بيّن العلوي أن عُمان بدأت مبكرًا في هذا المجال قبل عام 2020، من خلال تجربة رائدة في القطاع الصحي لتشخيص سرطان الثدي في المستشفى السلطاني باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتوالت بعدها الخطوات المؤسسية بتأسيس المركز الوطني للفضاء والتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي ضمن هيكل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وتكليفه بصياغة خارطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي. كما أطلقت الوزارة في عام 2021 برنامج الاقتصاد الرقمي الذي يتضمن ثمانية برامج تنفيذية، من بينها برنامج مخصص للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، يخدم مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
برنامج وطني شامل
وأوضح أن سلطنة عُمان أطلقت في 2022 أول برنامج تنفيذي للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، غير أن التسارع العالمي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة الكمية، إلى جانب التوجيهات السامية، قاد إلى تطوير برنامج وطني أشمل تم اعتماده من مجلس الوزراء تحت مسمى «البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة». وبيّن أن سلطنة عمان سبقت كذلك إلى إصدار سياسة استخدام منظومات الذكاء الاصطناعي وسياسة البيانات المفتوحة، بما يؤطر الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات ويشجع على مشاركة البيانات للتطبيقات البحثية والتقنية.
بوابة البيانات المفتوحة
وتوقّف العلوي عند إطلاق البوابة الوطنية للبيانات المفتوحة التي تتيح بيانات يمكن استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والبحوث العلمية واتخاذ القرارات الاستثمارية دون قيود قانونية، إلى جانب تدشين نموذج «المُعين» اللغوي العُماني الكبير بوصفه نموذجًا يُشبه شات جي بي تي لكنه مطوّر بأيدٍ عمانية ومُدرّب على بيانات عُمانية ومُستضاف داخل عُمان، بما يحافظ على خصوصية البيانات ويتيح للجهات الحكومية بناء تطبيقاتها الحوارية الذكية بالاستناد إلى بنية تحتية وطنية.
استوديو الذكاء الاصطناعي
كما تحدث عن مشروع «استوديو الذكاء الاصطناعي» الذي سيُقام في مركز عُمان للابتكار في مسقط كبيت خبرة ومرجعية للجهات الحكومية التي ترغب في تطوير حلول ذكية، من خلال تحليل أعمالها واكتشاف فرص إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي، واقتراح التقنيات والشركات المناسبة، إلى جانب دوره في نقل المعرفة وتقديم حلقات وبرامج تدريبية متخصصة للموظفين الحكوميين والشركات الناشئة. وأشار إلى إنشاء مركز الثورة الصناعية الرابعة بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، كأحد المراكز القليلة عالميًا والسادس عربيًا، للاستفادة من خبرات دولية في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
بناء القدرات الوطنية
وفي محور بناء القدرات، استعرض العلوي مبادرات الوزارة مثل «مكين» لتدريب الباحثين عن عمل في مجالات التحليل والبيانات والذكاء الاصطناعي والطائرات المعززة بالذكاء الاصطناعي، مع اقتراب تحقيق مستهدف تدريب 10 آلاف متدرب. كما تطرّق إلى مبادرة «صنّاع الذكاء الاصطناعي» بالتعاون مع جامعة التقنية والعلوم التطبيقية والجامعة الوطنية، لدعم مشاريع التخرج والبحوث الطلابية في هذا المجال، ومنح الجوائز للمشاريع المتميزة وتحويلها إلى نماذج قابلة للتطبيق.
تحديات تبني التقنية
وانتقل العلوي للحديث عن التحديات التقنية التي تواجه تبنّي الذكاء الاصطناعي، مثل نقص الكفاءات المتخصصة في علوم البيانات وتحليلها، وارتفاع تكلفة التقنيات الحديثة، ومحدودية البيانات الجاهزة للاستخدام أو حاجتها إلى التنظيف والترتيب، بالإضافة إلى مقاومة التغيير والخوف من انتهاك الخصوصية أو فقدان الوظائف، إلى جانب إشكالية التحيز في الخوارزميات المستوردة التي قد لا تراعي الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية.
استجابة تعليمية وتشريعية
وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحديث المناهج التعليمية، وبناء برامج تدريبية مستمرة، وتحفيز الاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية، وتهيئة بيئة تشريعية محفزة للابتكار، مع تشجيع قيام شركات وطنية متخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي، بما يقلل من أثر هذه المعوّقات ويمكّن من توظيف التقنيات بما يخدم الأولويات الوطنية.
حضور في حياتنا اليومية
وضرب أمثلة عملية على حضور الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، سواء عبر تسهيل الخدمات الحكومية مثل المواعيد الطبية في تطبيقات الصحة، أو في التعليم من خلال استخدام المعلمين للأدوات الذكية لإعداد محتوى تفاعلي للطلاب، وتمكين أولياء الأمور من توليد أسئلة تدريبية من الكتب الإلكترونية، أو تحويل الكتب إلى عروض تقديمية وفيديوهات وكتب صوتية خلال وقت قصير.
قيمة اقتصادية مضافة
وفي ختام حديثه، أكد حمدان العلوي على أن الذكاء الاصطناعي ليس ترفًا تقنيًا بل أداة لحل مشكلات حقيقية بطريقة أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وأن شباب عُمان قادرون على إضافة قيمة اقتصادية حقيقية متى ما استثمروا المنصات التدريبية المتاحة، وتكاملت مهاراتهم في فرق عمل تجمع مطوري الخوارزميات ومحللي البيانات والمبدعين في توظيف هذه الأدوات. مؤكّدًا أن سلطنة عُمان، من خلال برامجها الوطنية واستثماراتها في البنية التحتية والقدرات البشرية، تضع نفسها بثبات على خريطة الدول الساعية لصناعة مستقبلها الرقمي بيد أبنائها.
لمتابعة حلقة «مندى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



