نداء الرمحي لـ«الوصال»: المنحة السامية مكنت باحثي جامعة السلطان قابوس من تحويل البحث العلمي إلى حلول تخدم المجتمع
منتدى الوصال
الوصال ــ أكدت نـــداء بنت خلــف الرمحـي، رئيسة قسم بحوث المنحة السامية بعمادة البحث العلمي بجامعة السلطان قابوس، خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن البحوث السامية تمثل أحد المسارات البحثية الاستراتيجية الراسخة في الجامعة، وقد تأسست بتوجيه سامٍ من لدن السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، واستمر دعمها في ظل الرعاية الكريمة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه -، موضحة أن هذه المنحة خُصصت للمشروعات البحثية الاستراتيجية ذات الأهمية الوطنية، والتي تتجه إلى مواجهة التحديات والقضايا المجتمعية، والإسهام في التنمية المستدامة، ودعم الباحثين داخل الجامعة وخارجها، وتعزيز التعاون مع الجهات الحكومية. وأضافت أن هذه المشاريع أسهمت خلال الأعوام الماضية في معالجة عدد من القضايا الوطنية في قطاعات متعددة، منها القطاع الطبي والطاقة والنفط والغاز والتعليم والتربية، ما يعكس اتساع أثرها وتنوع مجالاتها.
إرث مستمر
وأوضحت نداء الرمحي أن الإعلان عن المنحة السامية بدأ في عام 2000 بالتزامن مع زيارة السلطان الراحل قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - إلى جامعة السلطان قابوس في الثاني من مايو، وهي الزيارة التي اقترنت كذلك بتوجيهات سامية لتأسيس عمادة للبحث العلمي، فيما بدأ التطبيق الفعلي لهذه المشاريع في عام 2001. وأشارت إلى أن الجامعة اختارت هذا التاريخ ليكون يومًا احتفائيًّا بها، ويقترن في كل عام بإعلان نتائج البحوث الفائزة بالمنحة السامية، بما يمنح المناسبة بعدًا رمزيًّا وعلميًّا متجددًا.
تسعة مشاريع فائزة
وبيّنت نداء الرمحي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن الجامعة أعلنت هذا العام عن فوز تسعة مشاريع بحثية من مختلف الكليات والمراكز البحثية، معربة عن تهنئتها للباحثين الفائزين، ومؤكدة تطلعها إلى أن تكون هذه المشاريع رافدًا مجتمعيًّا مهمًّا، يسهم في حل قضايا قائمة، ويحقق نتائج إيجابية ملموسة. وأضافت أن المشاريع الفائزة توزعت على مجالات متنوعة، شملت القطاع الطبي والبيولوجي، والطاقة والتنمية المستدامة، والمجتمع والتعليم، والاقتصاد والسياسات العامة، والموارد الطبيعية، والنفط والغاز، والتقنيات الحديثة والتحول الرقمي، وهو ما يعكس اتساع الأفق الذي تتحرك فيه المنحة السامية، وتركيزها على الأولويات الوطنية ذات الصلة المباشرة بحياة الناس ومؤسسات الدولة.
تفاصيل المشاريع الفائزة
وأشارت نداء الرمحي إلى أن قائمة المشاريع الفائزة هذا العام ضمت مشروع الأستاذ الدكتور خالد الرصادي من مركز البحوث الطبية، ويتناول التوصيف الشامل لفرط كوليسترول الدم لدى العمانيين باستخدام المقاييس الحيوية المتعددة والذكاء الاصطناعي. كما فاز الدكتور حافظ عآصف من كلية الهندسة بمشروع حول التكنولوجيا المالية الكمومية، والدكتور بدري كامل من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بمشروع يتصل بتصميم سياسات المشتريات العامة، والدكتور عثمان تاورة من مركز النفط والغاز بمشروع حول إطار عمل رقمي متكامل لتعزيز الاستخلاص المعزز للنفط. كما شملت القائمة مشروع الأستاذ الدكتور حيدر اللواتي من كلية العلوم عن الطريقة المدعومة بتعلم الآلة للكشف المتزامن عن المعادن الثقيلة، ومشروع الدكتور رشيد سبيع من كلية العلوم عن توليد البلازمون لأجهزة الحوسبة العصبية، ومشروع الدكتور صالح جلالي من مركز أبحاث البيئة عن دراسات علمية متعددة النطاقات نحو إدارة مستدامة لنباتات المسكيت الغازي، ومشروع الدكتور أشيش من مركز الطاقة المستدامة عن تحويل النفايات إلى وقود، إلى جانب مشروع الدكتور أحمد فهمي من كلية التربية، الذي يبحث أثر التواصل الاجتماعي على الطلبة والمجتمع.
ما بعد الفوز..؟
وأوضحت أن فوز المشروع لا يمثل نهاية المسار، وإنما بداية مرحلة جديدة من العمل البحثي المنظم، تبدأ باعتماد موازنات هذه المشاريع من الناحية المالية، باعتبار أن المنحة السامية تقدم دعمًا ماليًّا مباشرًا للمشروع البحثي. وأضافت أن الباحث بعد إعلان الفوز يبدأ بالتواصل مع عمادة البحث العلمي لتحديد احتياجات مشروعه، سواء في ما يتعلق بالنشر العلمي، أو حضور المؤتمرات، أو تعيين مساعدين باحثين، أو إقامة ورش عمل، أو طلب المتطلبات الفنية والمخبرية الأخرى المرتبطة بالمشروع. وبينت أن عمادة البحث العلمي، ممثلة في قسم بحوث المنحة السامية، تتولى إدارة هذه المشاريع ومتابعتها على مدار ثلاث سنوات قابلة للتمديد، مع إلزام الباحثين بتقديم تقارير سنوية توضح سير العمل، والنتائج المتحققة، والتحديات التي تواجههم، وصولًا إلى التقرير النهائي الذي يعرض مخرجات المشروع وآثاره المتوقعة على المجتمع والقطاعات المعنية.
مراحل تقييم دقيقة
وتحدثت نداء الرمحي عن آلية تقييم المشاريع المتقدمة، مؤكدة أن عملية التقييم تستغرق عادة ما بين أربعة وخمسة أشهر، وتمر بعدة مراحل تبدأ من الكليات والمراكز البحثية داخل الجامعة، التي تقوم أولًا بتقييم المقترحات وفلترتها وفق معايير محددة، ثم ترفع المشاريع المجازة إلى عمادة البحث العلمي. وأضافت أن العمادة تشكل لجنة داخلية خاصة لتقييم هذه المشاريع وفق مجموعة من المعايير، من أهمها مدى اتسام المشروع بالطابع الاستراتيجي، وارتباطه بالأولويات الوطنية، وقدرته على معالجة قضايا مجتمعية، إلى جانب كونه بحثًا تطبيقيًّا يمكن أن يقود إلى منتج أو حل أو ابتكار ملموس، فضلًا عن كفاءة الفريق البحثي والشراكات التعاونية مع الجهات الحكومية والخاصة. وبعد ذلك، تمر المشاريع المقازة إلى تقييم من جهات حكومية ومحكمين خارجيين دوليين، قبل أن تنظر فيها لجنة البحث العلمي بالجامعة، التي تمنح الباحثين درجات نهائية، وعلى أساسها يتم اختيار أعلى المشاريع ترتيبًا للتأهل النهائي والفوز بالمنحة.
أعداد المتقدمين
وأشارت إلى أن عدد المشاريع المتنافسة هذا العام بلغ 22 مشروعًا، موضحة أن هذا العدد يختلف من عام إلى آخر بحسب طبيعة الأولويات المطروحة، وبحسب ما تقوم به الكليات والمراكز من فلترة أولية للمشاريع، بحيث لا ترفع إلى عمادة البحث العلمي إلا المقترحات التي تلامس الأولويات الوطنية وتحقق غاية المنحة السامية في حل القضايا المجتمعية. وأكدت أن هذا الدور الأولي للكليات والمراكز يسهم في تقليص العدد المرفوع إلى العمادة، مع الحفاظ على جودة المقترحات ومستوى ارتباطها بالمجالات الاستراتيجية المستهدفة.
البحث العلمي وأثره المجتمعي
وأكدت نداء الرمحي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن من ينظر إلى البحث العلمي بوصفه شأنًا نخبويا أو أكاديميًّا صرفًا قد لا يدرك أثره المباشر في المجتمع، غير أن التجربة العملية تثبت أن هذه المشاريع كانت ولا تزال جزءًا من الحل في عدد من القضايا المجتمعية والوطنية. واستشهدت بعدد من الأمثلة، منها مشروع الأستاذ الدكتور يحيى الفارسي حول التوحد، الذي أسهم في تأسيس مركز متخصص في هذا المجال، وأصبح اليوم مرجعًا مهمًّا للتعامل مع هذه الحالة التي شهدت تزايدًا ملحوظًا، كما أشارت إلى مشروع الأستاذ الدكتور عبدالله السعدي المتعلق بسوسة النخيل، والذي ساعد في معالجة مشكلة مؤثرة في أحد أهم الموارد الزراعية والاقتصادية في السلطنة. وأضافت أن هناك كذلك مشروعات بحثية في كلية التربية، مثل مشروع الحقيبة المدرسية الإلكترونية، الذي خفف من أعباء الحقيبة التقليدية، وحصل على الملكية الفكرية، فضلًا عن مشروعات أخرى متعددة، ما يؤكد أن البحث العلمي ليس ترفًا، وإنما أداة لصناعة المعرفة وحل المشكلات وتطوير المجتمع.
شغف يتزايد
ولفتت إلى أن الشغف بالبحث العلمي ما يزال حاضرًا ويتزايد بين الطلبة والباحثين، خاصة بعد إنهاء الدراسات العليا، إذ يتجه كثير منهم مباشرة إلى النشر العلمي والمشاركة في المشاريع البحثية. وأوضحت أن هذا الشغف واضح من خلال الإقبال المتنامي على الأوراق العلمية والمبادرات البحثية، وهو ما يعكس وعيًا متناميًا بأهمية هذا المجال في بناء المسار الأكاديمي والإسهام في خدمة المجتمع.
إدارة يومية للمنح
وأوضحت الرمحي أن إدارة بحوث المنحة السامية تمثل حلقة الوصل بين الباحث ومتطلباته البحثية، إذ تتعامل مع الجانب الإداري والمالي للمشروع في آن واحد. وبيّنت أن العمل يبدأ فعليًّا من اليوم التالي لإعلان المشاريع الفائزة، من خلال ترتيب الموازنات واعتمادها وفق أنظمة محددة، ثم التعامل مع طلبات الباحثين المتعلقة بعقود المساعدين، والأجهزة، والمواد، واحتياجات التنفيذ. وأكدت أن القسم يضطلع بدور أساسي في تسهيل الإجراءات ومتابعة الباحثين والتعامل مع تقاريرهم، بما يضمن استمرار المشروع في مساره الصحيح، وعدم تعثره بسبب الجوانب الإدارية أو المالية. كما أشارت إلى أن الجامعة دشنت في العام الماضي منصة «باحثه»، التي أصبحت أداة رئيسة في تقديم المقترحات البحثية، ومتابعة طلبات الباحثين، وتيسير إدارة المنح البحثية بشكل أكثر شمولًا وسهولة.
مساعدون باحثون
وتطرقت إلى دور المساعدين الباحثين في هذه المشاريع، موضحة أن المنحة تتيح عقودًا مؤقتة بأنظمة مختلفة، منها العمل الكلي، والعمل الجزئي، والعمل بالساعات، بحسب حاجة المشروع. وأضافت أن الباحث الرئيس، بحكم ارتباطه بالتدريس والإدارة والإشراف الأكاديمي، لا يستطيع القيام بكل تفاصيل المشروع وحده، لذلك تأتي هذه العقود لدعم المشروع بفريق مساعد، يمكن أن يشمل طلبة دراسات عليا أو باحثين آخرين، يتولون مهام مثل جمع البيانات، أو تشغيل الأجهزة، أو تحليل النتائج، أو تنفيذ بعض الجوانب الفنية للمشروع. وأكدت أن هذه العقود تمثل جانبًا مهمًّا في تمكين المشاريع من التنفيذ الفعلي وتحقيق مخرجاتها.
بين النجاح والتحديات
وفيما يتعلق بإمكان تعثر بعض المشاريع أو عدم بلوغها النتائج المرجوة، أوضحت الرمحي أن البحث العلمي بطبيعته يواجه تحديات متعددة، خاصة عندما يكون مرتبطًا بتعاون مع جهات أخرى أو بظروف تنفيذية معقدة. لكنها أشارت إلى أن الجامعة لا تنظر إلى الأمر بوصفه «فشلًا» بالمعنى المباشر، لأن المشروع، حتى إن لم يصل إلى الحل النهائي المستهدف، يظل منتجًا للمعرفة، وقد يقود إلى أوراق علمية مهمة أو مخرجات معرفية ذات قيمة. وأضافت أن دور عمادة البحث العلمي لا يقتصر على المتابعة الشكلية، بل يمتد إلى الاستماع إلى هذه التحديات، ودعم الباحثين، وتعزيز بعض جوانب التمويل أو التسهيلات إذا اقتضت الحاجة، حتى لا تصل المشاريع إلى مرحلة التوقف أو الإخفاق. وأشارت في هذا السياق إلى دور عميد البحث العلمي الدكتور غازي الرواس، الذي وصفت حضوره بأنه فاعل في الإنصات للباحثين ودعمهم في هذه المسارات.
شراكة مع الجهات الخارجية
وأكدت الرمحي أن من شروط المنحة السامية أن يضم الفريق البحثي باحثًا أو ممثلًا من خارج الجامعة، سواء من جهة حكومية أو من قطاع آخر ذي صلة، لأن الغاية من هذه المنح هي أن تكون مرتبطة بتحديات حقيقية تعيشها القطاعات المختلفة. وأوضحت أن وجود هذا الطرف الخارجي يسهّل عملية جمع البيانات، ويعزز فرص تطبيق النتائج، ويجعل التعاون أكثر واقعية وارتباطًا بالحاجة الفعلية. وأضافت أن هذه الشراكة ليست شكلية، وإنما جزء من بنية المشروع البحثي منذ البداية، حتى يكون البحث أكثر قدرة على الوصول إلى نتائج قابلة للتنفيذ والاستفادة.
منصات ومراجع
وعن إمكان اطلاع المهتمين على البحوث السابقة ونتائجها، أوضحت الرمحي أن عمادة البحث العلمي تمتلك موقعًا إلكترونيًّا خاصًّا يتضمن كل ما يتعلق بالبحث العلمي، إلى جانب حسابات متخصصة ومنصة «باحثه»، التي تتيح الاطلاع على المشاريع البحثية بحسب السنة، وتشمل القديمة والجديدة، كما تتيح لكل باحث أو مهتم الوصول إلى أدلة الباحثين الخاصة بكل منحة، وما تتضمنه من اشتراطات ومعايير ومعلومات محدثة سنويًّا. وأكدت أن هذه المنصات تمثل مدخلًا مهمًّا للراغبين في التعرف إلى مسار المنح البحثية وتفاصيلها ومخرجاتها.
تعاون مع المؤسسات
وأشارت كذلك إلى أن عمادة البحث العلمي لا تقتصر على إدارة المنحة السامية فقط، وإنما تتعامل أيضًا مع منح واستشارات بحثية واتفاقيات تعاون مع جهات مختلفة، ومنها شركات ومؤسسات حكومية وخاصة. ولفتت إلى أن توقيع اتفاقية مع شركة «نماء لخدمات المياه» في يوم الجامعة يعكس هذا المسار، إذ توجد أقسام مختصة بهذا النوع من الشراكات، ويتم من خلالها فتح المجال أمام الباحثين للتنافس على المشاريع المدعومة من الجهات المختلفة، بما يربط الجامعة بحاجات المجتمع ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص على حد سواء. وأكدت أن أي جهة يمكنها التقدم بدعم أو مقترح بحثي، وأن الجامعة تمتلك الكفاءات البحثية التي تمكنها من الاستجابة لمثل هذه الاحتياجات.
رسالة أخيرة
وفي ختام حديثها، أكدت نداء الرمحي على أن يوم الجامعة بالنسبة لها ولقسم المنحة السامية يمثل محطة خاصة، لأنه يوم إعلان نتائج مرحلة طويلة من العمل والمتابعة والتقييم. وأكدت أن ما يهم في النهاية ليس مجرد عدد المشاريع الفائزة، وإنما الأثر الذي يمكن أن تحدثه هذه المشاريع في المجتمع العماني، وحجم ما يمكن أن تقدمه من حلول وقيم مضافة للقطاعات الوطنية المختلفة. وأضافت أن الجامعة محظوظة بكوكبة من الباحثين والأكاديميين المتمكنين، وأن دور عمادة البحث العلمي يتمثل في تمكين هؤلاء ومساندتهم حتى تستمر عجلة البحث العلمي في الجامعة، ويظل هذا الحقل رافدًا مجتمعيًّا قويًّا يخدم عمان في حاضرها ومستقبلها.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



