الوصال ـ قال خلفان الطوقي، إعلامي مهتم بالشأن الاقتصادي، إن ملف التركيبة السكانية من أكثر الملفات الوطنية حساسية وتعقيدًا، لارتباطه المباشر بالاقتصاد وسوق العمل والهوية والأمن والخدمات العامة، وما يترتب على أي قرار بشأنه من آثار ممتدة يصعب معالجتها إذا لم يُبنَ على دراسات دقيقة. وأوضح خلال استضافته في برنامج «ساعة الظهيرة»، إن إدارة هذا الملف لا يمكن أن تنفرد بها جهة واحدة أو تُختزل في أعداد المواطنين والوافدين، وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة تشارك فيها مؤسسات متعددة، ويعمل عليها مختصون قادرون على دراسة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وحذر من اتخاذ قرارات ارتجالية أو مبنية على ردود الفعل تجاه أحداث متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن أي معالجة ينبغي أن تستند إلى بيانات وتحليلات علمية وإطار استراتيجي واضح يحدد النتائج المستهدفة على المدى البعيد.

أبعاد متعددة

وأوضح الطوقي أن مناقشة التركيبة السكانية تستدعي النظر في خصائص القوى العاملة الوافدة، من حيث الجنسيات ومستويات المهارة وأسباب استقطاب فئات معينة دون غيرها، ومدى الإضافة التي تقدمها للاقتصاد الوطني. وأشار إلى أهمية تحديد الاحتياجات الفعلية لسوق العمل قبل استقدام العمالة، والتمييز بين العمالة الماهرة وشبه الماهرة وقليلة المهارة، بما يمنع تراكم آثار اقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها مستقبلًا. وأضاف أن اختيار القوى العاملة ينبغي ألا يرتبط بانخفاض التكلفة فقط، وإنما بمدى توافقها مع احتياجات الاقتصاد، وقدرتها على نقل المعرفة، وعدم تأثيرها في الفرص المتاحة للمواطنين.

قرارات مدروسة

ورأى الطوقي أن بعض السياسات قد تأتي استجابة لضغط مجتمعي أو واقعة محددة، دون العودة إلى دليل استرشادي يوضح مواضع الخلل وأسبابها وآلية تصحيحها. وأكد أن صنع القرار في هذا المجال يستوجب الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، تشمل الهدف من استقدام فئة معينة، والحاجة إليها، والعدد المناسب منها، وتأثيرها في الخدمات وسوق العمل والهوية المجتمعية.

وأضاف أن غياب خطة للتراجع أو التصحيح عند ظهور نتائج غير متوقعة قد يجعل آثار القرار أكثر كلفة من المشكلة التي صدر لمعالجتها.

سوق العمل

وبيّن الطوقي أن التركيبة السكانية ترتبط بصورة مباشرة بملف الباحثين عن عمل، إذ ينبغي دراسة خصائص المواطنين ومستويات تعليمهم ومهاراتهم والوظائف التي يمكن أن تستوعبهم قبل السماح باستقدام عمالة تنافسهم في القطاعات نفسها. وضرب مثالًا بوظائف النقل وقيادة المركبات، موضحًا أن استقدام أعداد كبيرة للعمل في مهن يتوافر عليها طلب من المواطنين قد يؤدي إلى تضييق فرصهم وزيادة المنافسة غير المتكافئة.

وأشار إلى ضرورة استقدام العمالة التي يحتاج إليها الاقتصاد فعلًا، من دون إغراق السوق بفئة مهنية محددة أو تحويل انخفاض التكلفة إلى معيار وحيد في اتخاذ القرار. وأكد أن توفير السلع والخدمات بأسعار منخفضة لا ينبغي أن يأتي على حساب الاستقرار الاجتماعي أو الأمني أو فرص العمل المتاحة للمواطنين.

الكفاءات النوعية

وفي المقابل، دعا الطوقي إلى عدم التخوف من استقطاب الكفاءات الأجنبية عالية المهارة، لما يمكن أن تضيفه من معرفة وخبرات ونقل للتقنيات الحديثة. وأوضح أن الخبير أو المستثمر الحقيقي قد لا ينافس المواطن على وظيفة قائمة، وإنما يستطيع تأسيس نشاط جديد وخلق فرص عمل للعُمانيين، إضافة إلى تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وأشار إلى أن المعيار الأساسي ينبغي أن يكون حجم الإضافة التي يقدمها الوافد للاقتصاد، لا مجرد تصنيفه ضمن القوى العاملة الأجنبية. وأضاف أن سلطنة عُمان تحتاج إلى الانفتاح المدروس على الكفاءات والاستثمارات النوعية، مع ضبط الاستقدام الذي لا يحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا.

ملف استراتيجي

وشدد الطوقي على أن التركيبة السكانية ليست ملفًا إداريًا يقتصر على رصد أعداد الوافدين أو معدلات الخصوبة، وإنما قضية استراتيجية ترتبط بصورة سلطنة عُمان التي يراد بناؤها مستقبلًا. ودعا إلى وضع دليل وطني يحدد الاحتياجات السكانية والاقتصادية، وأنواع الكفاءات المطلوبة، والنسب المناسبة، والنتائج المتوقع تحقيقها من كل سياسة.

وأكد أن الفريق المعني بهذا الملف ينبغي أن يضم خبراء في الاقتصاد والاجتماع والأمن والتخطيط وسوق العمل، بدلًا من اقتصار المعالجة على منظور مؤسسة واحدة. وأوضح أن القرار الذي يبدو مناسبًا لقطاع محدد قد يحمل انعكاسات سلبية على قطاعات أخرى، ولذلك تظل النظرة الشاملة شرطًا أساسيًا لتحقيق التوازن.

الاستثمار الحقيقي

وتطرق الطوقي إلى بعض القادمين تحت مظلة الاستثمار من دون امتلاكهم ملاءة مالية أو مشروعات فعلية، معتبرًا أن هذه الحالات قد تتحول إلى عبء على الخدمات والجهات المختصة. وأوضح أن منح صفة المستثمر لشخص يبحث في الواقع عن فرصة عمل لا يحقق الغاية الاقتصادية، وقد يضيف التزامات رقابية واجتماعية وقانونية على الدولة.

ودعا إلى تشديد معايير تقييم المستثمرين، والتأكد من قدرتهم على ضخ رؤوس الأموال وإيجاد قيمة مضافة وفرص عمل حقيقية. وأضاف أن فتح أبواب الاستثمار يجب أن يستهدف رؤوس الأموال الجادة والكفاءات التي يمكنها الإسهام في نمو الاقتصاد، وليس مجرد زيادة أعداد المقيمين.

تقنين الانفتاح

وأكد الطوقي أهمية تطوير التشريعات بصورة تحقق التوازن، بحيث لا تُغلق الأبواب أمام الاستثمار والكفاءات، ولا تترك مفتوحة من دون ضوابط. وأوضح أن تحديد نسبة ثابتة للوافدين لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته، وإنما يجب تفسير الأسس التي بُنيت عليها النسبة، والمخاطر المتوقعة عند زيادتها أو خفضها.

وأشار إلى أن النقاش ينبغي أن يتناول نوعية السكان والمهارات والأنشطة الاقتصادية التي يمارسونها، وليس الأرقام المجردة وحدها. وقال إن المطلوب هو وجود بوصلة واضحة تحدد الاتجاه الوطني، بعيدًا عن خيارين متطرفين يتمثلان في الإغلاق الكامل أو الانفتاح غير المنظم.

تكامل التخصصات

ورأى الطوقي أن ضبط المعادلة السكانية يحتاج إلى مجموعة من العقول والخبرات، وليس إلى قرارات إدارية منفردة. وأكد أن نجاح السياسة السكانية يقاس بما تحققه من منفعة لسلطنة عُمان واقتصادها، وما توفره من استقرار وجودة حياة للمواطنين والمقيمين.

وختم بالتأكيد على ضرورة بناء القرارات والتشريعات على رؤية طويلة المدى، توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية سوق العمل والهوية والأمن، وتحدد بوضوح ما تحتاج إليه سلطنة عُمان من أعداد ومهارات واستثمارات خلال السنوات المقبلة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو