في سياق اشتغالي على بحث يتناول التحصينات الدفاعية في ولاية نخل، أتيحت لي فرصة الصعود برفقة الزميل أسعد الجرجري إلى أعلى عقبة الصخبر، وهي من المرتفعات الجبلية التي تمثل امتدادًا تضاريسيًا لجبل البان من الجهة الجنوبية للولاية. وتُعزى تسمية العقبة بهذا الاسم إلى انتشار نبات الصخبر فيها، وهو نبات عشبي كثيف النمو ينتشر في الهضاب ومجاري السيول.

وتتميز العقبة بوجود مجموعة من المنشآت والتحصينات الدفاعية الحجرية، تتمثل في أبراج وحواجز مبنية بالحجارة، أُقيمت في مواقع استراتيجية تشرف على المدخل الجبلي الجنوبي لولاية نخل، وتمتد نزولًا باتجاه طوي العقبة. ويكشف توزيع هذه المنشآت عن وعي واضح بطبيعة المكان ومتطلبات الدفاع عنه؛ إذ أسهمت في مراقبة الممرات الجبلية وتأمين بعض المواضع التي قد تحجبها التضاريس عن الرؤية المباشرة، أو ما يمكن وصفه بالمناطق العمياء.

وأثناء المعاينة الميدانية للموقع، لفت انتباهي أسفل العقبة وجود مساحة شبه منبسطة، تنتشر فيها تكوينات صخرية كبيرة، وتتخللها تجاويف وأماكن تشبه المغارات والكهوف الصغيرة. وقد أشار الزميل أسعد، وهو من سكان منطقة علاية نخل، استنادًا إلى ما تواتر لديه عن جدته وبعض كبار السن، إلى أن هذه المنطقة المعزولة نسبيًا على سفح عقبة الصخبر كانت تُستخدم في فترة من الفترات مكانًا للحجر الصحي، ولا سيما في أثناء انتشار وباء الجدري الذي شهدته ولاية نخل، شأنها في ذلك شأن عدد من مناطق عُمان، خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

هذه التجاويف الصخرية التي تبدو اليوم ساكنة ربما شهدت قبل عقود أناسًا اضطروا إلى الابتعاد عن أسرهم وبيوتهم، ينتظرون الشفاء في عزلة فرضها الخوف من انتقال العدوى. وربما كان أهلهم يقفون على مسافة، يترقبون أخبارهم ويحملون إليهم ما يحتاجونه من طعام وماء، في صورة تكشف أن الحجر الصحي لم يكن مجرد إجراء وقائي، بل تجربة إنسانية عاش فيها المريض وأسرته مشاعر الخوف والانتظار والرجاء.

وتكتسب هذه الرواية الشفوية أهمية خاصة عند مقارنتها بما توصلت إليه الدراسات التاريخية التي تناولت تاريخ الحجر الصحي في عُمان، فقد أشارت دراسة الماجستير التي أعدتها أمل الجامعية في قسم التاريخ بعنوان "الحجر الصحي في عُمان (1888–1970م)" إلى أن عُمان تعرضت لموجات متعاقبة من الأوبئة والأمراض المعدية، وكان من أبرزها وباء سنة 1337هـ/1919م، الذي شاع في الذاكرة الشعبية باسم "رحلة صفر" أو "موتة صفر"؛ لوقوع جانب كبير من الوفيات في شهر صفر من ذلك العام.

من هذا المنظور، لا تبدو مناطق الحجر الصحي في عقبة الصخبر مجرد مساحة جغرافية اختيرت لبعدها عن التجمعات السكانية، وإنما تبدو مكانًا اختزنت تضاريسه جانبًا من الذاكرة الإنسانية، فهي لا تخبرنا فقط بما جرى، وإنما تعيد الإنسان إلى قلب الحدث التاريخي، وتمنح المواقع الصامتة أصواتًا ووجوهًا وتجارب لا تستطيع الوثائق الرسمية دائمًا الاحتفاظ بها.

ويُعرَّف الحجر الصحي (Quarantine) حسب دراسة منشورة في موقع المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بعنوان: " الحَجْر الصحي عبر التاريخ بأنه: "تقييد حركة الأشخاص أو عزلهم، وكذلك عزل غيرهم من الكائنات الحية، ممن يُحتمل أو يثبت تعرضهم لمصادر أمراض قابلة للانتقال، إلى أن يتأكد انتفاء احتمال تسببهم في نقل العدوى أو تشكيلهم خطرًا على الصحة العامة". ويكشف هذا المفهوم عن وظيفة الحجر بوصفه إجراءً وقائيًا يهدف إلى الحد من انتشار الأمراض المعدية وعزل مصادر العدوى المحتملة عن المجتمع.

وتشير دراسة الجامعية إلى أن إجراءات العزل في عُمان لم تقتصر على إبعاد المصابين عن التجمعات السكانية، وإنما شملت كذلك توفير احتياجاتهم الضرورية إلى حين شفائهم، فضلًا عن دفن من يتوفى منهم في مقابر تقع بالقرب من أماكن الحجر. ونظرًا إلى تعدد البيئات المحلية واختلاف الظروف المكانية، تنوعت المواضع التي استخدمت للعزل الصحي، كما تعددت تسمياتها في اللهجات المحلية؛ فاستُخدمت بعض المغارات والكهوف والبيوت لهذا الغرض، وارتبطت بها تسميات محلية مختلفة، في حين أُطلق على بعض الأماكن المخصصة لعزل المصابين بالجدري تحديدًا اسم "معزل المجدّر".

ختاما يمكن القول أن هذه الأماكن تمثل جزءًا من ذاكرة المكان والتاريخ الاجتماعي والصحي لولاية نخل؛ إذ تحتفظ بمؤشرات مادية وروايات شفوية تعكس إحدى الآليات التي لجأ إليها المجتمع المحلي لمواجهة الأوبئة والحد من انتقال العدوى في مرحلة سبقت قيام المؤسسات الصحية الحديثة.

وتبرز أهمية الموقع كذلك من زاوية إمكانية توظيفه في مجال السياحة المظلمة أو السوداء (Dark Tourism)، وهو المجال الذي تناولته الباحثة حنان اليعقوبي في دراستها للماجستير بقسم السياحة بعنوان: “تأثير الهوية الوطنية على تحسين تصورات المواطنين تجاه السياحة المظلمة في عُمان". ويشير هذا المفهوم، حسب تعريف (Caffrey, Cait) إلى "زيارة الأماكن التي ارتبط تاريخها بالموت أو الكوارث أو المعاناة الإنسانية". ومن ثم يمكن لموقع الحجر الصحي في عقبة الصخبر، بعد إخضاعه لمزيد من البحث التاريخي والميداني والتوثيق الشفوي والأثري، أن يمثل أحد مواقع الذاكرة المحلية التي توثق جانبًا مهمًا من تاريخ المجتمع العُماني في تعامله مع الأوبئة والأزمات الصحية.

هكذا يجمع موقع عقبة الصخبر بين بعدين تاريخيين متداخلين: البعد الدفاعي الذي تمثله الأبراج والحواجز الحجرية المشرفة على المداخل والمسالك الجبلية، والبعد الصحي والاجتماعي المتمثل في استخدام بعض أجزائه المعزولة للحجر الصحي، ويمنح هذا التداخل الموقع قيمة إضافية في دراسة تاريخ المكان؛ إذ يكشف عن تعدد وظائف المجال الجغرافي نفسه، وقدرة المجتمع المحلي على توظيف خصائصه التضاريسية والتكيف معه.

--:--
--:--
استمع للراديو