الوصال ـ استعرضت الباحثة زكية بنت سيف المعمري، عضو الجمعية التاريخية العُمانية، الامتداد التاريخي للعلاقات العُمانية مع القارة الإفريقية، مؤكدة أن الصلات بين عُمان وإفريقيا تعود إلى قرون بعيدة، ولم تقتصر على حركة التجارة والملاحة، وإنما شملت تواصلًا بشريًا وثقافيًا ترك أثره في اللغة والعادات وأنماط الحياة.

وجاء حديث الباحثة زكية المعمري في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال بالتزامن مع بدء جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم زيارتي دولة إلى جمهوريتي بوتسوانا وأنجولا اعتبارًا من 16 سبتمبر 2026، في إطار تنمية المصالح المشتركة وتوسيع مجالات التعاون بين سلطنة عُمان والبلدين.

وقالت إن العلاقات العُمانية الإفريقية ليست وليدة المرحلة الراهنة، مشيرة إلى أن الدراسات والوثائق التاريخية ترجع جذورها إلى الألف الأول الميلادي، وأن كتاب «الطواف حول البحر الإريتري» يقدم إشارات إلى شبكات الملاحة والتجارة التي ربطت عُمان بالسواحل الإفريقية منذ وقت مبكر. وأوضحت أن هذا التواصل لم يكن اقتصاديًا فقط، وإنما صاحبته حركة اجتماعية وثقافية انعكست على أنماط الحياة في عدد من المجتمعات الواقعة على امتداد طرق التجارة البحرية.

من التجارة إلى الحضور الحضاري

وبيّنت الباحثة زكية المعمري أن العلاقات مرت بمراحل متعددة، بدأت بالتجارة والملاحة والتواصل البشري، ثم اتسعت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، قبل أن تصل إلى مرحلة أكثر حضورًا في القرن التاسع عشر خلال عهد السيد سعيد بن سلطان، عندما أصبحت زنجبار مركزًا رئيسيًا للتجارة والملاحة والتواصل العُماني في إفريقيا. وأشارت إلى أن النظر إلى التاريخ العُماني في إفريقيا لا ينبغي أن ينحصر في شرق القارة فقط، موضحة أن شبكات التواصل امتدت إلى نطاقات جغرافية أوسع، وشملت مناطق في القرن الإفريقي والبحيرات العظمى وصولًا إلى الصومال وبروندي وأوغندا ورواندا والكونغو.

وأضافت أن هذه الروابط التاريخية تجد اليوم امتدادات مختلفة في الشراكات الحديثة مع دول القارة، مستشهدة بالعلاقات المتنامية مع رواندا؛ إذ استقبل جلالة السلطان المعظم الرئيس بول كاجامي في صلالة مطلع سبتمبر الجاري، وجرى التأكيد خلال اللقاءات على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

المحيط الهندي بوابة التواصل

ولفتت زكية المعمري إلى أن الموقع الجغرافي لعُمان كان عاملًا رئيسيًا في تشكيل هذا الامتداد، إذ أسهم الإشراف على طرق الملاحة البحرية في انفتاح العُمانيين على مناطق واسعة عبر المحيط الهندي. وقالت إن امتداد السواحل العُمانية أتاح للعُمانيين منذ القدم الوصول إلى الصين والهند وسريلانكا وشرق إفريقيا وأجزاء من جنوب القارة، وهو ما جعل البحر عنصر اتصال بين الشعوب بدلًا من أن يكون حاجزًا بينها.

وأضافت أن حركة السفن والتجار أسهمت في تبادل السلع والأفكار والثقافات، وأوجدت روابط تجاوزت النشاط التجاري إلى علاقات اجتماعية وإنسانية أوسع.

إرث تاريخي وشراكات حديثة

ورأت أن العلاقات المعاصرة مع إفريقيا يمكن أن تستفيد من هذا الإرث الطويل في بناء مجالات تعاون جديدة، مشيرة إلى أن الانفتاح والتسامح والتواصل مع الشعوب شكّلت ملامح بارزة في الحضور العُماني التاريخي. وأوضحت أن القارة الإفريقية تمتلك إمكانات بشرية وموارد معدنية واقتصادية واسعة، ما يجعلها مجالًا قابلًا لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، ضمن علاقات تقوم على المصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، كانت سلطنة عُمان وبوتسوانا قد وقعتا في أبريل 2026 اتفاقيات تعاون شملت التنقيب عن المعادن وتطوير وتشغيل مرافق لتخزين المنتجات النفطية، إلى جانب تطوير وتمويل محطة للطاقة الشمسية، وذلك خلال زيارة رئيس بوتسوانا إلى سلطنة عُمان.  وأضافت أن مثل هذه المسارات تعكس انتقال العلاقات من بعدها التاريخي إلى شراكات معاصرة تتصل بالاقتصاد والاستثمار، مع بقاء الإرث الحضاري أحد العناصر الداعمة لفهم عمق الصلات بين سلطنة عُمان والقارة الإفريقية.

توثيق يمتد إلى الألف الأول الميلادي

وحول المصادر التي تناولت هذه العلاقات، أشارت إلى ورود إشارات في كتاب «الطواف حول البحر الإريتري»، إلى جانب دراسات أكاديمية تناولت جذور التواصل العُماني الإفريقي وامتداده إلى الألف الأول الميلادي. وأكدت أن قراءة العلاقات الحالية مع إفريقيا تكتسب بعدًا أوسع عند وضعها في سياق هذا التاريخ الطويل، إذ لا تبدأ من نقطة جديدة بالكامل، وإنما تستند إلى تراكم من الملاحة والتجارة والتواصل الإنساني والثقافي امتد عبر قرون.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو