الوصال ــ بيّن المحامي والمستشار القانوني تركي المعمري، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن المشرّع العُماني اتجه في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات إلى تجريم استخدام المواقع الإلكترونية أو الأنظمة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في ممارسة أعمال السحر أو الشعوذة أو الدجل أو الخرافة، سواء تم ذلك بمقابل أو من دون مقابل، موضحًا أن مجرد استخدام الوسائل التقنية في هذا النوع من الأفعال أصبح كافيًا لقيام الجريمة، بغض النظر عن تحقيق ربح مالي أو وقوع منفعة مباشرة للغير. وأشار إلى أن هذا التطور التشريعي جاء ليواكب اتساع الفضاء الرقمي وانتشار هذه الممارسات عبر الحسابات والمواقع والمنصات المختلفة، بما يتطلب حماية قانونية أوضح للمجتمع.

عقوبات رادعة

وأوضح المعمري أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات قرر عقوبات جزائية صارمة لكل من يستخدم الوسائل التقنية في الترويج للسحر والشعوذة والدجل والخرافة، مبينًا أن هذه العقوبات تشمل الحبس الذي قد يصل إلى ثلاث سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى ألف ريال عُماني، مع إمكانية مصادرة الأجهزة والوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة، إلى جانب إغلاق أو حجب المواقع والحسابات المخالفة وفق الإجراءات القانونية المقررة. وأضاف أن هذه المنظومة العقابية تعكس توجهًا واضحًا نحو الردع والمنع، خاصة مع خطورة هذه الأفعال حين تنتقل من المجال الفردي المحدود إلى فضاء رقمي واسع التأثير.

بين الرأي والجريمة

وأشار المعمري إلى أن القانون لا يستهدف الآراء الشخصية أو المعتقدات الفردية أو النقاشات الفكرية المجردة، لكنه يتدخل عندما تستخدم الوسائل التقنية في ممارسة أعمال السحر والشعوذة أو الترويج لها أو الإقناع بها أو استغلال الآخرين من خلالها. وأضاف أن المعيار الأساسي في التفريق بين التعبير الشخصي والجريمة الإلكترونية يتمثل في وجود نشاط إلكتروني منظم أو مؤثر يهدف إلى الإيهام بقدرات خارقة أو خدمات غير حقيقية أو استغلال المتلقين، وليس مجرد إبداء رأي أو طرح فكرة شخصية لا تتجاوز هذا الإطار.

الحسابات المروجة

وأكد تركي المعمري أن التجريم يشمل كذلك الحسابات والصفحات والإعلانات الإلكترونية التي تروج لخدمات مثل فك السحر وقراءة الطالع وجلب الحظ والعلاج الروحاني القائم على الدجل والخرافة، موضحًا أن المسؤولية القانونية لا تقف عند من يمارس الفعل مباشرة، لكنها قد تمتد إلى من يروج له أو يعلن عنه أو يسهل الوصول إليه عبر وسائل التقنية. ولفت إلى أن اتساع هذه الممارسات عبر المنصات الرقمية يتطلب مزيدًا من الحذر والإبلاغ وعدم التعامل معها بوصفها أمرًا عابرًا أو مجرد محتوى ترفيهي.

موقع الضحية

وفي ما يتعلق بالشخص الذي يلجأ إلى هذه الجهات أو يتعامل معها، أوضح المعمري أن الأصل فيه أنه يعد ضحية، لكنه قد يجد نفسه في موقع الشريك أو المتدخل بحسب الأحوال القانونية إذا استمر في التعامل أو انخرط في ذات الواقعة على نحو يخرجه من وصف المتضرر إلى وصف المشارك. وأضاف أن الواجب على من يتبين له أن الأمر قائم على خرافات أو أوهام أو ممارسات غير مشروعة أن يبادر إلى الإبلاغ سريعًا قبل أن يقع في المحظور القانوني.

داخل عُمان وخارجها

وأشار المعمري إلى أن العبرة في هذا النوع من الجرائم ليست بالموقع الجغرافي للفاعل، وإنما باستخدام التقنية ذاتها، موضحًا أن الفضاء الرقمي واسع، وأن المسؤولية القانونية تقوم متى ما وقعت الجريمة باستخدام الوسائل التقنية، سواء كان مصدرها من داخل سلطنة عُمان أو من خارجها. وأضاف أن هذا الفهم ينسجم مع طبيعة الجرائم الإلكترونية التي تتجاوز الحدود التقليدية للدول وتفرض مقاربة قانونية تركز على الفعل ذاته وآثاره.

قانون يواكب المرحلة

وأوضح المعمري أن القانون الجديد لم يبدأ من فراغ، فالتجريم في هذا المجال كان موجودًا من قبل، لكن الإضافة الحالية تتمثل في توسيع نطاق التجريم ليشمل الممارسات المرتبطة باستخدام التقنية في صورها المختلفة. وأشار إلى أن القانون السابق مضى على صدوره ما يقارب ستة عشر أو سبعة عشر عامًا، وهو ما استدعى تحديثًا يراعي التطورات المتسارعة في استخدام الوسائل التقنية وتغير أنماط السلوك الرقمي. كما لفت إلى أن من الجوانب المهمة في القانون الجديد إدخال فكرة التصالح في بعض الجرائم الإلكترونية التي لم يكن التصالح فيها متاحًا في السابق، بما يدعم الإصلاح المجتمعي ويمنح مساحة لمعالجة بعض الآثار القانونية ضمن الأطر المنظمة لذلك.

دعوة إلى الوعي

وشدد المحامي والمستشار القانوني تركي المعمري على أن المرحلة الحالية تستدعي قدرًا أكبر من الوعي والتثقيف القانوني، في ظل اتساع استخدام التقنية بين مختلف الفئات العمرية، من الأطفال والأحداث إلى كبار السن. وأضاف أن أي خروج عن السلوك المنضبط عبر الوسائل الإلكترونية قد يتحول إلى مخالفة أو جريمة إذا انطبق عليه نص القانون، وهو ما يجعل التثقيف القانوني ضرورة مجتمعية لا تقل أهمية عن محو الأمية في المفهوم التقليدي. وأكد أن الناس بحاجة اليوم إلى أن يسألوا ويتحققوا ويستشيروا قبل الإقدام على أفعال أو منشورات أو تفاعلات قد تترتب عليها مسؤوليات قانونية لاحقة، خاصة أن المحتوى الإلكتروني يبقى محفوظًا ومؤرشفًا ويمكن الرجوع إليه.

الاعتداء والتنمر

ولفت المحامي تركي المعمري إلى أن القانون جرّم كذلك القذف والتشهير وانتحال الشخصية ونقل الشائعات وكل فعل مسيء للآخرين عبر الوسائل التقنية، مؤكدًا أن التنمر الإلكتروني والتعليقات الجارحة والألفاظ المسيئة تدخل ضمن الأفعال التي يمكن أن تخضع للمساءلة القانونية. وأضاف أن نطاق التجريم أصبح واسعًا وواضحًا، وأن الحذر في التعامل في وسائل التواصل الاجتماعي أصبح ضرورة أكبر من أي وقت مضى، لأن الكلمة أو الصورة أو المقطع قد تترتب عليها آثار قانونية مباشرة إذا تجاوزت حدودها المشروعة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو