فايزة العريمية في «ولا تنسوا الفضل بينكم»: كثير من طلبات الطلاق والخلع تبدأ من خلافات بسيطة كان يمكن احتواؤها بالحوار والفضل بين الزوجين
ولا تنسوا الفضل بينكم
الوصال ــ تناولت فايزة بنت صالح العريمية، عضوة لجنة التوفيق والمصالحة بولاية صور، في حلقة جديدة من برنامج «ولا تنسوا الفضل بينكم» عبر إذاعة الوصال، جانبًا مهمًّا من أدوار اللجان في معالجة الخلافات الأسرية والمجتمعية، متوقفة عند القضايا التي ترد إلى اللجان، ولا سيما النزاعات الأسرية والزوجية، وما تتطلبه من وعي واحتواء وصبر قبل الوصول إلى مراحل أكثر تعقيدًا.
واستهلت العريمية حديثها بالتعريف بدور لجان التوفيق والمصالحة في السلطنة، موضحة أنها تعد جهة تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، والوصول إلى حلول ترضي الجميع قدر الإمكان، سواء في القضايا الشرعية أو المدنية أو الأسرية. وأشارت إلى أن المتقاضين يتوجهون إلى هذه اللجان عبر برنامج «تسوية»، حيث ترفع الطلبات والمستندات إلكترونيًّا، ثم تحدد الجلسات للنظر في النزاع، والاستماع إلى الأطراف، والعمل على الوصول إلى حلول مناسبة.
وأكدت أن هذه اللجان لا تقتصر على نوع واحد من الخلافات، بل تنظر في طيف واسع من القضايا التي تمس الأسرة والمجتمع، إلا أن القضايا الأسرية والشرعية تظل من أكثر الملفات حساسية، لأنها تتصل مباشرة باستقرار البيوت، وبالعلاقات اليومية بين الأزواج والأبناء والأقارب.
الخلافات الزوجية في الجيل الجديد
وفي هذا السياق، ركزت العريمية على الخلافات الزوجية لدى الجيل الجديد من المتزوجين، مشيرة إلى أن كثيرًا من الشباب والفتيات يدخلون الحياة الزوجية بتصورات مثالية أو غير واقعية، ثم يصطدمون بما تفرضه الحياة من مسؤوليات مالية واجتماعية ونفسية، فيظنون أن المشكلة في الزواج نفسه، بينما يكون الخلل في التوقعات التي سبقت الدخول إليه.
وأوضحت أن بعض الشباب يتعاملون مع الزواج بوصفه مساحة للمتعة فقط، مع أنه بالفعل يحمل جوانب من السعادة والمتعة وتأسيس الأسرة، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية وبناء واستعداد لحياة جديدة تقوم على الشراكة والالتزامات المتبادلة. وأضافت أن الصدمة تبدأ حين يكتشف الزوج أو الزوجة أن الواقع لا يسير على الصورة التي رسمها مسبقًا، فتبدأ الخلافات في الظهور لأسباب قد تكون مالية أو اجتماعية أو ناتجة عن سوء الفهم وعدم التقدير المتبادل.
الزوجة بين التوقع والواقع
وأشارت العريمية إلى أن بعض الزوجات يدخلن الحياة الجديدة وهن يحملن قائمة طويلة من التوقعات، مثل الهدايا والسفر والطلعات والكوفيهات والرفاهية المستمرة، ثم يصطدمن بواقع مختلف، لأن الزوج قد تكون لديه التزامات أخرى أو ظروف مالية محددة أو قناعات اجتماعية مختلفة. ولفتت إلى أن بعض الأزواج قد لا يكونون أصلًا متقبلين لفكرة الجلوس مع الزوجة في الأماكن العامة، بسبب ما نشأوا عليه من أعراف وتقاليد أو تصورات اجتماعية معينة، فيفضل أحدهم أن يوفر لزوجته جلسة خاصة أو خصوصية في مكان مغلق على أن يخرج بها إلى مقهى أو مكان مفتوح.
وأضافت أن المشكلة تبدأ حين تُقاس الحياة الزوجية بمقارنات مستمرة مع حياة الآخرين، فتقول الزوجة إن زوج فلانة يسفرها، وزوج أختها يشتري لها الشنطة الفلانية، وآخر يخرج بزوجته باستمرار، بينما زوجها لا يفعل ذلك. وهنا، شددت على أن مثل هذه المقارنات لا تؤسس حياة سليمة، لأن كل بيت له ظروفه، وكل رجل له إمكاناته، ولا يمكن فصل المطلب عن القدرة المالية أو الشخصية للطرف الآخر.
الزوج أيضًا يصطدم بتصوراته
ولفتت العريمية إلى أن الأمر لا يقتصر على الزوجة وحدها، بل إن بعض الأزواج أيضًا يدخلون الحياة الزوجية وهم يتوقعون صورة مثالية مريحة بالكامل، يظنون فيها أن الزوجة ستكون دائمًا في أبهى حال، وأنها ستوفر لهم الهدوء والاحتواء وتتفهم كل ما كانوا يمارسونه قبل الزواج من خروج دائم أو سهر أو انشغال بالأصدقاء، من دون أن يدركوا أن للزوجة أيضًا حقوقًا ومشاعر واحتياجات ومساحة خاصة بها.
وأكدت أن نجاح الحياة الزوجية يتطلب فهمًا واضحًا لقاعدة أساسية هي أن الزوج له حق وعليه حق، والزوجة كذلك لها حق وعليها حق، وأن إدراك هذه المعادلة ووضعها في إطار واضح يساعد كثيرًا على استقرار الحياة بين الطرفين. أما إذا دخل كل واحد منهما الحياة الزوجية وهو متمسك فقط بما يريده لنفسه، أو بما اعتاده في بيت أهله، فإن الخلاف يصبح أقرب وأسرع.
الانتقال من بيت الأهل إلى بيت الزوجية
وأوضحت العريمية أن من أكثر ما يسبب التوتر في بداية الزواج أن بعض الزوجات لا يدركن أن الانتقال من بيت الأهل إلى بيت الزوج يعني دخول حياة جديدة بقواعد مختلفة وشخصيات مختلفة وروتين مختلف، وأن التكيف مع هذا الانتقال يحتاج إلى وقت وصبر واستعداد نفسي، لا إلى رفض مباشر أو استعجال في إصدار الأحكام.
وأضافت أن الزوج أيضًا مطالب بأن يمنح زوجته هذه المساحة الزمنية والنفسية للتعود، لأنه هو الآخر يواجه نمطًا جديدًا من الحياة، ويحتاج إلى التفاهم والمرونة. وشددت على أن نجاح الطرفين في هذه المرحلة الأولى يعتمد كثيرًا على القدرة على التحمل، وعلى إدراك أن الحياة الجديدة لا تتشكل في يوم واحد، بل تبنى بالتدرج.
التسرع في طلب الطلاق أو الخلع
وفي حديثها عن بعض القضايا التي ترد إلى اللجان، قالت العريمية إن ما يلفت الانتباه أحيانًا هو التسرع الشديد لدى بعض الزوجات في طلب الطلاق أو الخلع، من دون استنفاد فرص التفاهم أو محاولة فهم أبعاد القرار. وذكرت أن بعض النساء يصلن إلى مرحلة الجزم الكامل برفض الاستمرار في الحياة الزوجية، ويؤكدن أنهن لا يتقبلن أي صلح من الأهل أو من أي جهة، وأنهن مستعدات لطلب الخلع مباشرة.
وأوضحت أن المشكلة تكمن أحيانًا في أن بعضهن لا يدركن المعنى الحقيقي للخلع، ويتعاملن معه وكأنه إجراء سهل أو مجرد مبلغ يدفع وينتهي الأمر، بينما هو في الواقع تنازل عن جملة من الحقوق المترتبة لهن، من نفقة وعدة وحقوق أخرى، بحسب طبيعة الحالة. وأضافت أن من غير المعقول أن يصل الأمر إلى طلب الخلع لمجرد أن الزوج لا يوفر بعض الكماليات أو لا يحقق صورة الرفاهية التي كانت الزوجة تتخيلها.
حين تتحول المقارنة إلى سبب للنزاع
وساقت العريمية مثالًا على ذلك بإشارة إلى إحدى الحالات التي كانت الزوجة فيها تقارن حياتها بحياة زوجة شقيق زوجها، لأن تلك المرأة تسافر باستمرار داخل السلطنة وخارجها، بينما هي لم تحظَ بالتجربة ذاتها. وقالت إنها سألتها عمّا إذا كانت ظروف زوجها المالية تسمح، فكان الجواب بالنفي، مع إشارة إلى أنها غير عاملة أصلًا. ومن هنا، أكدت العريمية أن السفر رفاهية، ورغم أهمية التغيير والترفيه للزوجين، فإن هذه الأمور لا يجوز أن تتحول إلى مقياس وحيد على نجاح الزواج أو فشله، ولا أن تكون سببًا مباشرًا للمطالبة بالطلاق أو الخلع.
وشددت على أن المطلوب في مثل هذه الحالات هو فهم الواقع كما هو، لا كما يظهر في حياة الآخرين، لأن الزواج لا يمكن أن يبنى على المقارنات المستمرة أو على النقل الحرفي لتجارب البيوت الأخرى.
الخلاف لا يستدعي التصعيد دائمًا
وتوقفت العريمية عند نماذج من القضايا التي تبدأ بخلافات بسيطة ثم تتضخم بصورة مبالغ فيها، من بينها حالات يصل فيها الأمر إلى الاستعانة بالشرطة أو بجهات رسمية في مسائل يمكن احتواؤها بالحوار والاحتواء والتفاهم داخل البيت. وذكرت نموذجًا لزوج اتصل بالشرطة بسبب مبلغ بسيط أخذته زوجته من حقيبته من دون إذنه، بينما كانت هي ترى أنها محتاجة إلى هذا المبلغ وأنه لا ينفق عليها بالقدر الكافي.
ورأت أن هذا النوع من التصعيد يكشف غياب مساحة التفاهم والتقدير بين الطرفين، لأن مبلغًا بسيطًا لا يستدعي بالضرورة إدخال الشرطة بين الزوجين، كما أن أخذ المال من دون إذن ليس تصرفًا صحيحًا أيضًا. وأكدت أن المشكلة هنا ليست فقط في الفعل نفسه، بل في غياب الحوار، وفي غياب الشعور باحتياج الطرف الآخر، ما يجعل الموقف البسيط يتحول إلى أزمة أكبر من حجمه.
المرأة لا تحتاج دائمًا إلا إلى الكلمة الطيبة
وفي هذا الإطار، أكدت العريمية على أن كثيرًا من النساء لا يحتجن في لحظات الخلاف إلى أكثر من الاحتواء والكلمة الحنونة والاهتمام الصادق من الزوج، مؤكدة أن المرأة، كما وصفتها، «متودية لكلمة»، أي إن الكلمة الطيبة والمشاعر الصادقة قد تذيب كثيرًا من أسباب الغضب والضيق، وتخفف من التوتر وتمنع وصول الخلاف إلى مراحل أكبر.
وأضافت أن شعور الزوجة بأن زوجها يحتضنها عاطفيًّا ويشعر بها ويهتم بما تمر به، كفيل بأن يجعلها تنسى كثيرًا من التفاصيل الثانوية والمطالب العابرة، وأن تدخل في مساحة أوسع من التفاهم والرضا. ورأت أن جزءًا من المشكلات الزوجية لا يعود إلى كبر السبب، بقدر ما يعود إلى جفاف المشاعر أو غياب الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.
«ولا تنسوا الفضل بينكم»
وأعادت العريمية خلال حديثها التذكير بقوله تعالى: «ولا تنسوا الفضل بينكم»، معتبرة أن هذه الآية تمثل قاعدة عظيمة في التعامل بين الأزواج، لأن الحياة بينهما لا تقوم فقط على الحقوق المجردة، بل على المودة، والعطف، والاحتواء، والتجاوز عن بعض الهفوات، والتحمل المتبادل. وقالت إن الله سبحانه وتعالى حين جمع الزوجين، جمعهما على المحبة والرحمة، ولم يرد لهذه العلاقة أن تصبح ساحة محاسبة يومية أو اختبارًا دائمًا للانتصار والخسارة.
وأكدت أن وجود المشكلات أمر طبيعي في أي بيت، لكن الفيصل الحقيقي هو في طريقة التعامل معها: هل يعطى الخلاف حجمه الطبيعي، أم يجري تضخيمه وتحويله إلى سبب لهدم البيت؟ وهل يملك الزوجان الصبر والحكمة والهدوء في لحظات التوتر، أم يندفعان سريعًا إلى قرارات مصيرية؟
دور اللجان في إعادة التوازن
وبيّنت العريمية أن لجان التوفيق والمصالحة لا تتعامل مع هذه القضايا من منطلق تشجيع الانفصال أو الإسراع فيه، بل من منطلق البحث عن مساحات الصلح والاحتواء والوعي، ولذلك فإن أعضاء اللجان لا يوافقون على الانفصال بسهولة، بل يسعون أولًا إلى استيعاب الأسباب، وتقريب وجهات النظر، وتذكير الطرفين بفضل العشرة، وبما يمكن إنقاذه قبل الوصول إلى الطلاق أو الخلع.
وأشارت إلى أن كثيرًا من القضايا حين تُناقش بهدوء داخل اللجان، يتبين أن أسبابها لا تستحق أصلًا الوصول إلى مرحلة القضاء أو طلب إنهاء العلاقة، لكنها كانت تحتاج فقط إلى من يوقف اندفاع الطرفين، ويعيدهما إلى أصل المسألة، ويكشف لهما أن كثيرًا مما يظنانه أزمة كبرى ليس كذلك في حقيقته.
رسالة إلى الأزواج الجدد
وفي ختام حديثها، وجهت فايزة العريمية رسالة مباشرة إلى الأزواج الجدد، دعتهم فيها إلى الحفاظ على بيوتهم، وإلى إدراك أن الحياة الزوجية طريق طويل، وليست لحظة عابرة أو تجربة قائمة على الكماليات وحدها. وأكدت أن ما ينتظرهم في الحياة أكبر من الخلافات الصغيرة، وأن عليهم أن يكتشفوا هذه الحياة معًا، وأن يعيشوها بسعادة وصبر وتفاهم.
وأضافت أن لحظات الخلاف ينبغي ألا تترك لتقود إلى قرارات متسرعة، بل تحتاج إلى هدوء، وإلى منح كل طرف مساحة من الصمت والتفكير، وإلى مراجعة النفس قبل هدم البيت. وسألت بوضوح: هل كل مشكلة تستحق فعلًا أن يصل الأمر إلى الطلاق، وإلى إنهاء مشروع أسرة قبل أن يبدأ أصلًا؟
وأكدت على أن التروي، والتحمل، والاحتواء، وحسن التقدير، كلها عناصر قادرة على أن تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الأزواج، وأن تنقذ بيوتًا كثيرة من الانهيار بسبب أسباب كان يمكن تجاوزها لو حُكمت بالعقل والمودة، لا بالغضب والمقارنة والتسرع.
لمتابعة حلقة «ولا تنسوا الفضل بينكم» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


