د. عبد المنعم الحسني في «فوانيس الوصال»: مشهد يناير 2020 جسّد حضور السيد فهد بن محمود بوصفه رجل دولة ومؤسسات في لحظة تاريخية فاصلة
فوانيس الوصال
الوصال ــ واصل الدكتور عبد المنعم الحسني وزير الإعلام السابق، استذكار سيرة الراحل الكبير صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، الذي توقف في هذا المحور عند صورة السيد فهد رجلَ دولةٍ ومؤسسات، وحضوره في اللحظات المفصلية، ودوره في إدارة الملفات الكبرى، وما مثّله من حكمة واتزان وإخلاص في خدمة عُمان.
جاء ذلك خلال حديثه في حلقة خاصة من برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري الذي تأتي من بيت «الجريزة»، الواقع بين مسجد الخور ومكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء.
حضور ممتد في قلب الدولة
وأوضح الدكتور عبد المنعم الحسني أن الحديث عن السيد فهد بن محمود في هذا الجانب لا ينفصل عن عمر طويل قضاه في العمل الحكومي، سواء نائبًا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون القانونية، ثم نائبًا لرئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، وهي مسؤوليات جعلته حاضرًا في صميم الملفات التي تمس حياة الناس والدولة في آن واحد. وأكد أن هذه المسيرة الممتدة لم تكن مجرد بقاء في المنصب، بل كانت فعلًا يوميًّا متراكمًا في خدمة عُمان، وفي متابعة تفاصيل كثيرة قد لا تظهر للناس، لكنها تترك أثرها المباشر في واقعهم.
وأشار إلى أن الراحل كان قريبًا من ملفات الإنسان العُماني في مختلف القطاعات، من الباحثين عن عمل، إلى الطرق، والمدارس، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمؤسسات الإعلامية، وغيرها من المسارات التي تمس حياة المواطن اليومية. وأضاف أن كثيرًا من هذه الجهود لا يعرف الناس حجمها، لأن الراحل لم يكن حريصًا على الظهور بقدر حرصه على أن تمضي الأمور في الاتجاه الذي يخدم البلاد والإنسان العُماني.
الإخلاص في أصعب الملفات
وبيّن الحسني أن عُمان واجهت ـ خلال العقود الماضية ـ ملفات معقدة وتحديات متلاحقة، سواء في الجانب الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، وكان حضور السيد فهد في كثير من هذه المحطات حضورًا متزنًا ومؤثرًا. ولفت إلى أن البلاد مرّت بتحديات مرتبطة بانخفاض أسعار النفط، وبالظروف الاقتصادية الصعبة، وبملفات إقليمية حساسة، وبجائحة كورونا، وبقضايا خليجية دقيقة، وكلها كانت تحتاج إلى شخصية تملك الهدوء والحكمة وسعة النظر والقدرة على الإنصات إلى مختلف الأطراف.
وأكد أن ما كان يميز الراحل في هذه الملفات هو أنه لم يكن يتعامل معها بانفعال أو استعجال، بل بمنهج يقوم على الاستماع، وقراءة المشهد كاملًا، والبحث عن مصلحة عُمان أولًا، ثم تقديم الرأي السديد الذي يساعد على الوصول إلى القرار الأنسب. ورأى أن هذه الروح من الإخلاص والتفاني كانت من أبرز العناوين التي وسمت شخصيته في العمل العام.
الدولة المؤسسية لا الدولة الفردية
وأكد الحسني على أن السيد فهد بن محمود كان من المؤمنين بعمق بفكرة الدولة المؤسسية، وأن هذه القناعة لم تكن مجرد خطاب نظري، بل كانت ممارسة يومية واضحة في طريقة تعامله مع الوزراء ومع مختلف مؤسسات الدولة. وأوضح أن كل وزير كان يجد فيه داعمًا ومستمعًا ومرشدًا، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يصادر دور المؤسسة، ولا يلغي مسؤولية الوزير، ولا يتدخل بالطريقة التي تفرغ العمل المؤسسي من معناه.
وأضاف أن كثيرًا من الوزراء كانوا يأتون بأفكارهم ومقترحاتهم ومشروعاتهم، وكان من الطبيعي أن تختلف الرؤى أحيانًا، لكن الراحل كان يتعامل مع هذا الاختلاف بروح الحوار، لا بروح الإلغاء. فإذا وجد أن المقترح يحتاج إلى تعمق أو إعادة نظر، فإنه لا يسفه الفكرة، بل يوجّه بإعادتها إلى الدراسة، أو يحيلها إلى لجنة مختصة، أو يترك لها مساحة أكبر للنقاش، حتى تنضج بالصورة التي تخدم المصلحة العامة.
الخلاف يدار بالحكمة
وفي هذا السياق، أشار الحسني إلى أن واحدًا من أهم مظاهر قيادة الراحل كان طريقته في التعامل مع تباين وجهات النظر داخل العمل الحكومي، مؤكدًا أن هذه المسألة كانت طبيعية في ظل وجود وزراء يقودون قطاعات مختلفة، لكل منهم أولوياته وقناعاته واحتياجاته. وقال إن السيد فهد كان يملك القدرة على إدارة هذا التباين من دون أن يحوله إلى صدام، ومن دون أن يسمح له بأن يربك العمل أو يعطل القرار.
وأوضح أن الملفات المالية والاقتصادية، على سبيل المثال، كانت بطبيعتها مجالًا واسعًا لاختلاف وجهات النظر، فكل جهة كانت ترى أن مشروعاتها أو احتياجاتها تمثل أولوية، لكن الراحل كان يتدخل بعقلية من يرى الصورة الأوسع، ويقارن بين الاحتياجات، ويقرأ أثر كل قرار على مصلحة عُمان والإنسان العُماني، ثم يوجّه نحو ما يحقق التوازن بين الممكن والضروري.
وأضاف أن ما كان يميز تدخله في مثل هذه المواقف هو أنه لم يكن ينطلق من الرغبة في الحسم السريع فقط، بل من الحرص على أن يأتي القرار بعد إنصات كافٍ، وبعد تمحيص للمقترحات، وهو ما جعل كثيرًا من النقاشات، حتى حين كانت حادة أو متباينة، تنتهي إلى أرضية مشتركة.
الوزير يبقى مسؤولًا عن مؤسسته
وأكد الحسني أن من الملامح المهمة في تجربة الراحل أنه كان يترك للمؤسسة وللمسؤول المختص مساحته الطبيعية في اتخاذ القرار والتنفيذ، حتى حين يختلف معه في بعض التفاصيل. وقال إن هذه الثقة في المؤسسات وفي الوزراء كانت عنصرًا مريحًا في العمل معه، لأن الجميع كانوا يشعرون بأن هناك من يقدّم النصح ويوجه، لكن من دون أن يحل محلهم أو يصادر اختصاصهم.
وأشار إلى أن هذه الروح تعكس فهمًا حقيقيًّا لمعنى الدولة المؤسسية، حيث تكون القيادة داعمة ومؤطرة ومنظمة، لكنها لا تبتلع الأدوار الأخرى، بل تساعدها على أن تعمل بصورة أفضل وأكثر نضجًا.
حاضر في القمم والملفات الكبرى
وعن حضور السيد فهد في المحافل الكبرى، أوضح الحسني أنه كان حاضرًا في القمم العربية والخليجية، وفي المهام الخارجية، وفي الملفات المرتبطة بحضور عُمان الإقليمي والدولي، وكان يمثل الدولة برؤية هادئة ومتزنة، تستند إلى السياسة العُمانية التي أرساها السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ وتواصلت في النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم.
وأكد أن الراحل كان ينصت أولًا، ثم يتحدث حين يكون للكلمة معنى، وكان يقدّم الموقف العُماني من دون صخب، لكن بقدر كبير من العمق والوضوح والصدق. واعتبر أن هذه الطريقة أسهمت في ترسيخ صورة عُمان بوصفها دولة موثوقة، متزنة، قادرة على أن تتحدث مع الجميع، وأن تحتفظ بمصداقيتها في مختلف الأزمات والملفات.
الحكمة في تمثيل الدولة
وأضاف الحسني أن من رافقوا الراحل في القمم والمهام الخارجية كانوا يتعلمون منه كيف تُدار الحوارات مع الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين، وكيف يُقدم الموقف العُماني في اللحظات الحساسة، وكيف تُستخدم الحكمة والهدوء والإنصات لإيصال الرسائل الكبرى. وقال إن هذه التجربة لم تكن سياسية فقط، بل كانت مدرسة في تمثيل الدولة وفي الحضور الدبلوماسي والإنساني معًا.
وبيّن أن كثيرًا من الشخصيات التي كانت تلتقي بالسيد فهد كانت تخرج بانطباع عميق عن الفكر العُماني المتزن، وعن الحكمة التي تميز هذا النموذج من رجال الدولة، وهو ما انعكس على تقدير عُمان واحترام مواقفها في كثير من المحافل.
الإعلام الخارجي
وفي جانب آخر من هذا المحور، أشار الحسني إلى أن الراحل كان داعمًا بقوة لحضور عُمان في الخارج، لا سيما في الفعاليات الثقافية والإعلامية الدولية، وكان يرى أن خروج السلطنة إلى العالم يجب أن يكون على مستوى يليق بها. واستعاد في هذا الإطار مثال مشاركة عُمان كضيف شرف في معرض باريس الدولي للكتاب، مؤكدًا أن هذه المشاركة لم تكن تفصيلًا ثقافيًّا عابرًا، بل كانت جزءًا من رؤية أوسع لتقديم السلطنة بصورة شاملة ومشرقة.
وأوضح أن هذا الحضور جاء على مستوى رفيع من التنظيم والتمثيل، وأن الراحل كان متابعًا لتفاصيله وداعمًا له، لأنه كان يدرك أن تقديم عُمان في الخارج لا يجب أن يكون محدودًا أو باهتًا، بل معبرًا عن ثرائها الثقافي والفني والإعلامي والإنساني. وأضاف أن مثل هذه المشاركات عززت صورة السلطنة ورسخت حضورها في الوعي الدولي.
الإنسان العُماني
وأكد الحسني أن الراحل، مهما تنوعت الملفات وتعددت مستوياتها، كان يعود دائمًا إلى سؤال جوهري: ما الذي يخدم الإنسان العُماني؟ وقال إن هذا السؤال كان حاضرًا في نظرته إلى التنمية، وإلى العمل الحكومي، وإلى إدارة الأزمات، وإلى طريقة تفعيل المؤسسات، لأنه كان يرى أن قيمة كل هذا العمل تكمن في أثره على حياة الناس وكرامتهم واستقرارهم.
وأشار إلى أن هذا الحرص على الإنسان العُماني لم يكن شعارًا عامًا، بل كان ملموسًا في المتابعة اليومية، وفي نقل التوجيهات، وفي تمثيل القيادة، وفي الحضور في الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وهو ما جعل كثيرًا من آثار عمله راسخة، حتى لو لم يكن حاضرًا في واجهتها بشكل مباشر.
لحظة يناير 2020
وتوقف الحسني مطولًا عند المشهد المفصلي في يناير 2020، حين أعلن صاحب السمو السيد فهد بن محمود قرار الأسرة المالكة بشأن تثبيت من ورد في وصية السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، واصفًا تلك اللحظة بأنها واحدة من أكثر اللحظات أهمية في التاريخ العُماني الحديث. وأكد أن ذلك المشهد لم يكن مجرد إعلان رسمي، بل رسالة عميقة إلى الداخل والخارج بأن عُمان دولة مؤسسات، وأن انتقال السلطة فيها يجري في إطار من الوضوح والتماسك والشرعية والاحترام.
وأوضح أن الكلمة التي قيلت في تلك اللحظة حملت في مضمونها قوة الدولة، وهيبة المؤسسة، ووفاء الأسرة المالكة، واحترام إرادة السلطان الراحل، كما حملت في الوقت نفسه طمأنة عميقة للعُمانيين وللعالم بأن السلطنة ماضية في استقرارها وثوابتها. ورأى أن هذا المشهد لم يكن تاريخيًّا فقط، بل كان أيضًا درسًا سياسيًّا وإنسانيًّا راقيًا في إدارة لحظة انتقال بالغة الحساسية بأعلى درجات الاتزان.
القوة حين تستدعيها اللحظة
وأضاف الحسني أن من يعرف السيد فهد يدرك أنه كان يميل في الغالب إلى الحوار الهادئ والإنصات واللين في التوجيه، لكن اللحظات المفصلية تحتاج أحيانًا إلى الحزم، وإلى كلمة تحمل قوة الدولة ووضوح الموقف، وقد تجلّى ذلك بوضوح في تلك اللحظة التاريخية. وأكد أن هذا التوازن بين اللطف في الحوار والحسم في المواقف الكبرى هو أحد أبرز ما ميّز شخصيته القيادية.
مدرسة في العمل الوطني
وفي ختام هذا المحور، قال الدكتور عبد المنعم الحسني إن الحديث عن السيد فهد بن محمود من زاوية رجل الدولة والمؤسسات هو حديث عن مدرسة كاملة، لا عن مسؤول شغل منصبًا رفيعًا فقط. وأوضح أن أكثر من خمسة وخمسين عامًا من العمل في خدمة عُمان، في الداخل والخارج، وفي الملفات الظاهرة وغير الظاهرة، كافية لتقول إن البلاد فقدت شخصية استثنائية، لكن إرثها سيظل حاضرًا في مؤسسات الدولة، وفي الذاكرة الوطنية، وفي التجارب التي تعلمت منها.
وأكد أن كثيرًا من مساهمات الراحل لم تكن في الواجهة، لكنها كانت حاضرة في صناعة القرار، وفي دعم المسارات، وفي ترجيح الحكمة، وفي تقديم ما يخدم عُمان بصمت وإخلاص. واعتبر أن هذه السيرة تمثل في جوهرها نموذجًا لعلاقة المسؤول بالدولة: حضور هادئ، وعمل عميق، وإيمان بالمؤسسات، وانحياز ثابت لمصلحة الوطن.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


