م. عبدالله النعيمي لـ«الوصال»: خفض فاقد المياه في عُمان من 48 إلى 30 بالمائة يعكس تطور كفاءة الشبكات والتشغيل
مياه نماء صالحة للشرب إذا كانت خزانات المستهلكين نظيفة
منتدى الوصال
الوصال ــ أوضح المهندس عبدالله بن محمد النعيمي الرئيس التنفيذي للتشغيل والصيانة في نماء لخدمات المياه، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن استضافة سلطنة عُمان لمؤتمر دولي معني بفاقد المياه في عام 2028 تمثل محطة مهمة تضع سلطنة عمان في مصاف الدول الحاضرة بفاعلية في هذا الملف الحيوي، مشيرًا إلى أن إعلان الاستضافة جاء خلال مشاركة الوفد العُماني في البرازيل، حيث تمكنت عُمان من الفوز بتنظيم هذا الحدث العالمي، وهو ما عدّه تتويجًا لجهود طويلة في تطوير قطاع المياه، ولما تحقق من حضور مهني وفني في هذا المجال. وأضاف أن هذا المؤتمر سيشكل منصة للمعرفة والابتكار وتبادل الخبرات، ويجمع خبراء ومختصين من مختلف أنحاء العالم لعرض التجارب والتقنيات المرتبطة بإدارة فاقد المياه وتقليل الهدر ورفع كفاءة الشبكات.
ما معنى فاقد المياه؟
وبيّن النعيمي أن مصطلح فاقد المياه هو مصطلح فني يشير ببساطة إلى الفارق بين كمية المياه المنتجة من محطات التحلية وكمية المياه التي تصل فعليًّا إلى المشتركين. وأوضح أن هذا الفارق لا يعني بالضرورة أن كل المياه المفقودة ذهبت هدرًا بالمعنى المباشر، لأن جزءًا منها يستخدم في تشغيل الشبكات وغسلها، بينما يرتبط جزء آخر بتسريبات أو توصيلات غير قانونية أو أعطال في العدادات أو غيرها من الأسباب الفنية والتجارية. وأكد أن جميع شركات المياه حول العالم تسعى إلى الوصول إلى مستويات منخفضة من هذه النسبة، لأن كفاءة الشبكات تقاس إلى حد كبير بحجم المياه المفقودة منها، وكلما انخفضت هذه النسبة ارتفعت كفاءة الشركة وتحسن أداؤها.
النسبة في عُمان
وأشار إلى أن نسبة فاقد المياه في سلطنة عُمان تبلغ حاليًّا نحو 30 بالمائة، بعد أن كانت في حدود 48 بالمائة في السنوات الماضية، ما يعكس تقدمًا تدريجيًّا في هذا الملف. وأوضح أن الحديث عن نسبة عالمية موحدة ومقبولة ليس دقيقًا، لأن كل دولة تقيم الموضوع من منظورها الاقتصادي والمائي، ففي الدول التي تتوفر فيها المياه بكثرة قد تقبل الشركات نسبًا أعلى، بينما تكون المسألة أكثر حساسية في دول مثل سلطنة عُمان، حيث يتم إنتاج المياه بتكاليف مرتفعة من خلال محطات التحلية التي تستهلك الطاقة والموارد. وأضاف أن هناك ما يعرف بالمستوى الاقتصادي للفاقد، أي النقطة التي يصبح فيها خفض الفاقد أكثر كلفة من الفائدة الناتجة عن تقليله، وهو ما يجعل المعالجة مرتبطة بالحسابات الفنية والاقتصادية معًا.
فاقد لا يمكن إلغاؤه تمامًا
وأوضح النعيمي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الوصول إلى فاقد صفري غير ممكن عمليًّا، لأن هناك نسبة طبيعية تتراوح عادة بين 7 و10 بالمائة تستخدم في تشغيل الشبكات وغسلها وصيانتها، وهي جزء من التشغيل الطبيعي للمنظومة. لكنه أشار إلى أن المساحة الأكبر من الفاقد تبقى قابلة للمعالجة، وتتمثل في التسريبات الفنية، سواء المرئية أو غير المرئية، إضافة إلى الجوانب التجارية مثل مشكلات العدادات أو التوصيلات غير القانونية، ولذلك تركز الشركة على خفض هذه النسبة عبر برامج فنية وتشغيلية مستمرة.
الجانب الفني
وأكد الرئيس التنفيذي للتشغيل والصيانة أن الجزء الأكبر من فاقد المياه يرتبط بشبكات التوزيع، موضحًا أن هذه الشبكات تمثل الحلقة الأكثر عرضة للتسربات والمشكلات، ولذلك يتركز جانب كبير من الجهد على رفع كفاءتها. وبيّن أن الشركة تعمل على خفض الضغوط داخل الشبكات إلى الحدود الفنية المقبولة، لأن ارتفاع الضغط يؤدي إلى زيادة احتمالات التسرب، كما تقوم بتأهيل الشبكات القديمة واستبدالها عند الحاجة. وأشار في هذا السياق إلى أن الشركة نفذت خلال الفترة الماضية أعمال تأهيل لنحو 1200 كيلومتر من شبكات المياه، إلى جانب استبدال أكثر من 45 ألف توصيلة منزلية، وهو ما أسهم في تحسين كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد الفني بصورة ملموسة.
الجانب التجاري
وفي الجانب التجاري، أوضح النعيمي أن جزءًا من الفاقد يرتبط بالأعطال في العدادات المنزلية أو بوجود توصيلات غير قانونية، مشيرًا إلى أن الشركة رصدت بالفعل بعض الحالات التي جرى فيها تجاوز العداد أو فكه وإيصال المياه مباشرة إلى الخزان، وهي ممارسات موجودة وإن كانت محدودة. وأضاف أن الشركة تتعامل مع هذه الحالات بالرصد والمعالجة، إلى جانب تعزيز التوعية والرقابة، بما يحد من هذا النوع من الفاقد الذي لا يرتبط بالمشكلات الفنية فقط، وإنما بالسلوك أيضًا.
دور المجتمع
وأشار النعيمي إلى أن مسؤولية تقليل الفاقد لا تقع على الشركة وحدها، بل تتوزع كذلك على المجتمع، موضحًا أن نحو 70 بالمائة من الجهد يتركز على الشركة في ما يتعلق بالشبكات والتقنيات والمعالجة، بينما يبقى للمواطن والمقيم دور مهم في الإبلاغ عن التسربات المرئية في الأحياء والمواقع المختلفة. وأشاد في هذا الجانب بارتفاع مستوى الوعي والتفاعل خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن الشركة تتلقى بلاغات عديدة من أفراد المجتمع عن مواقع التسربات، وتتحرك فرقها بناء عليها بشكل مباشر. وأضاف أن عملية الإبلاغ أصبحت سهلة عبر منصة نماء لخدمات المياه، حيث يكفي إرسال الموقع لتتحرك الفرق المختصة إلى المكان ومعالجة الإشكالية.
تقنيات حديثة للرصد
وأكد أن الشركة وظفت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من التقنيات الحديثة في الكشف عن فاقد المياه، من بينها إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، وهي أدوات تساعد على رصد المناطق التي يحتمل وجود تسربات فيها. كما أشار إلى استخدام الأقمار الاصطناعية للكشف عن التسربات تحت الأرض، وهي تقنية حديثة قال إن السلطنة كانت من أوائل الدول التي استفادت منها في هذا الملف، لافتًا إلى أن نسبة دقة هذه التقنية وصلت إلى أكثر من 85 بالمائة. وإلى جانب ذلك، تستخدم الشركة أجهزة تعتمد على رصد الضوضاء أو الأصوات الناتجة عن تسرب المياه تحت الأرض، وقد بلغت دقة هذه الوسائل أكثر من 90 بالمائة، وهو ما يعزز قدرة الفرق الفنية على تحديد المواقع بدقة أكبر قبل البدء في الحفر والمعالجة.
مناطق قياس ذكية
وأوضح النعيمي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن نماء لخدمات المياه عمدت أيضًا إلى تقسيم الشبكات إلى ما يعرف بمناطق القياس، وهي مناطق مرتبطة بنظام إلكتروني يقوم بقياس تدفقات المياه فيها، وبناء على التغيرات في هذه التدفقات ترسل خوارزميات النظام تنبيهات إلى المهندسين والفنيين في المحافظات لتحديد المواقع المحتمل أن تشهد تسربًا. وأضاف أن هذه المقاربة، إلى جانب انتشار نحو 20 فريقًا ميدانيًّا في أنحاء السلطنة، ساعدت على رفع كفاءة العمل الميداني، مشيرًا إلى أن هذه الفرق كلها عمانية بالكامل، مع وجود شركات صغيرة ومتوسطة مساندة جرى تأهيلها وتدريبها للمشاركة في أعمال الكشف والمعالجة، بما يعزز المحتوى المحلي ويفتح في الوقت نفسه فرصًا للباحثين عن عمل والشركات الناشئة المتخصصة.
تكلفة التحلية تتراجع
وفي حديثه عن كلفة إنتاج المياه، أكد النعيمي أن التطورات التقنية ساهمت بشكل واضح في خفض هذه الكلفة خلال السنوات العشر الماضية بنسبة تراوحت بين 40 و50 بالمائة، وهو تطور وصفه بالمهم. وأوضح أن من أبرز العوامل التي أسهمت في ذلك دخول تقنيات أحدث في مجال التحلية، مثل تقنيات التناضح العكسي، ورفع نسب استرجاع المياه من مياه البحر إلى مستويات أعلى بكثير من السابق، إلى جانب خفض كلفة استهلاك الطاقة، التي كانت تشكل سابقًا نسبة أكبر من الكلفة الإجمالية للإنتاج، بينما باتت اليوم عند مستويات أكثر قبولًا بفضل التحسينات التقنية.
الملوحة ترفع الكلفة
ولفت إلى أن كلفة إنتاج المياه تختلف من محطة إلى أخرى بحسب ملوحة المياه في الموقع، فكلما ارتفعت الملوحة ارتفعت الطاقة اللازمة للتحلية، وبالتالي ترتفع الكلفة. وأشار إلى أن بعض المواقع في محافظة الوسطى مثلًا تصل فيها الملوحة إلى مستويات مرتفعة، ما يجعل التحلية فيها أكثر كلفة مقارنة بمحطات أخرى مثل محطة الغبرة، غير أن الفروق تبقى مرتبطة كذلك بعوامل أخرى، من بينها نقل المياه وضخها وتوزيعها.
الأمن المائي
وفي ما يتعلق بالاعتماد على محطات التحلية، أوضح النعيمي أن موضوع الأمن المائي يحظى باهتمام بالغ لدى نماء لخدمات المياه وشركائها من الجهات الحكومية والتنظيمية والمشغلين، مؤكدًا أن هناك خططًا واضحة لاستمرارية الأعمال وتعزيز الأمن المائي. وأشار إلى أن هذه الخطط تتضمن تأمين قطع الغيار، وتوفير البدائل في حال حدوث أعطال، إلى جانب الربط التبادلي بين محطات التحلية، بحيث يمكن تعويض أي توقف في محطة ما من خلال المحطات الأخرى، وهو ما يجري العمل به بالفعل في السلطنة ضمن منظومة طوارئ وخطط احترازية متكاملة.
محطات التحلية في عُمان
وأوضح أن سلطنة عمان تضم نحو سبع محطات تحلية رئيسية موزعة على خليج عُمان وبحر العرب، إلى جانب نحو 56 محطة صغيرة تخدم التجمعات السكانية في مختلف أنحاء البلاد. وأضاف أن هذه المنظومة، مع ما يرافقها من ربط وتوزيع وتخزين، تشكل اليوم ركيزة أساسية في تلبية الطلب على المياه، وتوفر كذلك قدرًا من الاحتياط في بعض المحطات ضمن إدارة المنظومة على المستوى الوطني.
مياه الشرب
وأكد النعيمي أن المياه التي تصل من الشركة صالحة للشرب وتخضع لمعايير واضحة ومراقبة مستمرة من جهات مختصة، موضحًا أن قطرة المياه التي تخرج من محطة التحلية تصل إلى المستهلك بالمواصفة نفسها إذا كانت ظروف التخزين والاستخدام سليمة. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن صلاحية المياه عند نقطة الاستخدام ترتبط بنظافة الخزان المنزلي وحسن صيانته، لأن المشكلة قد لا تكون في المياه نفسها، وإنما في ما يطرأ عليها داخل الخزان أو الشبكة الداخلية للمبنى. وأوضح أن المياه المنتجة من محطة مثل بركاء تصل إلى الجبل الأخضر بالنوعية نفسها، بفضل الجهود التشغيلية التي تبذلها الشركة لضمان الكمية والنوعية وفق المواصفات العمانية والعالمية.
المياه المجددة
وتطرق النعيمي إلى استخدام المياه المجددة، مشيرًا إلى أن الشركة تعمل على توسيع الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الأغراض الزراعية والصناعية، بما يقلل استخدام مياه الشرب في هذه المجالات. وأشار إلى افتتاح مشروع «الشخاخيط» في نهاية عام 2025، وهو مشروع يهدف إلى تزويد عدد من المزارع بالمياه المجددة لاستخدامها في الزراعة، إلى جانب تزويد بعض المصانع والشركاء التجاريين بهذه المياه لاستخدامها في التبريد أو الأغراض الصناعية. وأكد أن هذه التوجهات تسهم في تخفيف الضغط على مياه الشرب، مع ما تحتاجه من استمرار في التوعية ورفع مستوى التقبل المجتمعي.
استخلاص الماء من الهواء
وفي ما يتعلق بالتقنيات المستقبلية، أشار النعيمي إلى أن استخلاص المياه من الهواء أو من الرطوبة ليس مجرد طرح نظري، بل توجد بالفعل تقنيات وتجارب في هذا المجال، غير أن التحدي الحالي يتمثل في محدودية الكميات المنتجة، إذ لا تزال هذه الوسائل غير قادرة على توفير كميات تجارية كبيرة تلبي الاحتياجات الواسعة. لكنه أكد في الوقت نفسه أن تطور التقنية وارد، وأن المستقبل قد يشهد تحسنًا في هذا الجانب، تمامًا كما تطورت تقنيات الطاقة المتجددة خلال العقود الماضية وأصبحت اليوم واقعًا مطبقًا على نطاق واسع.
مؤتمر 2028
وعن المؤتمر الدولي لإدارة فاقد المياه الذي ستستضيفه السلطنة في 2028، أوضح النعيمي أنه منبثق من منظمة المياه العالمية، وسيجمع خبراء ومختصين من مختلف الدول لعرض أوراق علمية وتجارب ناجحة في تقليل فاقد المياه وإدارة الشبكات واستخدام التقنيات الحديثة. وأكد أن السلطنة تسعى من خلال هذه الاستضافة إلى أن تكون منصة للمعرفة والابتكار في هذا المجال، وإلى إبراز التجربة المحلية والاستفادة في الوقت نفسه من الخبرات العالمية. كما أشار إلى وجود اهتمامات بحثية متواصلة في هذا الملف، من بينها شراكات مع جامعة السلطان قابوس، ومنها اتفاقية مرتبطة برسالة دكتوراه، إلى جانب تعاون أوسع مع عدد من الجامعات الحكومية والخاصة، بما يعزز البعد العلمي والتطبيقي لملف المياه في عُمان.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



