الوصال ــ تناولت ابتسام الخايفي، المتخصصة في استشارات الموارد البشرية وتطوير الأفراد داخل المؤسسات، في حديثها خلال برنامج «عِش سعيد» مع الأخصائية النفسية شمسة النبهانية عبر إذاعة الوصال، الأثر النفسي لفقدان العمل والبحث عنه، مؤكدة أن هذه المرحلة لا ينبغي التقليل من وقعها، لأنها تمثل حدثًا حساسًا في حياة الإنسان، وقد تضاهي في تأثيرها بعض تجارب الفقد الكبرى، لما تتركه من أثر مباشر في الإحساس بالأمان والهوية والمكانة الاجتماعية.

وأوضحت أن فقدان الوظيفة أو البقاء لفترة طويلة في دائرة البحث عن عمل لا يرتبط فقط بالدخل المادي، بل يمتد إلى مشاعر الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى المجتمع من حوله، مشيرة إلى أن بعض الناس قد يربطون العمل بهويتهم الشخصية، ولذلك فإن خسارته قد تمسهم في الصميم. وأضافت أن هذه الفئة تحتاج إلى تعاطف حقيقي من المجتمع، وإلى من يسمعها ويفهم ما تمر به، لا إلى أحكام جاهزة أو نظرات قاسية.

مشاعر مختلفة بين الفئتين

وبيّنت ابتسام الخايفي أن هناك فرقًا واضحًا بين الأثر النفسي الذي يعيشه الباحث عن عمل، وبين ما يمر به الشخص المسرّح من وظيفته، مؤكدة أن المسرّح من العمل غالبًا ما يواجه صدمة أقوى، لأنه يفقد مصدر دخل، ومكانة، وروتينًا يوميًّا، وعلاقات مهنية، وشعورًا بالاستقرار. أما الباحث عن عمل، فرغم ما قد يمر به من إحباط إذا طالت فترة البحث، فإنه يظل مختلفًا من حيث طبيعة التجربة، لأنه لم يدخل سوق العمل بعد، وما يزال يعيش على مساحة من الأمل المرتبط بالحصول على فرصة أولى.

وأضافت أن الباحث عن عمل إذا استمرت رحلته لأكثر من ستة أشهر قد يدخل في مرحلة من الإحباط، بينما يكون المسرّح من العمل أمام تجربة أقسى لأنها تمثل فقدًا مباشرًا لما كان قائمًا بالفعل، سواء من الجانب المادي أو المعنوي أو حتى المكاني، وهو ما يجعل المشاعر مختلفة، ويجعل التعامل مع الفئتين بحاجة إلى فهم متباين لا يضعهما في القالب نفسه.

المعيل تحت ضغط أكبر

وأشارت إلى أن الشخص المعيل يتأثر بصورة أكبر في مثل هذه الظروف، سواء كان رجلًا أو امرأة، لأنه يشعر بثقل المسؤولية تجاه الأسرة واحتياجاتها اليومية، مضيفة أن الرجل في بعض المجتمعات قد يواجه ضغطًا إضافيًّا بسبب النظرة الاجتماعية التي تربط بينه وبين القدرة على الإنفاق والإعالة، ما يجعل وقع فقدان العمل عليه أكثر حدة من الناحية النفسية.

ولفتت إلى أن كثيرًا من الرجال لا يميلون إلى التعبير عن مشاعرهم بسهولة، أو الحديث عن ضيقهم، ويحاولون الصمت أو تجاوز الموضوع وحدهم، رغم أنهم في حقيقة الأمر يحتاجون إلى الدعم والاستماع والتفهم، تمامًا كما تحتاج إليه أي فئة أخرى تمر بالتجربة نفسها.

طريقة الفقد تصنع الأثر

وأكدت ابتسام الخايفي أن حجم التأثير النفسي لا يرتبط فقط بفقدان الوظيفة نفسه، بل بالطريقة التي حدث بها هذا الفقد. فإذا كان الشخص قد تلقى إشارات مسبقة، أو كان يتوقع انتهاء عقده، أو جرى تهيئته نفسيًّا ومهنيًّا لما سيحدث، فإن وقع الأمر يكون أخف نسبيًّا. أما إذا جاء القرار مفاجئًا، ومن دون حوار أو توضيح أو فترة انتقالية، فإن الصدمة تكون أشد، وقد يدخل الشخص في تساؤلات مؤذية حول ذاته وكفاءته.

وقالت إن بعض الأشخاص لا يعرفون أصلًا لماذا انتهت خدماتهم، وهل الأمر متعلق بأدائهم أم بظروف المؤسسة، وهذا الغموض يزيد من التوتر ويجعلهم يحملون القرار بصورة شخصية أكثر مما ينبغي، بينما يكون السبب في كثير من الأحيان خارجًا عن إرادتهم، ويرتبط بإعادة هيكلة أو ظروف اقتصادية أو تغيرات تنظيمية داخل المؤسسة.

حين يبقى الجرح مفتوحًا

وسردت ابتسام موقفًا من واقع خبرتها المهنية، حين أجرت مقابلة مع متقدمة لوظيفة كانت تحمل خبرة تتجاوز عشر سنوات، رغم أن الوظيفة المعروضة لا تناسب حجم خبرتها إطلاقًا. وأوضحت أنها لاحظت أثناء المقابلة الحزن الشديد في عينيها، ومحاولتها المستمرة لتبرير أنها كانت مجتهدة، وأن أداءها كان ممتازًا، وأنها لا تعرف لماذا فقدت عملها.

وأضافت أن هذه الحالة كشفت لها أن الموظفة السابقة لم تغلق الملف نفسيًّا بعد، وما تزال تحمل الجرح مفتوحًا، وتتساءل باستمرار عن السبب. ومن هنا نصحتها بأن تصل إلى ما أسمته «إغلاق الموضوع»، لأن بقاء الأسئلة معلقة في الذهن يجعل الجرح مستمرًّا، ويمنع الإنسان من الانتقال إلى مرحلة جديدة.

وأشارت إلى أنها قالت لها إن أمامها خيارين: إما أن تتواصل مع الجهة السابقة لتفهم حقيقة ما حدث بصورة واضحة، إذا كان ذلك ممكنًا، أو أن تبدأ بنفسها في صياغة روايتها الشخصية عن تجربتها، وأن تتحدث عن نفسها بثقة في أي مقابلة قادمة، من دون أن تسمح للصدمة أن تتكلم بالنيابة عنها أو أن تجعلها في موضع دفاع دائم.

الاعتراف قبل التجاوز

وشددت ابتسام الخايفي خلال حديثها في برنامج «عِش سعيد» مع الأخصائية النفسية شمسة النبهانية على أن تجاوز هذه المرحلة لا يبدأ بإنكار الألم أو القفز السريع إلى الحلول، بل يبدأ بالاعتراف بالمشاعر أولًا، سواء كانت حزنًا أو خذلانًا أو توترًا أو إحباطًا. وقالت إن الإنسان حين يعترف بما يمر به، يكون أكثر قدرة على فهمه ثم تجاوزه، بينما يؤدي الإنكار غالبًا إلى إطالة الأزمة وتعقيدها.

وأضافت أن تجاوز الفقد يحتاج إلى المرور بمراحله الطبيعية، ثم الانتقال منها بتدرج، لا بالقفز فوقها، لأن الحلول الحقيقية تأتي بعد الفهم والتقبل، لا قبل ذلك.

قرارات لا تتعلق بالفرد وحده

ومن زاوية الموارد البشرية، أوضحت ابتسام الخايفي أن كثيرًا من قرارات إنهاء الخدمة لا ترتبط بالموظف نفسه بقدر ما ترتبط بظروف المؤسسة أو السوق، مثل التغيرات الاقتصادية، أو تباطؤ بعض القطاعات، أو انتهاء العقود، أو انتقال الشركات، أو إعادة الهيكلة، أو دخول التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وهي عوامل قد تغيّر شكل الوظائف والاحتياجات داخل المؤسسات.

وأكدت أن بعض الموظفين يحملون أنفسهم أكثر مما يحتملون، بينما تكون المؤسسة أصلًا تمر بظرف أكبر منها ومنهم، ولذلك فإن فهم السياق الأوسع لما يحدث يساعد على تخفيف التفسير الشخصي المؤلم للقرار.

مسؤولية المؤسسة في طريقة الإنهاء

وبيّنت أن المؤسسة إذا كانت أكثر وعيًا وإنسانية في طريقة تعاملها مع هذه المرحلة، فإنها تستطيع أن تخفف كثيرًا من الأثر النفسي على الموظف. وذكرت أن بعض الجهات المهنية تقدم فترة انتقالية، أو تشرح الأسباب بوضوح، أو توفر دعمًا نفسيًّا ومهنيًّا، أو تساعد في الوصول إلى فرص أخرى، أو تبقي على مساحة من الاحترام والتقدير عند إنهاء العلاقة المهنية.

وأضافت أن الموظف لا يبحث فقط عن الراتب، بل عن التقدير أيضًا، وإذا شعر بأن سنوات عمله انتهت من دون تقدير أو توضيح أو احترام، فإن ذلك يضاعف الجرح النفسي لديه، حتى لو كانت الأسباب مؤسسية وليست شخصية.

العمل ليس كل الهوية

وأكدت ابتسام الخايفي أن من أبرز التحديات في هذه المرحلة أن كثيرًا من الناس يربطون هويتهم بالكامل بوظيفتهم، لأنهم اعتادوا أن يعرّفوا أنفسهم من خلالها، في المجالس والمناسبات والحياة العامة. ولذلك، فإن فقدان العمل قد يهزّ ثقتهم بأنفسهم، وكأنهم فقدوا جزءًا من تعريفهم الأساسي.

ورأت أن هذه المرحلة، رغم صعوبتها، قد تكون فرصة لإعادة اكتشاف الذات خارج إطار الوظيفة فقط، وأن يفهم الإنسان أن قيمته لا تنحصر في منصب أو مسمى وظيفي، بل في مجمل شخصيته وقدراته ومواهبه وخبراته وعلاقاته. واعتبرت أن هذه النظرة تساعده على إعادة التوازن النفسي وبناء معنى جديد لهذه المرحلة.

الروتين صمام أمان

وفي حديثها عن الحلول العملية، شددت ابتسام على أن وجود روتين يومي في هذه المرحلة أمر بالغ الأهمية، واصفة إياه بأنه صمام أمان نفسي. وأوضحت أن العقل البشري يعتمد على الروتين لأنه يمنحه شعورًا بالأمان، وأن اختفاء هذا الروتين فجأة بعد فقدان الوظيفة قد يزيد من القلق والتوتر والإحساس بالفوضى.

وقالت إن انتظام الشخص في وقت النوم، والاستيقاظ، والرياضة، والوجبات، وبعض الأنشطة اليومية، يرسل إلى العقل والجهاز العصبي إشارات بأن هناك قدرًا من الاستقرار ما يزال موجودًا، وهو ما يخفف من حدة القلق ويساعد على استعادة التوازن.

وأضافت أن هذا الروتين لا يُبنى في يوم أو يومين، بل يحتاج إلى استمرارية لأشهر، لكنه مع الوقت يهدئ الجهاز العصبي ويمنح الإنسان قدرة أفضل على التفكير واتخاذ القرار والنظر إلى المرحلة بشكل أوضح.

الجسد بداية التعافي

وأشارت ابتسام الخايفي خلال حديثها في برنامج «عِش سعيد» إلى أن الجسد يمثل نقطة البداية في أي عملية تعافٍ أو استعادة توازن، ولذلك فإن تنظيم النوم والأكل والرياضة يجب أن يكون من أولويات الشخص في هذه المرحلة. وقالت إن الرياضة خصوصًا تؤثر بسرعة في تحسين النفسية، حتى لو كانت في أبسط صورها، مثل المشي اليومي أو الحركة المنتظمة.

وأكدت أن الشخص لا يحتاج بالضرورة إلى اشتراك في نادٍ رياضي أو برنامج معقد، بل يكفي أن يبدأ بالحركة المنتظمة، لأنها تساعده على تخفيف الضغط النفسي، وفصل نفسه قليلًا عن دوامة التفكير المستمر، واستعادة شيء من الحيوية والاتزان.

من الانتظار إلى الاستعداد

وأكدت أن من أهم ما ينبغي أن يدركه الشخص في هذه المرحلة هو ألا يضع نفسه في طاقة انتظار فقط، بل في طاقة استعداد. وقالت إن الانتظار السلبي يجعل الإنسان يشعر بالعجز والقلق، بينما يمنحه الاستعداد إحساسًا بأنه يتحرك ويتقدم، حتى لو لم تظهر النتائج مباشرة.

وأضافت أن الفرص غالبًا ما تذهب إلى الشخص المستعد، لا إلى الشخص الذي يكتفي بالجلوس في دائرة القلق والترقب. ولذلك، دعت إلى استثمار هذه الفترة في تقوية المهارات، والتعلم، وإعادة تقييم القدرات، وفتح مسارات جديدة، بدل الاكتفاء بانتظار الحل الخارجي.

إعادة تقييم الذات والقدرات

ورأت ابتسام الخايفي أن هذه المرحلة مناسبة لتقييم الشخصية ونقاط القوة والضعف والميول المهنية، من خلال اختبارات متخصصة أو عبر مرشدين وموجهين مهنيين، بما يساعد الشخص على فهم ذاته بصورة أفضل. وقالت إن كثيرًا من الناس لا يعرفون فعليًّا ما الذي يجيدونه أو ما الذي يناسبهم إلا حين يمرون بفترة مراجعة عميقة كهذه.

وأضافت أن إعادة تقييم الذات تساعد على توجيه الجهد نحو تعلّم أكثر جدوى، لأن التعلم العشوائي لا يكون فاعلًا مثل التعلم المرتبط بهدف واضح وخطة واضحة. ومن هنا، شددت على أن يكون هناك ربط بين ما يريد الشخص أن يتعلمه وبين المسار الذي يسعى إليه.

العمل الحر خيار ممكن

كما أوضحت أن العمل الحر أصبح اليوم أحد البدائل الواقعية والعملية، خصوصًا مع انتشار المنصات الرقمية وسهولة عرض الخدمات والمهارات. وقالت إن كل إنسان يملك شيئًا يمكن أن يقدمه، لكن عليه أن يتعرف عليه أولًا، ثم يبحث عن الطريقة المناسبة لتوظيفه وعرضه.

وأضافت أن هذه المرحلة قد تكون فرصة لاكتشاف قدرات لم يكن الشخص قد التفت إليها من قبل، أو لتجربة مسار مختلف عن المسار الوظيفي التقليدي، ما دام يتحرك بوعي وهدف واستعداد.

شبكة العلاقات جزء من السعي

وشددت ابتسام على أهمية العلاقات المهنية والاجتماعية في هذه الفترة، موضحة أن توسيع الشبكة، والتواصل مع الأشخاص الموثوقين، والاقتراب من البيئات المهنية، والعمل التطوعي، والانخراط في مجتمعات مهنية، كلها أمور قد تفتح أبوابًا وفرصًا لم تكن في الحسبان.

وأكدت أن طلب المساعدة أو الاستشارة أو التوجيه ليس أمرًا محرجًا، بل جزء من السعي الطبيعي، وأن الإنسان لا ينبغي أن ينعزل أو يختبئ، لأن العزلة الطويلة قد تعيد إنتاج الأفكار السلبية وتزيد من الإحباط.

الدعم لا يقل أهمية عن الحل

وفي سياق الحديث عن الأهل والمجتمع، أكدت ابتسام الخايفي أن وجود دعم نفسي من العائلة والمحيط القريب أمر بالغ الأهمية، خصوصًا في المواسم الاجتماعية مثل الأعياد، حين يشعر بعض المسرّحين من العمل أو الباحثين عنه بثقل إضافي بسبب المقارنات أو الالتزامات أو نظرة الآخرين.

وقالت إن هذه الفئة لا تحتاج إلى إحراج أو تذكير بالنقص، بل إلى من يخفف عنها ويمنحها شعورًا بأنها ما تزال جزءًا طبيعيًّا من الأسرة والمجتمع، وأن العيد لا يرتبط فقط بالقدرة المادية أو شراء الأشياء، بل بالحضور الإنساني والسكينة والتواصل.

وأضافت أن الدعم قد يكون في كلمة طيبة، أو في تفهم حقيقي، أو في ترك مساحة من الراحة والقبول، لأن بعض الناس لا يحتاجون في لحظات الضعف إلى حل مباشر بقدر حاجتهم إلى من يطمئنهم ويقف معهم.

طلب المساعدة ليس ضعفًا

كما وجهت ابتسام الخايفي رسالة واضحة إلى من يمرون بهذه التجربة، مفادها أن طلب المساعدة ليس عيبًا، سواء من الأهل أو الأصدقاء أو المختصين أو المجتمع، لأن الإنسان في بعض المراحل يحتاج إلى من يسانده حتى يستعيد اتزانه ويواصل طريقه.

وفي الوقت نفسه، شددت على أن المسؤولية النهائية تبقى على عاتق الشخص نفسه، لأنه هو من سيعبر هذه المرحلة، وهو من ينبغي أن يسعى ويتحرك ويجتهد، وألا يسلم نفسه بالكامل للانتظار أو الاتكاء على الآخرين.

مرحلة مؤقتة وليست نهاية الطريق

وفي ختام حديثها، أكدت ابتسام الخايفي أن هذه المرحلة، مهما كانت قاسية، تظل مؤقتة، وليست نهاية الحياة أو نهاية القيمة أو نهاية الطريق. ودعت كل من يمر بها إلى أن يراها بوصفها فصلًا من فصول الحياة، لا الحياة كلها، وأن يواصل السعي، ويطلب الدعم عند الحاجة، ويقوي صلته بالله سبحانه وتعالى، لأن هذا الاتصال يمنح الإنسان سكينة وثباتًا وقدرة على العبور.

وأضافت أن كثيرًا من المنعطفات الصعبة تحمل في داخلها فرصًا لم تكن متوقعة، وأن ما يمر به الإنسان اليوم قد يكون بداية لتحول جديد أو نضج أكبر أو مسار أنسب، إذا تعامل معه بالصبر والإيمان والعمل المستمر، لا باليأس والاستسلام.

لمتابعة حلقة «عش سعيد» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو