الوصال ــ تناول إبراهيم العميري خلال حديثه في برنامج «ولا تنسوا الفضل بينكم» عبر إذاعة الوصال، موضوع الميراث حين ينقلب من نعمة جامعة إلى سبب للنزاع والقطيعة، متوقفًا عند واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية، وهي الخلافات بين الورثة حين تتقدم الحسابات المادية على روابط الرحم، وحين تتحول الخصومة إلى مسار طويل يستنزف المال والعلاقات والأعمار.

واستهل العميري حديثه بالتأكيد على أن الخلاف من سنن الحياة، غير أن الاستسلام له، وتوسيع هوته، وتغذية ناره، لا ينسجم مع مقتضيات الحياة الكريمة، مشيرًا إلى أن النزاع بين الورثة آفة قديمة متجددة، قد تبدأ بسوء تفاهم محدود، ثم لا تلبث أن تتسع حتى تلتهم المال، وتبدد العلاقات، وتطيل أمد القطيعة بين الإخوة والأقارب.

وأوضح أن القرآن الكريم يضع نموذجًا راقيًا في معالجة النزاع، قائمًا على التحكيم والصلح والبحث عن الأرضية المشتركة، بدل الذهاب مباشرة إلى توسيع الخلاف، مؤكدًا أن الفضل الذي ينبغي ألا يُنسى بين الناس لا يقتصر على تبادل المنافع، بل يشمل أيضًا الحرص العميق على بقاء أواصر القربى، والتغافل عن الزلات، وتقديم صلة الرحم على لذة الانتصار في الخصومة.

من الثروة إلى القطيعة

واستعرض العميري خلال الحلقة قصة من أرشيف لجنة التوفيق والمصالحة، وصفها بأنها طويلة ومؤلمة، لكنها انتهت بعبرة بالغة الدلالة. وتبدأ القصة بوفاة والد ترك وراءه ثروة عقارية وتجارية كبيرة، إلى جانب ستة أبناء وابنتين. وقد تأخر الورثة في قسمة الميراث بحجة الحفاظ على إرث الوالد من التفتيت، إلا أن هذا التأخير لم يحم المال كما ظنوا، بل فتح باب الخلاف على مصراعيه.

وبيّن أن النزاع بدأ باتهامات متبادلة بين الأشقاء بالتلاعب وإخفاء المستندات، ثم تحولت المشاورات العائلية إلى مشاجرات، والمشاجرات إلى قطيعة كاملة، ليفقد الجميع القدرة على الجلوس كأسرة واحدة تبحث عن تفاهم أو مخرج، ويتجه كل طرف إلى محاميه، فتبدأ رحلة قضائية طويلة استمرت عشرين عامًا كاملة.

عشرون عامًا من الاستنزاف

وأشار العميري إلى أن أطراف القضية أمضوا عقدين كاملين بين المحاكم الابتدائية والاستئناف والعليا، ولم يعودوا يلتقون إلا عند أبواب القضاء، حيث كانت النظرات الحادة والرسائل القاسية تمر عبر مذكرات المحامين بدل أن تمر عبر لغة الأخوة والرحم. وخلال هذه السنوات، أُنفقت مبالغ طائلة على أتعاب المحاماة والخبراء، وأُهملت العقارات وتراجعت قيمتها، فيما كانت الخسارة الأكبر في الأعمار والعلاقات والذكريات.

وأضاف أن أبناء الأسرة حُرموا من أعمامهم وأخوالهم، وتبددت صلات القربى، وتحول الميراث من بركة مفترضة إلى لعنة موروثة، لا يحملها الجيل الأول فقط، بل تمتد آثارها إلى الأبناء والأحفاد، في صورة مشاعر متراكمة من القطيعة والمرارة والانقسام.

حين يطرق الأصغر باب الصلح

وبعد عشرين سنة من النزاع، أوضح العميري أن بعض الورثة بلغوا حد الإنهاك من هذا الصراع الطويل، فقرر أصغرهم سنًّا أن يطرق باب لجنة التوفيق والمصالحة، بوصفها الملاذ الأخير بعد أن استُنفدت كل مسارات المواجهة. وجاء إلى اللجنة حاملًا شيئًا من الأمل، لكنه كان يحمل أيضًا تراكمًا ثقيلًا من الشكاوى والخيبات والإحباطات الناتجة عن سنوات النزاع العائلي البارد.

وأكد أن اللجنة وجدت نفسها أمام تحدٍّ بالغ الصعوبة، يتمثل في إصلاح ما أفسدته عشرون سنة من القطيعة، لكنها اختارت أن تبدأ من الجذور، أي من إصلاح القلوب قبل التفكير في تقسيم الأموال.

الاستماع قبل القسمة

وأوضح العميري أن أولى خطوات اللجنة تمثلت في عقد جلسات استماع فردية مع كل وارث على حدة، ولم يكن السؤال الأول عن العقارات أو الأسهم أو الحصص، بل كان سؤالًا إنسانيًّا بالغ الأثر: ما أكبر خسارة شخصية عشتها خلال هذه السنوات؟

وقال إن هذا السؤال فتح أبوابًا ظلّت موصدة طويلًا، إذ تحدث أحدهم عن خسارته حضور زفاف ابن أخيه، فيما عبّر آخر عن فقدانه الثقة فيمن كانوا يأكلون معه من طبق واحد، وقال ثالث إنه خسر بركة والده ورضاه عنه. وتحولت هذه الجلسات إلى ما يشبه عملية تطهير عاطفي، أخرجت مشاعر تراكمت على مدى سنوات، وأعادت تعريف الخسارة بعيدًا عن الأرقام والوثائق.

صدمة الحسابات

ثم انتقلت اللجنة، بحسب ما رواه العميري، إلى خطوة وصفها بـ«الصدمة الواعية»، حين جمعت ممثلي الأطراف وقدمت لهم ورقة حسابية تقديرية بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت صادمة في مضمونها. فقد تضمنت أولًا مجموع ما دُفع طوال عشرين سنة من أتعاب للمحامين والخبراء، ثم الفرق بين القيمة السوقية للعقارات لو تم التصرف فيها مبكرًا، وبين قيمتها بعد الإهمال والتعطل، فضلًا عن الكلفة المعنوية التي لا تُقاس بالأرقام.

وأضاف أن اللجنة طرحت على الجميع سؤالًا مباشرًا بعد عرض هذه الأرقام: هل الفارق الذي ما زلتم تتنازعون عليه اليوم يساوي فعلًا جزءًا يسيرًا مما أنفقتموه وخسرتموه على مدار عشرين سنة؟ وأكد أن الجلسة سادها صمت ثقيل، لكن الإجابة كانت واضحة في وجوه الحاضرين، إذ أدركوا للمرة الأولى حجم النزيف الذي صنعته الخصومة.

من الصدمة إلى إعادة البناء

وبيّن العميري أن اللجنة بعد ذلك انتقلت من مرحلة كشف الخسارة إلى مرحلة بناء الجسور، فطرحت على الورثة أسئلة أعادتهم إلى أصل القضية ومعناها الإنساني، من قبيل: ماذا كان والدكم سيفعل لو رأى حالكم اليوم؟ وما الحل الذي يحفظ لكم كرامتكم، ويوقف النزيف المالي، ويعيد إليكم شيئًا من دفء العائلة؟

وعلى أثر هذا الحوار، توصلوا إلى جملة من المبادئ الأساسية التي شكلت قاعدة الصلح. كان أولها الاتفاق على تعيين خبير واحد محايد يتم اختياره بتوافق الجميع لتقييم الأصول جميعها، بدل الاستمرار في تضارب التقييمات والتقارير. أما المبدأ الثاني فتمثل في التنازل من أجل المصالحة، بحيث يتنازل من ليس في حاجة ملحة عن جزء يسير من حقه لصالح من يحتاجه، على أن يكون ذلك في صورة هدية أخوية لا حقًّا مفروضًا. ثم جاء المبدأ الثالث في شكل اتفاقية سلام عائلية تم توقيعها في لجنة التوفيق والمصالحة، ولم تقتصر على تقسيم المال، بل تضمنت أيضًا التزامًا بفتح صفحة جديدة، واستعادة الزيارات، ورد الاعتبار، وهو ما تم بالفعل عبر محضر صلح صادر عن اللجنة.

تحوّل اللغة وتحول المصير

وأكد العميري أن الحوار غيّر مسار القضية بالكامل، إذ انتقلت لغة الأطراف من منطق الخصومة القانونية، القائم على الطعن والرد والإثبات، إلى لغة الشراكة الأسرية والبحث المشترك عن مخرج. وقال إن الجملة التي غيرت المشهد كله صدرت من أحد الورثة حين قال لإخوته: «لقد متنا جميعًا في هذه القضية، فلنحيي أنفسنا وعائلتنا من جديد».

واعتبر أن هذه اللحظة كانت بمثابة نقطة التحول الحقيقية، لأنها أعادت تعريف القضية من نزاع على حصص إلى سؤال عن النجاة الجماعية من مأزق استمر طويلًا، وأثبتت أن كثيرًا من النزاعات لا تحتاج فقط إلى قانون، بل إلى من يوقظ المعنى الغائب في النفوس.

رسائل عملية للأسر

وانتقل العميري بعد ذلك إلى استخلاص الدروس من هذه القصة، موجهًا مجموعة من النصائح العملية للأسر، ولا سيما في ما يتعلق بالميراث. وأكد أولًا أن التأخير المبالغ فيه في قسمة الميراث غالبًا ما يفتح أبوابًا للخلاف لا تُغلق بسهولة، وأن ما يُظن أنه حفاظ على المال قد يتحول مع الوقت إلى سبب مباشر لتمزيق العائلة.

وشدد ثانيًا على أهمية اللجوء إلى شخص حكيم ومحايد ومقبول من الجميع قبل الوصول إلى القاضي، سواء كان من كبار العائلة أو من أهل العلم أو من أصحاب الثقة والخبرة، ليكون وسيطًا ومصلحًا ومقسمًا، لأن هذا المسار يحفظ المال، ويصون الوجوه، ويقرّب القسمة من الرضا بدل أن يباعدها.

كما دعا إلى أن تكون الأولوية في الجلسات العائلية الأولى بعد الفقد لإصلاح القلوب قبل تقسيم العقارات، من خلال التذكير بالرحم والماضي المشترك والجميل الذي يجمع الأسرة، لأن الأخ الذي تربى الإنسان معه لا تعوضه كنوز الأرض، فيما يمكن تعويض كثير من المال إذا بقيت المودة قائمة.

وأضاف أن من المهم أيضًا تطبيق قاعدة الفضل العملي، بأن يسأل كل طرف نفسه: ما الفضل الذي يمكن أن أقدمه لأخي في هذا الموقف؟ فقد يكون هذا الفضل في التنازل عن قطعة أرض صغيرة، أو في منحه أولوية الاختيار، أو حتى في كلمة طيبة تذيب جليد سنوات من الاحتقان، مستشهدًا بقوله تعالى: «ولا تنسوا الفضل بينكم».

الميراث الحقيقي

واختتم العميري الحلقة بالتأكيد على أن البيوت تُبنى بالتفاهم وتسقط بالخصام، وأن النجاح الحقيقي في ملف الميراث لا يتمثل في أن يأخذ كل إنسان كامل حقه المادي كما يتصوره، بل في أن يخرج الجميع وقد حافظوا على أكبر ميراث يمكن أن يبقى بينهم، وهو ميراث العلاقة الطيبة، وبركة الرحم، ودوام الصلة.

وأكد أن القسمة التي تحفظ المودة، وتمنع القطيعة، وتصون ما تبقى من الود بين الإخوة، هي القسمة الأنجح والأبرك، لأن المال مهما كثر يظل قابلًا للفناء والذهاب، أما صلة الرحم إذا انكسرت فقد لا ترمم بسهولة، وقد تخلّف من الندوب ما يفوق أي خسارة مادية.

وفي ختام حديثه دعا العميري الله تعالى أن يصلح ذات بين الناس، وأن يجعل البيوت عامرة بالمودة والرحمة، وأن يوفق الأسر إلى تقديم الصلح على الخصومة، وصلة الرحم على المكاسب المؤقتة، حتى يبقى الفضل حاضرًا بينهم، ولا تتحول النعمة إلى نقمة.

لمتابعة حلقة «ولا تنسوا الفضل بينكم» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو