إبراهيم السالمي لـ«الوصال»: استحضار الملك تشارلز للشعر العُماني خاطبنا من داخل ثقافتنا.. واختيار بيت ابن شيخان حمل دلالة تتجاوز المجاملة البروتوكولية
بث خاص
الوصال ـ رأى الشاعر والكاتب إبراهيم السالمي أن استحضار الملك تشارلز الثالث للشعر العُماني في خطابه خلال زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المتحدة حمل دلالات ثقافية وإنسانية تتجاوز الاستخدام الأدبي المباشر، وعكس تقديرًا للهوية الثقافية العُمانية ولإرثها الشعري.
وقال السالمي خلال حديثه في البث الخاص لإذاعة الوصال بمناسبة زيارة جلالة السلطان إلى المملكة المتحدة، إن اختيار بيت للشاعر محمد بن شيخان السالمي في ختام الخطاب لم يكن تفصيلًا عابرًا، وإنما جاء في موضع يحمل عادة الدعاء للضيف بالصحة وطول العمر، غير أن الملك تشارلز اختار أن يؤدي هذا المعنى من خلال بيت من الشعر العُماني.
وأضاف أن هذا الاختيار منح الخطاب بعدًا من «الدبلوماسية الثقافية»، لأنه لم يخاطب جلالة السلطان من خلال لغة البروتوكول وحدها، وإنما خاطب الشعب العُماني كذلك من داخل ثقافته وإرثه الأدبي. وأوضح أن الشاعر محمد بن شيخان السالمي يعد أحد أبرز رموز الشعر العُماني، وعرف بلقب «شيخ البيان»، وهو لقب أطلقه عليه الإمام نور الدين السالمي، مشيرًا إلى أن له مكانة معروفة في المشهد الشعري والثقافة العربية.
من الحوقين إلى بلاط السلطان فيصل
وتناول السالمي جانبًا من سيرة ابن شيخان، موضحًا أنه وُلد في الحوقين، ثم انتقل إلى الرستاق، وسكن في قصرة، قبل أن ينتقل إلى الشرقية. وأضاف أن ذيوع صيته الشعري دفع السلطان فيصل بن تركي إلى دعوته للحضور إلى مسقط، حيث أمضى أكثر من 15 عامًا في بلاط السلطان، ثم تنقل بعد ذلك خارج عُمان وزار عددًا من دول الخليج قبل أن يعود إلى الرستاق.
وأشار إلى أن ابن شيخان لم يكن شاعرًا فقط، وإنما كان ضليعًا في اللغة والأدب، وأقام بعد عودته إلى الرستاق مجلسًا للعلم أسهم في تخريج أجيال في اللغة والفقه والعقيدة إلى جانب الشعر. ولفت إلى أن علاقة الشاعر بالسلطان فيصل بن تركي بدأت بعد انتشار صيته ووصول شهرته إلى مسقط، فأصبح قريبًا من مجلس السلطان لسنوات.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من ديوان ابن شيخان ارتبط بمديح حكام آل سعيد، بدءًا بالسلطان فيصل بن تركي، ثم عدد من أبنائه، مؤكدًا أن مكانته الأدبية واللغوية جعلته قريبًا من السلطان وأحد أبرز شعراء عصره.
بيت شعري يعود بعد أكثر من قرن
وتوقف السالمي عند القصيدة التي استُخدم منها البيت في خطاب الملك تشارلز، موضحًا أنها قصيدة قيلت في السلطان فيصل بن تركي، وأنها تضمنت إشارات إلى بقاء أثرها وذكرها عبر الزمن. وأشار إلى أن ما حدث خلال الزيارة أعاد القصيدة إلى التداول، إذ رجع عدد من المهتمين إلى نصها وتبادلوا أبياتها، وهو ما اعتبره تحققًا عمليًا لما حملته القصيدة نفسها من معنى البقاء في الذاكرة. وبيّن أن البيت الذي اختتم به الملك تشارلز خطابه هو خاتمة القصيدة، وفيه الدعاء:
«عش في كمال مستمدًا نعمة
من ربك الوهاب لا متناهية».
وأوضح أن قيمة هذا الاختيار لا تقتصر على جمال البيت، وإنما في دقة توظيفه داخل الخطاب، مشيرًا إلى أن البيت قيل أصلًا في جد جلالة السلطان هيثم بن طارق، ثم استُحضر في مناسبة رسمية ليحمل الدعاء نفسه لجلالته. ووصف السالمي هذا الانتقاء بأنه شديد الدلالة والذكاء، لأنه جمع بين التاريخ العائلي والبعد الأدبي والدعاء الإنساني في عبارة واحدة، وجعل الشعر العُماني جزءًا من رسالة خطاب ملكي على أعلى مستوى.
دفء وجداني داخل خطاب سياسي
وأشار السالمي إلى أن الخطابات الرسمية عادة ما تتركز على المصالح والاتفاقيات والاستثمار والقضايا المشتركة، غير أن خطاب الملك تشارلز حمل، إلى جانب هذه الجوانب، دفئًا وجدانيًا واضحًا. وقال إن مخاطبة جلالة السلطان بثقافته، ومن خلالها الشعب العُماني، أضفت على الخطاب بعدًا إنسانيًا وثقافيًا لافتًا، وفتحت مساحة تتجاوز اللغة السياسية المعتادة.
وأضاف أن الحضور الثقافي لم يكن جديدًا على مسار العلاقات العُمانية البريطانية، مستذكرًا أن السلطان سعيد بن تيمور أهدى في إحدى زياراته إلى أكسفورد كتاب «تحفة الأعيان» للإمام نور الدين السالمي، في مثال على حضور الكتاب والثقافة ضمن الزيارات المتبادلة بين البلدين. ورأى أن هذا الامتداد يؤكد أن التبادل بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة لم يكن سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، وإنما احتوى عبر مراحل مختلفة على بعد ثقافي وأدبي واضح.
أبو مسلم والهوية الثقافية
وتحدث السالمي كذلك عن استحضار الملك تشارلز للشاعر أبي مسلم البهلاني في حديثه عن جمال الطبيعة العُمانية، معتبرًا أن الجمع بين شعر أبي مسلم وابن شيخان يحمل رسالة تقدير للهوية الثقافية العُمانية. وأشار إلى أن الخطاب استدعى أيضًا الحديث النبوي الشريف إلى جانب الشعر، وهو ما رأى فيه تأكيدًا أوسع على الإرث الحضاري والثقافي للعُمانيين.
وأضاف أن توظيف هذه العناصر في مناسبة رسمية بهذا المستوى يعكس أهمية الأدب والثقافة في بناء جسور وجدانية بين الشعوب، ويمنح الخطاب السياسي مساحة أكثر قربًا من الذاكرة والهوية. وأكد أن استخدام الشعر العُماني أمام هذا الحضور يمثل دليلًا على قدرة الأدب على أن يؤدي وظيفة تتجاوز الإبداع الفني، ليصبح وسيلة للتواصل بين الدول والمجتمعات.
دعوة إلى ترجمة الشعر العُماني
ورأى السالمي أن ما حدث يضع أمام الشعراء والمثقفين العُمانيين مسؤولية أكبر في إيصال الأدب العُماني إلى الخارج، خصوصًا عبر الترجمة. وأوضح أن حضور نصوص شعرية عُمانية في خطاب ملكي يقدم مثالًا عمليًا على ما يمكن أن يفعله الشعر حين يصل إلى الآخر بلغته وسياقه، وما يحمله من قدرة على تقديم صورة عن المجتمع والثقافة والتاريخ.
وأكد أهمية التوسع في ترجمة الشعر العُماني ونقله إلى لغات أخرى حتى يصبح أكثر حضورًا في الفضاء الثقافي العالمي. وأضاف أن الشعر قادر على إدخال «دفء وجداني» إلى الخطابات السياسية، وعلى منح التواصل بين الشعوب بعدًا مختلفًا لا تحققه اللغة الرسمية وحدها.
الحضور الحضاري العُماني
وأكد السالمي أن إحدى أهم الرسائل التي ينبغي الوقوف عندها هي قدرة الثقافة العُمانية وأدبها على حمل صورة الوطن إلى العالم. وأوضح أن استحضار الشعر العُماني في هذا السياق لم يحدث في أمسية شعرية أو ندوة أدبية، وإنما في مناسبة سياسية وملكية رفيعة المستوى، وهو ما يمنح هذا الحضور دلالة خاصة.
وأضاف أن حضور أبي مسلم البهلاني وابن شيخان السالمي، إلى جانب الإشارة إلى التجربة الإنسانية للعُمانيين، أبرز أبعادًا من الهوية الحضارية لسلطنة عُمان أمام جمهور دولي. ودعا إلى أن يستشعر المجتمع هذا الإرث بوصفه سلوكًا وثقافة يومية، لا أن يظل محصورًا في المناسبات الرسمية، وأن ينعكس في الخطاب المجتمعي ومنصات التواصل والمجالس والمشاركات داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وأكد السالمي أن ما شهده خطاب الملك تشارلز يمثل مثالًا على أن القوة الثقافية للأوطان يمكن أن تظهر في أعلى مستويات التواصل السياسي، وأن الشعر العُماني بما يحمله من تاريخ ولغة وقيم قادر على أن يكون أحد أدوات التعريف بسلطنة عُمان وبحضورها الحضاري.
لمتابعة «البث الخاص» للزيارة السامية عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


