الوصال ــ قال البروفيسور عبدالله باعبود، الأكاديمي والمختص في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، إن المشهد الإقليمي الذي تلا «القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران» يكشف عن «محاولات» لجرّ دول الخليج إلى مواجهة مباشرة، مبينًا أن دول المجلس سعت ــ بحسب حديثه ــ إلى تجنيب المنطقة انخراطًا أوسع عبر إعلانها عدم السماح «باستخدام القواعد أو الأجواء» في عمليات تستهدف إيران.

«نأيٌ خليجي» ومحاولة لخلط الأوراق

وتناول باعبود، خلال استضافته في برنامج «فوانيس الوصال» الذي يُبث من «بيت الجريزة» مع سالم العمري، أن هناك ــ في تقديره ــ مسعى إسرائيليًا وغربيًا لزجّ دول الخليج في الحرب «بطريقة أو أخرى»، محذرًا من أن انجرار الأطراف الإقليمية قد يعيد رسم الاصطفافات رغماً عنها، خصوصًا مع اتساع نطاق الاستهداف ليشمل ــ وفق ما طرحه ــ منشآت وبنى تحتية وموانئ ومناطق سكنية، وهو ما قد ينعكس على الرأي العام ويؤثر في المواقف.

إسرائيل و«إعادة رسم التوازنات»

ورأى باعبود أن انخراط الخليج في الحرب قد يخدم إسرائيل استراتيجيًا، معتبرًا أن «محور المقاومة» شهد تراجعًا ملحوظًا بعد تطورات غزة وما جرى في ساحات إقليمية أخرى، وأن دول الخليج تمثل اليوم الكتلة العربية الأكثر تماسكًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في أي معادلة إقليمية جديدة.

وأضاف أن أي مواجهة خليجية ــ إيرانية مباشرة ستُحدث إعادة اصطفاف واسعة، وقد تمنح إسرائيل مساحة أوسع للحركة، سواء سياسيًا أو أمنيًا، في ظل انشغال الأطراف الإقليمية ببعضها البعض.

«العلم والتكنولوجيا»… مفتاح القوة

ومن «بيت الجريزة» الذي يعود تأسيسه إلى عام «1597»، استحضر باعبود مقارنة تاريخية بين تحولات القوة في القرون الماضية والتحولات الراهنة، مؤكدًا أن من يملك «العلم والتكنولوجيا والمعرفة» هو من يملك القدرة على فرض معادلاته. وأشار إلى أن التفوق الأوروبي في مرحلة الاستعمار ارتبط باكتشافات عسكرية وتقنية غيرت شكل الحروب، وأن المشهد اليوم يعيد إنتاج المعادلة نفسها بأدوات أكثر تعقيدًا.

وأوضح أن العالم العربي ظل في فترات طويلة يتحرك بدوافع عاطفية أو خطابية دون بناء قاعدة علمية مستقلة قادرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، لافتًا إلى أن معظم منظومات الدفاع والتسليح والاستراتيجيات ما تزال مرتبطة بمصادر خارجية، وهو ما يحد من الاستقلالية الكاملة في القرار.

«من يملك إنهاء الحرب؟»

وفي سياق الحديث عن امتداد المواجهة، أشار باعبود إلى أن الولايات المتحدة تسعى ــ في تقديره ــ لإنهاء الحرب سريعًا لتفادي ضغوط داخلية وخارجية، خاصة في ظل الكلفة الاقتصادية والسياسية المرتفعة لأي صراع طويل. لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن إطالة أمد الحرب ليست في مصلحة إيران أيضًا، نظرًا للفارق في القدرات العسكرية والتقنية، متحدثًا عن أرقام خسائر بشرية تجاوزت «500» قتيل، واستهداف طال مدارس وأحياء سكنية.

ورأى أن استمرار الحرب سيخلق موجات ضغط متبادلة، وقد يدفع الأطراف إلى البحث عن مخرج تفاوضي في مرحلة لاحقة.

«الحرب تغيّرت»… من الميدان إلى الفضاء السيبراني

وأكد باعبود أن الحروب الحديثة لم تعد تقليدية، بل أصبحت «تكنولوجية» بامتياز، تعتمد على الطائرات غير المأهولة، والصواريخ بعيدة المدى، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية التي يمكنها تعطيل الكهرباء والاتصالات والمطارات دون إطلاق رصاصة واحدة. وأشار إلى أن عمليات الاغتيال الدقيقة تعتمد على منظومات استخباراتية متقدمة ومراقبة تقنية عالية المستوى.

واعتبر أن هذا التحول يفرض على دول المنطقة إعادة ترتيب أولوياتها نحو البحث العلمي، وتطوير مراكز الدراسات، والاستثمار في التعليم والتقنيات الحديثة، بدل الاكتفاء بردود الفعل الآنية.

الخليج بين «الفلك الأمريكي» وتنويع الشراكات

وتوقف باعبود عند واقع العلاقة الخليجية ــ الأمريكية، مؤكدًا أن دول الخليج تدور في «فلك» واشنطن بحكم القواعد العسكرية، وصفقات السلاح، والارتباطات الاقتصادية. لكنه شدد على أن هذا الواقع لا يمنع من تنويع الشراكات وبناء علاقات متوازنة مع قوى أخرى كالصين وروسيا، بما يخلق هامش مناورة أوسع دون القطيعة مع الحليف الاستراتيجي.

وأشار إلى أن استمرار الحرب يهدد خطط التنمية والانفتاح الاقتصادي، ويؤثر في الاستثمار وحركة التأمين والشحن البحري، حتى لو ارتفعت أسعار النفط مؤقتًا.

بيان مجلس التعاون وضرورة «الردع الذاتي»

وعن بيان مجلس التعاون الذي أدان الاعتداءات ودعا إلى وقف الحرب، قال باعبود إن الموقف يعكس إدراكًا جماعيًا بخطورة المرحلة، لكنه دعا إلى ما هو أبعد من البيانات، عبر بناء منظومة ردع خليجية أكثر تكاملًا، سواء في الدفاع الجوي أو الأمن البحري أو التنسيق الاستخباراتي.

واستعاد تجارب سابقة مثل «قوة التدخل السريع» وأفكار «الجيش الخليجي المشترك» التي لم تستمر، معتبرًا أن التحدي يكمن في تجاوز حساسيات القيادة والثقة المتبادلة، وبناء آليات عملية تحفظ السيادة الوطنية لكل دولة مع تعزيز الأمن الجماعي.

نتنياهو و«توظيف التصعيد»

وفي قراءته للمشهد الإسرائيلي، رأى باعبود أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوظف التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية داخلية مع اقتراب استحقاقات انتخابية، عبر تقديم نفسه باعتباره صاحب استراتيجية هجومية أضعفت خصوم إسرائيل في الإقليم. وأشار إلى أن أي تغيير محتمل في بنية النظام الإيراني قد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية بصورة عميقة، وهو ما تسعى إليه أطراف عدة.

بريطانيا… توازن بين التحالف والضغط الداخلي

وفي محور المملكة المتحدة، أوضح باعبود أن العلاقة بين لندن وواشنطن «استراتيجية وتاريخية» وتعززت بعد «بريكست»، وأن إعلان عدم الدخول المباشر في الحرب لا ينفي إمكان استفادة الولايات المتحدة من قواعد أو تسهيلات عند الحاجة. واعتبر أن الموقف البريطاني يتأثر أيضًا بضغوط داخلية وانتقادات سياسية مرتبطة بالمواقف السابقة من حرب غزة.

«الوساطة العُمانية» خيار استراتيجي

واختتم الفبروفيسور عبدالله باعبود حديثه بالتأكيد على أن باب الحوار «لا يزال مفتوحًا»، وأن أي صراع ــ مهما طال ــ ينتهي إلى طاولة التفاوض. ودعا إلى دور خليجي فاعل في الدفع نحو التهدئة، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان تمتلك رصيدًا من الثقة يؤهلها للعب دور الوسيط، رغم ما يحمله هذا الدور من كلفة وضغوط.

وأكد أن السعي للسلام ليس ترفًا سياسيًا، وإنما «خيارًا مرتبطًا بمصير المنطقة»، وأن الاستقرار هو الشرط الأساسي لأي مشروع تنموي أو حضاري، في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو