الوصال ـ دعا معاذ الرقادي، مسؤول الشؤون الأكاديمية لذوي الإعاقة بجامعة السلطان قابوس، المؤسسات الحكومية والخاصة إلى الانتقال من تهيئة خدمات محدودة لفئة معينة إلى تبني مفهوم «الوصول الشامل»، الذي يقوم على تصميم البيئات والمباني والخدمات الرقمية لتكون قابلة للاستخدام من جميع أفراد المجتمع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة. وأوضح خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن مفهوم الوصول الشامل لا يقتصر على إنشاء منحدر أو تخصيص مرفق للأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما يشمل بناء بيئة متكاملة تضمن سهولة الوصول إلى المكان والمعلومة والخدمة بصورة مستقلة وآمنة.

وأشار إلى أن البيئة المصممة وفق هذا المفهوم تخدم أيضًا كبار السن والنساء الحوامل ومستخدمي عربات الأطفال والأشخاص الذين يتعرضون لإصابات مؤقتة، ما يجعلها أكثر شمولًا لكافة أفراد المجتمع.

مفهوم أوسع

وبيّن الرقادي أن الإعاقات تنقسم بصورة عامة إلى أربع فئات رئيسة، هي الإعاقة البصرية والحركية والسمعية والفكرية، وتختلف التحديات المرتبطة بكل فئة باختلاف نوع الإعاقة ودرجتها. وأوضح أن مصطلح «الأشخاص ذوي الإعاقة» هو المعتمد رسميًّا، فيما يعد مصطلح «ذوي الاحتياجات الخاصة» أوسع نطاقًا، إذ يشمل إلى جانب ذوي الإعاقة كبار السن والموهوبين والأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم.

وأضاف أن تحديات ذوي الإعاقة البصرية ترتبط غالبًا بالوصول إلى المعلومات والحركة والتنقل، بينما يحتاج ذوو الإعاقة الحركية إلى مسارات ومداخل ووسائل نقل مهيأة، وتواجه الفئات السمعية والفكرية احتياجات مختلفة ينبغي مراعاتها عند تصميم الخدمات. وأكد أن تصميم مرفق واحد بطريقة موحدة لا يعني بالضرورة أنه أصبح مناسبًا لجميع أنواع الإعاقات، ما يستوجب الاستعانة بالمعايير الفنية والاستماع إلى تجارب المستخدمين أنفسهم.

تطبيق القانون

وعدّ الرقادي صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بالمرسوم السلطاني رقم 93/2025 خطوة مهمة في تنظيم الحقوق وتوضيح المسؤوليات المرتبطة بهذا القطاع. وأشار إلى أن القانون تضمن للمرة الأولى بنودًا واضحة تتعلق بالوصول الشامل، بعد أن كانت النصوص السابقة تشير بصورة عامة إلى تهيئة المباني أو تكييف المحتوى دون تحديد منهجية واضحة للتنفيذ.

وقال إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من وجود النص القانوني إلى وضع آليات عملية لتطبيقه، بحيث تتولى كل جهة مسؤوليتها ضمن مجال اختصاصها. وأضاف أن المؤسسات التعليمية والصحية والتجارية والصناعية والجهات المعنية بالعمل والتخطيط العمراني مطالبة بإدراج معايير الوصول الشامل ضمن مشروعاتها وخططها التنموية منذ مرحلة التصميم، وليس بعد اكتمال المشروع.

مرافق غير مكتملة

ورأى الرقادي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن المؤسسات والمباني التي يرتادها أفراد المجتمع ينبغي أن تكون مهيأة للجميع، بصرف النظر عن طبيعة المنشأة أو الجهة التي تتبعها. وأوضح أن بعض المستشفيات قد تكون مهيأة من الداخل، إلا أن الطريق المؤدي إليها أو وسيلة النقل أو الممرات الخارجية قد لا تضمن وصول الشخص ذي الإعاقة إليها بسهولة وفي الوقت المناسب.

وأشار إلى أن الشخص المستخدم للكرسي المتحرك قد يحتاج إلى مركبة مناسبة ومسارات مهيأة، فيما يحتاج الكفيف إلى علامات أرضية واضحة وممرات تساعده على الحركة باستقلالية. وأكد أن الجهود الحالية مهمة، لكنها لا تزال متفاوتة بين موقع وآخر، ولا تحقق في بعض الحالات سلسلة وصول متكاملة تبدأ من المنزل وتنتهي بالحصول على الخدمة.

منحدرات غير آمنة

ولفت الرقادي إلى أن بعض المنحدرات المخصصة لمستخدمي الكراسي المتحركة صُممت بدرجات ميل مرتفعة، ما يجعل استخدامها صعبًا أو غير آمن. وأوضح أن المعيار الذي يحتاج إليه بعض مستخدمي الكراسي المتحركة قد يصل إلى متر واحد من الارتفاع مقابل 16 مترًا من الامتداد الأفقي، بينما لا تتجاوز بعض المنحدرات القائمة امتدادًا يتراوح بين 7 و10 أمتار للمتر الواحد.

وأضاف أن وجود المنحدر لا يعني تحقق الوصول إذا كان تصميمه يمنع الشخص من استخدامه بصورة مستقلة، داعيًا إلى الالتزام بالمعايير الهندسية عند إعداد المخططات وتنفيذها. وبيّن أن إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في تقييم التصاميم يساعد على اكتشاف مشكلات قد لا يلاحظها المصممون أو المنفذون.

الحركة باستقلالية

وتطرق الرقادي إلى أهمية الممرات الأرضية البارزة التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية على التنقل دون الاعتماد المستمر على الآخرين. وأشار إلى أن عددًا من الجامعات والمراكز والبنوك بدأ في توفير هذه الممرات، إلا أن انتشارها ما زال محدودًا ولا يغطي مختلف المنشآت والمسارات.

وأكد أن الاستقلالية تمثل جوهر القوانين والسياسات المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ ينبغي تمكين الفرد من الحركة والحصول على المعلومات وإتمام معاملاته دون الحاجة إلى مرافق. وأضاف أن المساعدة البشرية قد تعكس التكافل الاجتماعي، لكنها قد تتحول في بعض المواقف إلى تدخل في الخصوصية، لا سيما عند قراءة الرسائل الشخصية أو الاطلاع على البيانات البنكية والمعلومات الحساسة.

المعاملات المصرفية

وأشار الرقادي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن بعض البنوك لا تزال تشترط حضور مرافق مع العميل الكفيف لإتمام عدد من المعاملات، رغم ما قد يترتب على ذلك من اطلاع طرف آخر على بياناته الخاصة. وأوضح أن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والاتفاقيات الدولية يؤكدان حق الشخص في الاستقلالية وممارسة احتياجاته اليومية دون تدخل غير ضروري من الآخرين.

ودعا المؤسسات المصرفية إلى تطوير أنظمتها ونماذجها وإجراءاتها بما يتيح للعميل الكفيف إتمام معاملاته بصورة مستقلة وآمنة. ولفت إلى أن توفير التقنيات المساعدة لا يحفظ الخصوصية فقط، وإنما يرفع جودة الخدمات ويقلل الاعتماد على الموظفين أو المرافقين.

المساعدة الواعية

وحث الرقادي أفراد المجتمع على سؤال الشخص ذي الإعاقة قبل تقديم المساعدة، وعدم افتراض حاجته إليها بصورة دائمة. وأوضح أن بعض التصرفات التي تنطلق من حسن النية قد تعرض الشخص للأذى؛ ففتح باب أمام شخص كفيف دون إخباره قد يؤدي إلى اصطدامه به، لأنه يعتمد على معرفته السابقة بموقع الباب ووضعه.

وأضاف أن التعامل مع الشخص الكفيف يستلزم استخدام الوصف والصوت عند حدوث تغيير في البيئة المحيطة، مثل إخباره بأن الباب فُتح أو أن أحد الأغراض نُقل إلى موقع آخر. وأكد أن تقديم المساعدة ينبغي أن يحافظ على استقلالية الشخص وكرامته، وألا يتحول إلى تصرف مفاجئ أو تدخل مباشر في حركته وقراراته.

بعيدًا عن الشفقة

وحذر الرقادي من استخدام عبارات تحمل الشفقة أو تصف الشخص ذي الإعاقة بالضعف، مثل كلمة «مسكين»، لما تتركه من أثر نفسي وتقليل من كرامته. وقال إن الشخص ذي الإعاقة إنسان يمتلك قدرات وطموحات وحقوقًا، ويحتاج في بعض المواقف إلى تهيئة محددة، وليس إلى التعامل معه بوصفه عاجزًا عن إدارة حياته.

وأشار إلى أن أي شخص قد يتعرض لحادث أو مرض يجعله بحاجة إلى تسهيلات لفترة مؤقتة أو دائمة، ما يستدعي وضع الإنسان نفسه مكان الطرف الآخر عند التفكير في طريقة التعامل معه. وأضاف أن الفهم الحقيقي يبدأ بالتعامل على أساس المساواة والاحترام، مع مراعاة الاحتياجات دون مبالغة أو إقصاء.

مسؤولية مشتركة

وأوضح الرقادي أن نشر الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية جماعية تتوزع بين وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية والخاصة والجمعيات والأفراد. وأشار إلى أن الإعلام يمكنه تبسيط المفاهيم وتصحيح المصطلحات والصور النمطية، فيما تسهم الجامعات في إجراء الدراسات وتطوير الحلول المبنية على المعرفة.

وأكد أهمية تقديم الخدمات تحت مظلة شاملة بدل تصنيفها باعتبارها مخصصة لفئة محدودة؛ فالمنحدر، على سبيل المثال، يستفيد منه مستخدم الكرسي المتحرك وكبير السن وعمال نقل الأغراض وأولياء الأمور الذين يستخدمون عربات الأطفال. وأضاف أن التصميم الشامل يقلل الحاجة إلى تنفيذ تعديلات لاحقة، ويوفر خدمة أفضل لأكبر عدد ممكن من المستخدمين.

وصول رقمي

وبيّن الرقادي أن الوصول الرقمي أقل تكلفة مقارنة بإعادة تأهيل المباني والمنشآت، وأن معظم الهواتف والحواسيب الحديثة تتضمن تقنيات مساعدة بصورة مجانية. وأوضح أن الأشخاص المكفوفين يستخدمون قارئات الشاشة التي تحول النصوص الظاهرة على الهاتف أو الحاسوب إلى صوت، بما يمكنهم من قراءة الرسائل والمنشورات والمواقع الإلكترونية.

وأشار إلى أن قارئ الشاشة لا يستطيع التعرف على محتوى الصور ما لم ترفق بوصف نصي، لذلك ينبغي على المؤسسات ووسائل الإعلام استخدام خاصية وصف الصور عند نشر المحتوى الرقمي. وأضاف أن كتابة وصف مختصر للصورة تضمن وصول المعلومة إلى الشخص الكفيف، كما تساعد المؤسسات على أرشفة الصور والبحث عنها بسهولة داخل حساباتها الرقمية.

وأكد أن تهيئة المحتوى لا تحتاج دائمًا إلى ميزانيات كبيرة، وإنما تتطلب وعيًا بطريقة استخدام الأدوات المتاحة والالتزام بها في العمل اليومي.

الترقية الوظيفية

وكشف الرقادي أن الإعاقة قد تكون في بعض المؤسسات سببًا غير معلن لحرمان الموظف من الترقية أو الوصول إلى المناصب القيادية، رغم امتلاكه الخبرة والكفاءة. وأشار إلى وجود موظفين من ذوي الإعاقة أمضوا عشرات الأعوام في العمل ويمتلكون معرفة ومهارات واسعة، إلا أنهم ظلوا في المواقع الوظيفية نفسها نتيجة النظرة النمطية تجاه قدراتهم.

وتساءل عن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يتولون مناصب قيادية أو مسؤوليات عليا، مؤكدًا أن هذا السؤال مشروع ويستحق الدراسة على مستوى مختلف المؤسسات. وأضاف أن الإعاقة لا ينبغي أن تكون عائقًا أمام الترقية ما دامت لا تمنع الموظف من أداء مسؤوليات الوظيفة، موضحًا أن دولًا خليجية وعربية قدمت نماذج لأشخاص من ذوي الإعاقة تولوا مناصب وزارية وقيادية.

كسر الصورة النمطية

وأكد الرقادي أن وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المواقع القيادية يسهم في تغيير نظرة المجتمع إليهم، ويثبت قدرتهم على الإدارة وصنع القرار. وأشار إلى أن بعض المؤسسات قد تربط المنصب القيادي بصورة شكلية محددة، ما يقلل فرص الأشخاص ذوي الإعاقة حتى عندما تتوافر لديهم المؤهلات والخبرات المطلوبة.

وأوضح أن المؤسسات الحكومية يمكن أن تقدم نموذجًا للقطاع الخاص في هذا الجانب، إذ غالبًا ما يسترشد القطاع الخاص بالتوجهات والمعايير المطبقة في الجهات العامة. وأضاف أن تمكين الموظفين ذوي الإعاقة من حقوقهم الوظيفية والترقية العادلة أصبح ضمن مؤشرات الجودة المؤسسية في عدد من المعايير والتقييمات الدولية.

تحدي المعرفة

ورأى الرقادي أن التحدي الأكبر أمام الوصول الشامل لا يتمثل في نقص الخدمات وحده، وإنما في محدودية فهم المفهوم لدى بعض المختصين والمصممين والمنفذين. وأوضح أن عددًا من العاملين في تصميم المنشآت والبيئات الرقمية لا يزال ينظر إلى الوصول الشامل بوصفه مجرد توفير مرفق للأشخاص ذوي الإعاقة.

وأكد أن هذا التصور أصبح متجاوزًا، لأن المفهوم الحديث يقوم على تصميم البيئة منذ البداية لتلائم الجميع، بدل إضافة حلول منفصلة بعد تنفيذ المشروع. ودعا المهندسين والمصممين والمخططين إلى الاطلاع على معايير الوصول الشامل وإدراجها في الأعمال الإنشائية والرقمية، خصوصًا مع ما تشهده سلطنة عُمان من توسع تنموي وعمراني.

تنظيم الجهود

وأشاد الرقادي بالجهود التي تبذلها وزارة التنمية الاجتماعية والجمعيات والناشطون والمؤسسات الحكومية في دعم الأشخاص ذوي الإعاقة. ورأى أن تخصيص منصب وكيل وزارة معني بالأشخاص ذوي الإعاقة يمكن أن يسهم في تنظيم الجهود وتوجيهها بصورة أكثر تركيزًا وتكاملًا.

وختم حديثه بالدعوة إلى إدراج الوصول الشامل ضمن جميع المشروعات الجديدة، ومراعاة احتياجات أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع عند تصميم المباني والتطبيقات والمنصات والخدمات.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو