يشهد العمل الخيري في سلطنة عُمان تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، انتقلت به من دائرة المساعدات التقليدية المحدودة إلى فضاء أوسع يقوم على بناء الإنسان وتعزيز قدراته وتمكينه اقتصاديا واجتماعيا. وفي ظل هذا التحول تظهر مؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية كأحد النماذج المؤسسية التي استطاعت أن تقدم مقاربة مختلفة للعمل الخيري تقوم على الاستدامة والشراكة المجتمعية وقياس الأثر التنموي للمبادرات.

وأوضحت أمينة بنت حمد السليماني مدير المشاريع بالمؤسسة  لبرنامج وصال الخير مع مديحة السليمانية أن العمل الخيري أصبح اليوم جزءا من منظومة تنموية متكاملة تسعى إلى بناء مجتمع قادر على الإنتاج والمشاركة الفاعلة في التنمية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.

وأشارت أمينة السليماني إلى أن المؤسسة التي تأسست رسميا عام 2011 تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية شهدت خلال السنوات الماضية تطورا ملحوظا في فلسفة عملها، حيث انتقلت من تقديم المساعدات المباشرة إلى تصميم برامج تنموية تركز على تمكين الأفراد والأسر.

وأفادت أن الاستراتيجية الجديدة للمؤسسة، التي بدأ العمل بها مؤخرا، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل المجتمع والاقتصاد والبيئة، وهو ما يعكس التوجه العالمي نحو العمل الخيري التنموي القائم على الاستدامة.

وأضافت أن العمل الخيري سابقا كان يعتمد بدرجة كبيرة على الاستجابة للحالات الطارئة، أما اليوم فالمؤسسة تسعى إلى تمكين المستفيدين من الاعتماد على أنفسهم، عبر التدريب والتأهيل وتوفير الأدوات والفرص التي تساعدهم على بناء مصادر دخل مستدامة.

وأكدت أن قياس الأثر أصبح جزءا أساسيا من منهجية العمل في المؤسسة، حيث لا يقتصر تقييم المبادرات على عدد المستفيدين فحسب، بل يشمل أيضا التغيرات التي تحدث في حياة المستفيدين ومستوى تحسن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

وأشارت إلى أن من بين المبادرات التي تحرص المؤسسة على تنفيذها سنويا مبادرة "سحابة خير" الرمضانية، التي تجمع موظفي مجموعة محمد البرواني ومتطوعين من المجتمع في عمل جماعي لتجهيز وتوزيع السلال الغذائية للأسر المحتاجة.

وقالت أمينة السليماني إن المبادرة التي انطلقت قبل نحو عقد من الزمن تطورت لتصبح نموذجا للعمل التطوعي المؤسسي، حيث يشارك الموظفون والطلاب والمتطوعون في إعداد مئات الصناديق الغذائية وتوزيعها على الأسر المستحقة في مختلف المناطق.

وأوضحت أن المبادرة أصبحت فرصة لتعزيز قيم المشاركة المجتمعية والعمل الجماعي، إذ يشارك المتطوعون في جميع مراحل التنفيذ بدءا من تجهيز المواد الغذائية وحتى توزيعها على المستفيدين.

وأشارت إلى إحدى القصص التي لا تزال حاضرة في ذاكرتها منذ بدايات عملها في المؤسسة، عندما تلقت رسالة من أم تطلب المساعدة لإجراء عملية جراحية لابنتها المتفوقة دراسيا التي كانت تعاني من مشكلة حادة في النظر. وبعد دراسة الحالة والتواصل مع الجهات الطبية، تكفلت المؤسسة بإجراء العملية الجراحية للفتاة، التي تمكنت لاحقا من استكمال دراستها الجامعية والعمل معلمة، لتصبح نموذجا للتغيير الإيجابي الذي يمكن أن يحدثه الدعم في حياة الأفراد والأسر.

وبينت أن مثل هذه القصص تمثل دافعا مهما لمواصلة العمل، مؤكدة أن أبسط المبادرات قد تترك أثرا كبيرا في حياة الآخرين.

ومن المبادرات المهمة لمؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية مشروع ورشة الفخاريات في السجن المركزي بسمائل، الذي أطلق عام 2016 بهدف تدريب النزلاء على حرفة إنتاجية تساعدهم على استثمار وقتهم وتطوير مهاراتهم.

وقد شهد المشروع تطورا ملحوظا خلال السنوات الماضية، حيث أصبح النزلاء ينتجون قطعا فنية يتم عرضها في معارض سنوية وتحظى بإقبال من الزوار، كما يحصل المشاركون على نسبة من عائد بيع المنتجات لدعم أسرهم.

وأشارت أمينة بنت حمد السليماني مدير المشاريع في مؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية إلى أن المشروع أصبح نموذجا ناجحا لبرامج التأهيل داخل المؤسسات الإصلاحية، حيث يتيح للنزلاء فرصة تعلم مهارات جديدة تعزز فرص اندماجهم في المجتمع بعد انتهاء فترة العقوبة. كما حظي المشروع بتقدير إقليمي بعد أن تم تكريمه ضمن أفضل المشاريع الإنسانية على مستوى دول الخليج، لما يحققه من أثر اجتماعي واقتصادي مستدام.

في مجال التعليم، أكدت أمينة السليماني أن المؤسسة تولي الاستثمار في التعليم أهمية كبيرة نظرا إلى أنه يمثل أحد أهم أدوات التنمية المجتمعية، إذ يفتح آفاقا واسعة أمام الشباب ويمنحهم الفرصة لبناء مستقبل أفضل. ولهذا تقدم المؤسسة برامج للمنح الدراسية تستهدف الطلبة من الأسر ذات الدخل المحدود، حيث توفر لهم الدعم المالي اللازم لاستكمال دراستهم الجامعية.

وأوضحت أن هذه المنح تتعدى الرسوم الدراسية لتشمل دعما معيشيا ومتابعة أكاديمية مستمرة لضمان استمرارية الطالب في مسيرته التعليمية، حيث تحرص المؤسسة على متابعة الطلبة حتى بعد التخرج، ليصبحوا عناصر فاعلة في المجتمع يساهموا في نقل المعرفة والخبرة إلى غيرهم.

وتولي مؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية اهتماما خاصا بتمكين المرأة، من خلال برامج تدريبية ومشاريع إنتاجية منزلية تهدف إلى توفير مصادر دخل مستدامة للنساء من الأسر المتعففة، ومن أبرز هذه البرامج مشروع تدريب النساء على الخياطة، الذي انطلق في ولاية سمائل قبل أن يتوسع ليشمل ولايات أخرى، حيث تم تدريب المشاركات وتزويدهن بالمعدات اللازمة إضافة إلى توفير فرص تسويق منتجاتهن.

وأشارت أمينة السليماني إلى أن بعض المشاركات استطعن تحقيق دخل شهري يتراوح بين 300 و500 ريال عُماني، الأمر الذي أسهم في تحسين أوضاع أسرهن الاقتصادية وتعزيز استقلاليتهن المالية.

وفي إطار اهتمام المؤسسة بالشباب، أطلقت بطولة سنوية لرياضة البادل تهدف إلى تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة وتعزيز روح المنافسة الإيجابية بينهم. وقد شهدت البطولة إقبالا واسعا من الشباب في مختلف محافظات سلطنة عُمان، حيث تقام التصفيات في عدة محافظات قبل إقامة النهائيات في محافظة مسقط.

وترى أمينة السليماني أن الرياضة تمثل وسيلة مهمة لتعزيز الصحة البدنية والنفسية للشباب، كما تسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي.

وفي المجال الصحي، ساهمت المؤسسة في دعم عدد من المشاريع التي تستهدف تحسين الخدمات الصحية، من بينها تجهيز وحدة للعناية المركزة في مستشفى خولة، إضافة إلى دعم إنشاء مركز للتبرع بالدم في أحد المجمعات التجارية بالتعاون مع شركاء من القطاع الخاص.

وأوضحت أمينة السليماني أن هذه المبادرات تأتي استجابة لحاجة المجتمع إلى تعزيز خدمات التبرع بالدم وتسهيل وصول المتبرعين إلى هذه الخدمة الحيوية.

وأكدت أمينة السليماني مدير المشاريع في مؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية أن نجاح المبادرات المجتمعية يعتمد بدرجة كبيرة على بناء شراكات فعالة مع المؤسسات الحكومية والخاصة ومنظمات المجتمع المدني، مضيفة المؤسسة تسعى إلى تعزيز هذه الشراكات بما يسهم في توسيع نطاق المبادرات وزيادة أثرها، مؤكدة أن التعاون بين الجهات المختلفة يمكن أن يحقق نتائج أكبر مما يمكن لأي جهة تحقيقه بمفردها.

وأكدت على أن العمل الخيري عندما يقوم على التخطيط والحوكمة والشراكات الفاعلة يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.

لمتابعة الحلقة عبر الرابط التالي:

--:--
--:--
استمع للراديو